الصحافة العربية في امريكا قراءة تاريخية
بقلم : أسامة فوزي

نشر في العدد رقم 242 بتاريخ 4 ابريل نيسان 1988

 

ليس صحيحاً أن خراب الذمم الصحافية فى العالم العربى قد اقتصر على صحافة الأنظمة العربية التي تلهج ليلا نهاراً بأخبار هذا الرئيس أو ذاك الشيخ فتزيف فى الوعى والحقائق والوجدان وتكرس لمفاهيم القمع تحت ستار الأمن القومى والديمقراطية المبرمجة فمثل هذا الخراب أصبح لحمة "نواة" العمل الصحافى فى أوروبة وأميركة ً. فكم من جريدة تقبض من هذا النظام أو ذاك وكم من مجلة رضى صاحبها أن يكون أجيراً لنظام مخابرات أو صدى لوزير إعلام أو ذيلاً لسفير أو ثرى أو أمير أو شيخ.
لكن الحق أيضا أن خراب الذمم قد تحول إلى مرض سرطانى امتد حتى حدود المكسيك فالصحافة العربية فى أميركة ليست أحسن حالا فيها زيادة عما فى صحافة الأنظمة الكثير من السخف والسطحية فى المستوي والانسلاخ عن الواقع وتورطها المفضوح فى تكريس الانهزامية فى المفاهيم الوطنية.
الحق يقال ايضا أن الصحافة العربية فى أميركة قد بدأت فى العام 1892 نقيه المضمون طاهرة القصد والتوجهات ولم يكن للدكتور نجيب اربيلى الذى أصدر فى ذلك العالم "كواكب أميركة" أو جوزيف معلوف الذى أصدر بعد ذلك بخمس سنوات "الأيام" أو نعوم مكرزل صاحب الهدى الصادرة عام 1898 أية مطامح "دولاراتية" إذا جاز التعبير ولم يكن همهم ارضاء هذا السفير أو ذاك الوزير وإنما انطلقوا من قناعة بأن المهاجرين إلى أميركة يحتاجون إلى منبر يعبر بلغتهم عن طموحاتهم فى حياة أفضل ويحفظ لهم لغتهم فيورثها – من خلال الصحيفة أو المجلة إلى الجيل الجديد وينقل للمهاجرين صورة موجزة عما يدور فى أوطانهم بعد أن عزت أنذاك وسائل الاتصال وليس سرا أن تلك المطبوعات قد حفلت بالكثير من النقد لما كان يدور هناك فى الوطن البعيد.
لكن نيويورك التى اطلقت إلى عالم الصحافة العربية "كواكب اميركة" و "الهدى" و "الايام" هى نفسها نيويورك التى تصدر منها الان نشرة سخيفة مسطحة اسماها صاحبها وهو يدعى عبد العزيز غريب بجريدة "اخبار العرب". والجريدة هذه باختصار عبارة عن قصقصات وقصاصات يقوم بها الغريب اسبوعياً فيأخذ من هذه الجريدة خيراً عن السلطان قابوس. ومن تلك تصريحاً لأمير الكويت ومن الثالثة لقاء مع هذا او ذاك ليصنع كوكتيلا عجيبا من اخبار السياسة والشيوخ والامراء والوزراء والسفراء يطعمه دائما باخباره وصورة الشخصية فهذه صورة مع وزير وتلك صورة مع سفير حتى لكان لسان حالة يقول انا رجل مهم.
ولان فهم عبد العزيز الغريب لقضايا وطنه لا يتجاوز حدود المقص الذى يجيد استخدامه فانه لا يجد من يردعة عن هذا العبث الصحافى ليس لأن العاملين كلهم من طرازه. وانما لانه الوحيد فى مؤسسته الصحافية العجيبة فهو رئيس مجلس الادارة ومدير التحرير ومسؤول الاعلان وحامل المقص.
