اضحك مع شيوخ ام القيوين
بقلم : أسامة فوزي
سوراقيا العدد المشترك 228 و 229 - 11 يناير 1988
 

اسلوب التهجير الجماعى مارسه الآشوريون سادة العراق القديم ضد رعاياهم المتمردين على سلطتهم المركزية لعل "آل المعلا" حكام "مشيخة" أم القيوين قرأوا التاريخ فتعلموا عنهم سياسة الترحيل التي اتبعوها مع "ربعهم" لما هجروه إلى "راس الخيمة" واستوردوا بديلا عنه الهنود والبلوش ليثيروا ويتنعموا ويحيلوا أحد شواطئ ساحل "القراصنة" إلى "دويلة" بلا شعب.
على ساحل الخليج الشرقى إمارة اسمها "أم القيوين يحكمها شيخ اسمه "راشد بن أحمد المعلا ويساعده فى الحكم ولده مسعود بن راشد – ولى العهد – وولده الثانى خالد بن راشد المعلا – رئيس الديوان الأميري – وفي الإمارة 29 شيخا يتقاسمون خيراتها وثرواتها ووكالاتها التجارية ولا يظهرون مجتمعين إلا فى منطقة اللبسة فى أم القيوين حيث تقام يوميا سباقات الجمال الأصيلة وغير الأصيلة المملوكة للشيوخ وأولاد الشيوخ.
المثير للدهشة أن هذه الإمارة لم يؤرخ لها حتي الآن ، رغم أنها أطرف من إمارة موناكو وأعجب من سلطنة بروناى وأغرب من جزر فيجى فللإمارة إذاعة تبث أخبار الشيوخ وتنقل نتائج سباقات الجمال على الهواء مباشرة وفى الإمارة جيش يتسلح بخمس دبابات وعشرين شرطيا عدا عن حرس القصور وفى الإمارة الكثير والكثير من النساء والصقور والوكالات التجارية وفيها محكمة أيضا يتولى القضاء فيها القاضى السورى الحلبى فاروق مرعشى والأهم من كل هذا أنها الإمارة الوحيدة فى العالم التي لا يعيش فيها إلا الإمراء والشيوخ بعد أن طرد حاكمها شعب الإمارة بالكامل واستبدله بموظفين من الهنود والباكستانيين والباتان.
وأم القيوين هذه تقع على ساحل الخليج العربى بطول يمتد 24 كيلو مترا بين الشارقة غربا وراس الخيمة شرقا وهي تبعد مسافة 43 كيلو مترا عن الشارقة وتبلغ مساحتها الإجمالية نحو 777 كيلو مترا مربعا وهي تعادل 1% فقط من مساحة دولة الإمارات ورغم أن الإمارة ليست نفطية إلا أن شيوخها يتمتعون بثراء فاحش فغلى جانب الأعطيات والهبات التي يحلون عليها من شيخ (أبو ظبى) تدر عليهم الوكالات التجارية التي يمتلكونها ملايين الدولارات عليهم الوكالات التجارية التي يمتلكونها ملايين الدولارات.
