قابوس عقوق الوالدين وعقوق البلاد. !
بقلم : أسامة فوزي
نشر في سوراقيا العدد رقم 236 الصادر في 22 شباط فبراير 1988
 

كثيرون فى العالم العربى يعتقدون أن "السندباد البحرى" انطلق من عمان ليجوب البحار والمحيطات وصولا إلى بلاد "الواق الواق" و "كوريا موريا" . ! إلا إننا هنا لن نجاريهم فسلطنة عمان – كما يصفها أسامة فوزي فى موضوعه – كانت "دولة" ذات اسطول سيطر على الملاحة البحرية وأقام"امبراطورية" للعرب فى شرقى أفريقية وشرقى أسية على حد سواء ! كانت عُمان دولة تسعى إلى "رضاها" الدول الاستعمارية قبل أن تتحول عبر السنوات إلى "سلطنة" حالها ما حالها هذه الأيام.!
المحرر
نؤكد بادئ ذي بدء – أن دولة عُمان هي الدولة العربية الوحيدة فى الخليج الشرقى التي تمتلك مواصفات الدولة، وهي الوحيدة التي يمتلك أهلها تاريخياً– حضارة وعراقة أكثر تقدما من دولة أوروبية، أسطول العُمانى– أسطول دولة اليعاربة – كان من أكبر أساطيل التي تجوب البحار فى القرن الثني عشر حتى أتى نابليون داعيا إلى إقامة حلف عسكرى مع سلطان عُمان يمثل قوة بحرية عظمى أنذاك ولكن السلطان رفض العرض وكان للاسطول العُمانى الفضل الأول فى صد الغزوات البرتغالية والهولندية، وهو الذى دك لشبونة – العاصمة البرتغالية – بالمدافع ولماذا نذهب بعيدا فالبحار أحمد بن ماجد، الذى أرشد أوروبة إلى طريق راس الرجاء الصالح" كان عُمانيا !
لكن الأمم التي ضيعت الأندلس ومن بعدها الاسكندرون فلسطين هي نفسها التي ضيعت "عمان" وجعلتها مع شيوخ الكويت والإمارات وقطرو البحرين ترتبط بتحالفات مع بريطانية والولايات المتحدة وتؤجر أرضها وتقيم قواعد عسكرية للآخرين، وتسلم أمنها لإيران تارة، والأردن تارة أخرى وعن عُمان تروى الأساطير عن حاكمها السابق سعيد بن تيمور الذي كان يغلق أسوار العاصمة فى المساء لتأكل الذئاب والضباع المتخلفين عن العودة إلى منازلهم وعن الفقر والجوع الذى انتشر بين الناس أنذاك حدث ولا حرج وصورة التخلف لم تتغير بتولية السلطان قابوس فهذا الاخير عق أباه فلا غرابة في ان يعق وطنه أيضا.
أهمية (عُمان) تكمن فى موقعها الاستراتيجي أولا فهي بوابة بترول الخليج كله حيث تمر جميع الناقلات بمضيق هرمز العُمانى وعن الصندى اكسبرس البريطانية أن شاحنات النفط تعبر المضيق بمعدل واحدة كل ثمانى دقائق وعمان ثانيا أرض غنية بالبترول والحديد والنحاس واليورانيوم وهي بلاد زراعية وشعبها مشهور بالفروسية والعمل وكانت على مر التاريخ تزود الإمارات الهشة المحيطة حولها بالعناصر البشرية وبالأغذية ايضا.
ما الذى حدث إذن ؟ ولماذا تحولت امبراطورية عُمان العظمى إلى مجرد سلطنة يحكم فيها السلطان قابوس وبعض المستشارين والسماسرة وماذا حل بثورة ظفار التي تكاتف عليها الجيش السلطانى والجيش الإيراني ثم الجيش الأردنى. 
ثورة ظفار – تاريخياً – هي امتداد لتلك الطلائع الثورية المقاتلة التي قاومت الانكليز ووقفت إلى جانب الإمام غالب ابن على (المنتخب حسب التقليد الأباضى) وكان الإمام غالب يحظى بتأييد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر لكن البريطانيين نجحوا فى دعم السلطان تيمور ومن ثم القضاء على الإمام الذى أعلن الثورة ضدهم إبان العدوان المثلث (الفرنسي البريطاني العبراني) وادي اتحاد فلول الدولة الإمامية المنهارة إلى تبلور موقف وطني فى عمان تمخض عن ولادة ثورة ظفار فى حزيران (يونيو) 1965 ولما وجد الانكليز أن السلطان سعيد بن تيمور لا يتجاوب بما فيه الكفاية مع مصالحهم حرضوا عليه ولده قابوس وسلموه زمام الحكم فى 23 تموز (يوليو) 1970 فى محاولة مسرحية أرادت تقديم الابن فى صورة محرر العبيد وأمل البلاد فى القضاء على التخلف لكن الصورة اتضحت بعد أيام حين اكتشف العمانيون أن السلطان الجديد لا يقل ضراوة عن أبيه فقد رهن السلطنة ومقدراتها للبريطانيين وربط امنه بالشاه ثم بالمخابرات الأردنية فيما انغلق على نفسه فى قصوره وحدائقه التي يروى عنها العجب العجاب فلا الشيخ زايد بن سلطان يساوى "السلطان" فى بحبوحة العلي ورغد الحياة ولا شيخ البحرين أيضاً.