لكن المثير للدهشة والعجب ان صاحب "اخبار العرب" – والنسمية الاصوب ان يقال اخبار الحكام العرب – قد كشف فى جولة خليجية قام بها مؤخراً عن لقب علمى يحمله لم يرد ذكره فى جريدته من قبل فاخباره ابان الزيارة غطتها وكالة انباء الامارات مسبوقة بلقب الدكتور وعرفنا من وكالة انباء الامارات ان المذكور ليس حامل مقص فحسب. وانما هو استاذ فى جامعة نيويورك قالت الوكالة ان اسمها جامعة نيويورك الاسلامية وان الدكتور غريب ما طار الى الشارقة الا ليسلم شيخها سلطان شهادة كتوراة فخرية !!!
لا نريد ان ندخل كثيراً فى التفاصيل ومنها مثلاً معرفتنا بان عبد العزيز المقرب سفير الامارات فى اميركة هونسيب الشيخ سلطان حاكم الشارقة لكن الذى يدهشنا ان عبد العزيز غريب لم يجرؤ على تغطية اخبار جولته فى جريدته بالصفاقة ذاتها التى اقدمت عليها وكالة انباء الامارات التي ساهمت في الضحك على لحية شيخ الشارقة ومررت عملية نصب كبيرة عليه ومنحته شهادة دكتوراه فخرية من جامعة وهمية .
عبد العزيز غريب – المتدكتر – ليس فريد عصره فى اميركة و "اخبار العرب" ليست نهاية المطاف ففى ديربورن / متشبغان جريدة اسبوعية يسميها صاحبها اسامة السبلانى "صدى الوطن" وكى تعرف شكل وطعم ولون الوطن الذى تدعي جريدة اللبنانى اسامة السبلانى انها صداه يكفى ان تتصفح اعدادها الـ 140 التى صدرت حتى الان كى تصيبك الدهشة – مثلنا – من اعلان لشركة مصر للطيران يتصدر ربع الصفحة الاولى . ويكاد يكون هذا الاعلان هو الموضوع المصرى الوحيد فى الجريدة، وقصة اعلان شركة مصر للطيران رواها اسامة السبلانى لمجلة "العربى" الكويتية فى الاصدار الاول لجريدته تلقى المذكور برقية تهنئة من مسؤول مصرى كبير، مقرونة باعلان مفتوح لانهاية له.
اسامة السبلانى هذا رجل اعمال . وليس رجل اقوال ، لذا عرفة الكتاب والصحافيون الفلسطينيون اثناء انعاقد مؤتمرهم فى الجزائر سمساراً يطوف على الحضور هو يحمل حقيبة سامسونايت انيقة فيها نماذج من "صدى الوطن" تسرى خواطر الانظمة على اختلاف مشاربها – فهنا صورة للقذا فى وهناك حديث مطول عن خادم الحرمين وبين الثنايا مدائح لهذه الطائفة او تلك، وفقا لاسعار الاسهم وحركة البورصة!!
فى نيويورك صدرت جريدة اسمها "غربة"؛ وكى تعرف هذه الغربة يكفى ان تعلم ان مراسلها فى الخليج الشرقى هو الصحافى اللبنانى الارزقى شوقي رافع الذى بدا حياته "مناضلاً" على صفحات "السفير" وانتهى طرطورا فى صحافة الامارات والذى يرى ان غاية المنى ان يستقر فى وطنه الثانى !! بالزواج من (اماراتية) والهجرة الى واشنطن ثم العودة الى دبى لفتح دكان للصحافة ، تبعث لصحف ومجلات قبرص ما يناسبها – فلسطينياً – وتقلب ظهر المجن فيما ينشر هنا وهناك … ويبدو ان مجلة "غربة" لم تفلح فى الارتزاق من السفارات على الرغم من انها ما تركت مناسبة وطنية لاية دولة عربية الا وغطتها بالتفصيل الممل.
فى نيويورك ايضا تصدر "الرائد" لممدوح بطرس ، وهى اقتصادية تجارية اجتماعية موجهة للمصريين فى اميركة تعبر عنهم وتخدم الوطن الام ، هذا ليس اجتهاداً منا. وانما هو شعار ترفعة المجلة فى ترويستها ولتعرف شيئا عن "الرائد" هذه يكفى ان تتصفح العدد الاول الذى يتضمن رسالة تهنئة لمصطفى امين بمناسبة عيد ميلاد جريدته "اخبار اليوم" ثم يلى الرسالة اخبار مصرية هامة مثل وفاة فرغلى باشا ملك القطن زمن الاقطاع واحد اتباع الملك فاروق.