تاريخياً كانت "أم القيوين" تتبع أسرة القواسم حكام الشارقة وراس الخيمة قبل أن تثور أسرة "المعلا" وتعلن استقلالها من الحلف القاسمى بدعم من الانكليز وتستأثر بالتالى بخيرات الإمارة وأراضيها ومزارعها وتطرد شعبها بالكامل إلى خارج حدود الإمارة فى أعجب (انقلاب) شهده التاريخ المعاصر ففى صيف عام 1981 أخرج سكان إمارة "أم القوين" رجالا ونساء وأطفالا فى هجرة إجبارية جماعية من الإمارة باتجاه الشارقة حيث نصبوا خيامهم فيها ورفضوا العودة إلى موطنهم احتجاجا على ممارسات (آل المعلا) الذين يستأثرون بكل شئ واسلوب الهجرة الجماعية الاحتجاجية هذا اسلوب عرف به سكان إمارات (ساحل القرصان) قبل المهاتما غاندى الذى تبنى (المقاومة السلبية) وجعلها فلسفة وطريقا دون أن يهجر بلده على الطريقة العربية والتاريخ يقول أن قبائل (المحاربة) فى (أبو ظبى) قد لجأت إلى الاسلوب نفسه فى أواخر القرن الماضى عندما هاجرت بكامل أفخاذها من الجزيرة إلى (دامس) احتجاجا على الشيوخ والحكام قبل أن يتحالف شيخ ابو ظبى مع الاسطول الانكليزي الذين لاق المهجرين بمدافعه وبوارجه فشتت شملهم ومثل ذلك حدث مع قبيلة (القبيسات) التي ينتمي إليها وزير الإعلام الحالى الشيخ أحمد حامد – فقد هاجرت القبيلة كلها من إمارة أبو ظبى إلى قطر لتستقر فى منطقة (العديدات) حيث أقامت هناك دولة ما لبث شيخ أبو ظبى زايد الأول – جد الحاكم الحالى – أن غزاها فقتل ثلاثة أرباع الرجال والقى بجثثهم فى آبار المياه حتي لا تعود المنطقة صالحة للعيش وفى عام 1965 هددت نفس القبيلة (القبيسات) الشيخ شخبوط بالعودة إلى قطر إذا لم يشركها فى أرباح النفط وقد هاجرت القبيلة فعلا ويقال أن شيخها أحمد بن حامد – وزير الإعلام الحالى – قد عمل كسائق سيارة فى الدوحة ليوليه وزارة الإعلام ويغدق عليه من الأموال ما جعله خلال سنوات أحد أصحاب الملايين فى الإمارة.
هجرة سكان أم القيوين إذن تأتى هذه المرة فى ظروف تاريخية مختلفة فهم فى حقيقة الأمر من مواطنى دولة أسطورية الثراء وإن كانوا فى الواقع من رعايا أفقر إمارة فى دولة (الإمارات) وتركهم لإمارتهم احتجاجا لم يشكل – خلافا لما توقعه – ضغطا من أي نوع على حكامها على مسيرة العمل فى مرافقها لأن الحكام ملأوا (الفراغ) فى اليوم التالى باستيراد العائلات الهندية والبنغلاديشية التي ترضى بالقليل ولا تشكل خطرا على سلطة العائلة الحاكمة ولا تطالب الحكام بنصيب من دخل الإمارة.
سكان "أم القيوين" وأصحابها الأصليون الذين اضطروا إلى الهجرة احتجاجا وترك الإمارة للشيوخ وبعض القوم والمنتفعين منها حددوا – أنذاك – شروطهم للعودة فى ثلاثة مطالب هي :
أولاً: - الكشف عن ميزانية الإمارة وحقيقة مداخيلها سواء من التجارة وصيد الأسماك أو من الأعطيات والهبات التي تحصل عليها الإمارة من الميزانية الاتحادية.
ثانياً : - الكشف عن أوجه صرف هذه المداخيل.
ثالثاً: - الكشف عن حصص الشيوخ والحكام من هذه المداخيل.
وأشار السكان المهاجرون فى معرض احتاجهم إلى أن شيوخ الإمارة لا ينفقون فى الواقع شيئا على مرافق الإمارة الصحية والتعليمية وغيرها لأن الأنفاق على هذه المرافق تتولاه الوزارات الاتحادية مما يعني أن مداخيل الإمارة التي لا تذهب فى الإنفاق على مرافقيها والتي يصر الشيوخ على إبقائها سرية تنفق فى الواقع على الشيوخ ومصالحهم الشخصية.