أتى البريطانيون بالسلطان قابوس ليقضى على ثورة ظفار المتعاظمة النفوذ فدعمه السادات إعلاميا وقدمت له السعودية 450 مليون دولار لمواجهة الثورة بينما ألقى الشاه بثقله العسكرى فى 20 كانون الأول (ديسمبر) 1973 حيث احتلت القوات الإيرانية – بالتعاون مع القوات الانكليزية والأردنية – أراضى ظفار حتي حدود اليمن الديمقراطى وساق الإيرانيون أمامهم مئات الأسرى من ثوار ظفار وزجوا بهم فى سجن (الجلالى) أحد السجون الرهيبة فى السلطنة، والذى شهد عمليات إعدام جماعية تقشعر لها الأبدان.
بعد أن قضى السلطان قابوس على ثورة ظفار – جناحها العسكرى – سارع إلى توطيد حكمه فى السلطنة كذلك أقر معاهدة "كامب ديفيد" ووطد أواصر الصداقة مع النظام الأردنى فليس سرا أنه تقدم لخطبة الأميرة عالية – الابنة البكر للملك حسين من زوجته الأولى الملكة دينا – فرفضته الأميرة وقد اعتمد قابوس فى توطيد سلطته على المستشارين الانكليز فسلمهم مقاليد الحكم فى أجهزة المخابرات والأمن وربط قدرات البلاد بالشركات الأميركانية والبريطانية وعزز مراقبته لأبناه بلده وبالتحديد الطلبة العمانيين الذين كانوا يشكلون لحمه ثورة ظفار وسداتها.
فك السلطان قابوس اشتباكه مع شئ اسمه "فضية فلسطين" عندما طرد كل الفلسطينيين العاملين فى بلاده ومنهم أستاذ ه– وهو من عائلة القاضى – حيث وضعه مع زوجته وأطفاله فى قارب وأرسله إلى قطر بخرق باليه بعد أن كان الرجل – الذى حصل على الجنسية العمانية فى مرتبة وكيل وزارة المعارف ورفض السلطان فتح مكتب للمنظمة ..
فالطبقة العاملة فى صناعة النفط – وأكثرها يعيش فى المدن ارتهنت لإدارات انكليزية وقد استغلت هذه الإدارات نفوذها لدي القصر السلطانى من أجل إحلال العمال الهنود والباكستانيين والكوريين الجنوبيين والأوربيين محل سان البلاد فى الوظائف الهامة بدعوي تغلغل ثوار ظفار فى صفوف موظفى هذه الشركة ثم مطالبة العمال العمانيين الإدارات الانكليزية بالسماح لهم بتشكيل نقابات عمالية للدفاع عن حقوقهم ومطالبهم الأساسية التي لم تكن تخرج فى إطار المساواة بالعمال الأوروبيين فى الأجر وشروط العمل .
أما البورجوازية الصغيرة التي تعيش فى المدن والتى تتشكل من الصيادين وأصحاب الدكاكين والحرفيين ثم الطلبة الخريجين فقد عوملوا بقسوة ولاحقتهم القوانين والإجراءات والقرارات التي لم تكن تهدف فى المحصلة إلا إلى تفرغ المدن من المهارات المحلية أو تحطيم طموحاتها بالحياة الكريمة وربطها دوما بعجلة الاستهلاك اليومي التي حولت ابن عُمان إلى آلة تعمل ليل نهار من أجل لقمة العيش التي تشح فى المدن وتكثر فى القصور وتجمعات الأجانب السكنية.
ولأن غالبية العُمانيين من المزارعين فإن سياسة الإقطاع التي مارسها واقرها السلطان قابوس جعلت الأرض ملكا للشركات الاحتكارية خاصة الأمريكانية التي حصلت على حقوق زراعة الموز وتربية المواشى ولم يكن أمام الفلاح العمانى من حل إلا العمل فى الجيش كمجند أو التمسك بمهنته كفلاح شريطة أن يعمل كأجير فى أرضه لصالح الشركات الاحتكارية أو التوجه إلى المدن للعمل فى الوظائف الحكومية المحدودة.
وماذا أيضا!
لقد أوجد السلطان قابوس سياسة جديدة فى المنطقة قوامها التحالف مع الجميع ضد الجميع فمن تحالفه مع شاه إيران إلى تحالفه مع نظام الخميني ومن تحالفه مع النظام الأردنى إلى إقامة العلاقات الدبلوماسية مع موسكو وهو مع الشيخ زايد بن سلطان طالما أن الشيخ يدفع المعلوم والمعروف وإلا فإن دبابات السلطنة التي ترابط على بعد خمسمائة متر فقط من قصر الشيخ طحنون بن محمد ممثل زايد فى مدينة العين ستكون جاهزة لتذكير سلطان المدينة أنهم جزء لا يتجزأ من واحة البريمي العمانية.
وللأمريكانيين في عمان حظوة فقاعدتهم فى (مصيرة) مغلقة حتي على السلطان قابوس نفسه ويقول ثوار ظفار أن فى القاعدة أسلحة ذرية.
وللعمانيين تلفزيون ملون تديره شركة انكليزية ومن يحظى بمشاهدة برامج هذه المحظة سيكتشف أن عملية غسل العقول تتم يوميا أو وفق خطط مبرمجة تؤله السلطان وتقدمه لشعب عمان فى صورة كتلك التي كان يحظى بها امبراطور اليابان عندما كانت عبادته جزءا من إيمان كل مواطن يابانى.
الامبراطورية العمانية التي سادت فى القرون الخوالى بادت على يدى قابوس و تحولت إلى مزرعة يرتع بها الحاكم وخلانه ومستشاروه وعبيده أما الشعب العمانى فما زال يسعى لاسماع صوته إلى العالم بعد أن أخمدوا ثورته الملحة وأعدموا رجتلاتها وشتتوا المثقفين والكتاب والعلماء فى بلاد الله الواسعة.