"الرائد" اذن مجلة تصدر فى غير زمنها لتبشر بكل ما كان فى تاريخ مصر من رجعية ، وعفن وباشوية، وعمالة.
معظم المجلات والصحف التى تصدر فى اميركة ، تصدر باللغة العربية والقليل منها يصدر بالانكليزية او يزاوج ما بين هذه وتلك والاسماء كثيرة لا تكاد تحصى وكلها مطبوعات لا لون ولا طعم ولا رائحة لها ، تصدر عن طوائف او تجار او عائلات ولكل واحدة مفهومها الخاص عن الوطن، والذى لا يزيد فى احسن الاحوال عن مصيف يسعون اليه فى اجازة كل صيف، وسوف مباح يهربون منه عند العودة، الذهب ، والفضة ، والدولارات.
الصحف والمجلات كثيرة منها "الرأي" اسبوعية عربية تصدر فى ميتشغان و "العالم الجديد" و "الاصلاح" و "الرسالة" و "المهاجر" و "الصفا" و "الراية" و "الفجر" و "المصرى" وغيرها.
الحرب فى لبنان عكست نفسها على صحافة العرب فى اميركة، فاذا كان للشيعة "صدى الوطن" فان للموازنة "بيروت تايمز" التى تصدر فى لوس انجلوس مرة كل عشرة ايام ، ويديرها ميشيل ابو عباسى . وهذه جريدة منغلقة على نفسها ويظنها البعض صورة عن "العمل" الكتائبية وهى تنص صراحة انها للبنانيين، تماماً مثل "الرائد" المقطوعة للمصريين ... ليس كل المصريين وانما التجار منهم!
كاليفورنية على الاجمال، هى عاصمة الصحافة العربية، "المتامركة". وبسبب وجود ربع مليون عربى فيها يمثلون كل الملل والنحل والانظمة والتيارات فان وجود عشرات الصحف والمجلات والنشرات العربية فيها يصبح مفهوماً.
فللمصريين فى كاليفورنية جريدة اسمها "المصرى" اسسها فؤاد القصاص عام 1973، وفى كاليفورنية ايضا "حلقة الاخبار" وهى مجلة شهرية جامعة تعنى بشؤون الجالية العربية الاميركانية – كما تقول عن نفسها – وهناك "الصفا" لنوال منير، و "البيان" لحافظ ابو المنى وقد صدرت في مدينة هيوستون بولاية تكساس ، عدا عن النشرات المتعددة للمنظمات العربية الاميركانية ، وكلها نشرات ذات طابع اقتصادى.
لا جدال ان المستوى التقنى والاخبارى الذى وصلته الصحافة العربية او اوروبة ووجود خبرات صحافية متميزة ، ومطبوعات حرة ، قد اكسب صحافة العرب زخماً وجعلها اكثر تأثيراً ومن ثم استقطابا للانظمة والحكومات التى تحرص على رضى هذه المطبوعات ، اما فى اميركة فالصورة تختلف اذ يبدو ان الساعين وراء السفارات من "الارزقيين" لم يتمكنوا من اقناع الانظمة انهم شئ مهم يستحق ان يشرى هذا عدا عن جهل السفراء العرب الامر الذى يجعل اكثرهم لا يقرأ ومن يقرأ منهم لا يفهم ومن فهم يشك فى مدى استيعابة ولا غرو فى ذلك فالذين يتم ا ختيارهم للعمل فى السلك الدبلوماسى العربى فى اميركة هم فى الغالب من العائلات الحكمة فى بلادها ومنصب السفارة فى واشطن هو بالنسبة اليهم منصب وجاهى فسفير السعودية امير من ال سعود وسفير الكويت شيخ من ال الجابر وسفير الامارات شيخ من القواسم ، او هو نسيب لهم وهكذا.
الصحافة العربية فى اميركة اذن ، انعكاس لكل هذا التلوث فى المفاهيم والقيم والذى يثير الغثيان اكثر ان هذه الصحف تباع – جنيا الى جنب مع الطبعات الدولية لصحف عربية لها شانها