هذه المطالب – فى الغالب – هي ذاتها التي ينادي بها سكان الإمارات المجاورة وليس سكان "أم القيوين" وحدهم ولكن بسبب وفرة المال وفرص العمل وما تمارسه أجهزة الأمن من قمع لم تظهر هذه المطالب فى صورة احتجاجية مثيرة كتلك التي ظهرت فى (أم القيوين) وإن كانت تظهر أحيانا في (مقالات) ومحاضرات هامشية، يذكر فيها – على استحياء – أن دخل إمارة أبو ظبى الذى يقدر بسبعين مليار درهم ودخل إمارة دبى الذى يقدر برع هذا المبلغ – من النفط فقط – لا ينفق فى مصلحة المجموع وغالبا ما يتعرض أصحاب هذه الإشارات والتلميحات إلى العقاب كما حدث مع مجلة (الأزمنة العربية) التي أغلقت وسحب ترخيصها لأنها أثارت مثل هذه التساؤلات.
الوضع فى "أم القيوين" يختلف جوهريا فالسكان – كانوا – يعملون فى صيد السمك وهي مهنة شاقة لا تدر على أصحابها الكثير فى ظل عمليات الاستيراد المفتوحة على مصراعيها والقلة من السكان كانت تعمل فى وظائف الدولة الاتحادية وتعاني أساساً من إيجاد مثل هذه الوظائف فى ظل سياسة التمييز فى التوظيف التي تتبعها كل إمارة على حده فلكل إمارة قوانين غير مكتوبة تحظر تعيين أبناء الإمارات الأخرى فى مرافقها الأساسية وليس سرا – على سبيل المثال – أنه لا يوجد فى (صندوق أبو ظبى للإنماء) موظف واحد من إمارات الدولة الست ومثل ذلك يقال عن شركات النقط الكبرى.
فى حالات الهجرة الجماعية السابقة كانت الهجرة بحد ذاتها إحدي الضغوطات التي يمارسها الشعب على الحكام والتي تدفعهم بالتالى إلى إرضاء (الشعب) ومنحه الكثير من مطالبة لأن المهاجرين – آنذاك – كانوا يمثلون مصر الدخل الوحيد للشيوخ والحكام الذين يتقاضون حصة معروفة من دخل كل مواطن فى الإمارة كانت تعرف باسم (الفرضة) ولكن الأمر فى هجرة سكان "أم القيوين" عام 1981 قد اختلف كثيرا فشيوخ الإمارة أصبحوا يعيشون على مداخيل الإمارة من التجارة والوكالات عدا من أعطيات الدولة الاتحادية ومن ثم فإن الشيوخ لا تعنيهم كثيرا هجرة سكان الإمارة لا بل أن مثل هذه الهجرة تمثل مطمحا للشيوخ لأنها تفرغ الإمارة من السكان ومن ثم تمنحهم فرصة نهب المخصصات الاتحادية الخاصة بالمرافق العامة التي سببتها هجرة السكان تم حلها فى اليوم التالى بشحن عائلات هندية بأكملها من بومبى وإسكانها فى الإمارة .
شيوخ أم القيوين الذين هم الآن شيوخ على إمارة من الهنود والبلوش لم يقوموا حتى هذه اللحظة بمبادرة واحدة لاستعادة مواطنيهم ورئيس الدولة الشيخ زايد بن سلطان لم يتخذ بصفته الرسمية أيه إجراءات لحل مشكلة السكان المهجرين رغم أنه عرض عليهم توطينهم حيث يخيمون على حدود الشارقة وقد قوبلت هذه المقترحات بالرفض وما زالت إمارة أم القيوين بلا سكان وما زالت ميادين السباق فيها تشهد يوميا سباقات لجمال 29 شيخاً من آل المعلا هم سكان الإمارة وشيوخها وأصحابها. أما حاكم الإمارة فقد أصبح ظلا لرئيس الدولة يرافقه فى حله وترحاله حتي ليظنه البعض أحد (مطارزيه) الشيخ مع فارق وحيد وهو أن (المارزى) يكون دائماً فى حالة انتباه ويقظة أما شيخ أم القيوين فهو دائماً – ولأسباب لا يعلمها إلا الله – فى حالة اندهاش.