الصحفيون المرتزقة في الامارات العربية المتحدة
بقلم : أسامة فوزي

مجلة سوراقيا العدد 215 - 28 سبتمبر ايلول 1987

 

اعتمد شيوخ الإمارات على عدد من الكتاب والصحافيين والمثقفين المرتزقة، فى تكريس حكمهم، وتلميعه والترويج له والدفاع عنه، أمام هجمه الكتاب والمثقفين والصحافيين المواطنين (الوطنيين) الذين وجدوا أن إماراتهم" تستنزف وتسرق وتهدر فيها الأموال والقيم والأخلاق على نحو مفجع لم يعرف له التاريخ المعاصر مثيلاً.
الحقيقة التى يجب أن نسجلها للتاريخ هي أن كتاب وصحافيي ومثقفى الإمارات لم ينخرطوا فى حملة "التلميع" و "الدعاية" للشيوخ الحاكمين ولم نقرأ كلمة واحدة لكاتب أو صحافى أو مثقف (حقيقى) من أبناء الإمارات، تمتدح "شيخا" وتنظر لارتكاباته أو تبرر بتجاوزاته كل القيم والأعراف، بل على العكس تماما، لم تترك أجهزة الأمن فى الإمارات كاتبا أو أديبا أو مثقفا مواطنا من أهل البلاد (الأصليين) دون أن تطارده فى لقمة عيشه وتراقبه ف ى حله وترحاله وتضيق عليه الخناق وتعد عليه انفاسه، والأمثلة على ذلك لا تعد ولا تحصى، يكفى أن نشير إلى أن السلطة سجنت الصحافى المواطن محمد ماجد السويدى رئيس تحرير جريدة "الوثبة" الراحلة لأنه نشر فى جريدته عن فضيحة شراء ناقلة نفط بثلاثة أضعاف سعرها فى السوق، قد مس الخبر الشيخ طحنون ابن عم حاكم "أبو ظبى" وممثلة فى "العين" ورئيس إدارة نفط أبو ظبى كما سجنت السلطة الشاعر المواطن عارف الخاجة تسعة أشهر كاملة دون محاكمة بسبب قصيدة شعرية قرأها فى أمسية، ومس بها الذات الرئاسية كذلك أغلقت السلطة مجلة الأخوين غانم ومحمد غباش بسبب اثارته لتساؤلات مشروعة عن مجالات أنفاق وصرف مداخيل النفط التى تقدر فى "أبو ظبى" وحدها بسبعين مليار درهم سنوياً، كما سحبت ترخيص جريدة المواطن أحمد سلطان الجابر وطردته من عضوية المجلس الوطنى (البرلمان) لأنه نشر كاريكاتيرا شبه فيه الحكام العرب الخراف.
الشيوخ اعتمدوا فى غسل عقول شعوبهم وتكريس أنظمتهم وتلميعها إعلاميا وتزوير التاريخ والجغرافيا وتعهير القيم والأخلاق على صحافيين وكتاب ومثقفين مرتزقة. احضروهم من أقطار مختلفة ومنحوهم (الجنسية) وأطلقوهم على عباد الله ومنحوهم صلاحيات واسعة فى أجهزة الإعلام والثقافة والفكر.
أكبر هؤلاء الأرزقيين وأشيخهم دكتور اسمه عز الدين إبراهيم هرب من مصر إلى الأردن فى الخمسينات وتخصص منذ ذلك الوقت فى الحصول على (جنسيات ) العرب وتربية أولاد الشيوخ والحكام قضى ردحا من الزمن في "عجلون" ومنها طار إلى دمشق ثم إلى الدوحة واستقر به المقام – بعد أن تدكتر – مستشاراً في ابوظبي خلع "بنطاله" ولم يعد يظهر بين الناس إلا بدشداشة وعباءة وغطرة وعقال ولحية. تحول – فى الشكل – إلى مواطن خليجى استكمل مواطنته بالحصول على الجنسية بعدها ملك الدنيا وما عليها استولى على إدارة الجامعة حولها إلى مزرعة لم يترك دكتورا "هاملا" فى جامعات كندا والولايات المتحدة الأمريكية إلا ووظفه بعقود خيالية قفز فوق كل الأعراف والقيم الجامعية منح نفسه لقب "الأستاذية" الذى لا يحصل عليه دكتور الجامعة إلا بعد شق النفس بطش بالطلبة المواطنين إرضاء للشيوخ، طرد بعضهم وحاصر بعضهم ووضع البقية تحت الرقابة حول الجامعة إلى ميدان تدريب لأجهزة المخابرات صفى الأساتذة العراقيين والسورين والأردنيين استبدلهم بعشرات من جنسية معينة وأكثر هؤلاء يحملون جنسيات مزدوجة وجه دعوة لاليكس هيلى الذى ما أن حطت طائرته فى مطار دبى حتى عقد مؤتمراً صحفياً امتدح فيه "المرحومة" غولدا مائير وابنتها المدللة صهيون.
حبل الكذب – كما يقولون – قصير، ولكن حبل المذكور كان أقصر مما هو متوقع اكتشفوا عليه وفيه شيئا لم يعلنوا عن "اكتشافهم" بل اكتفوا بطرده من الجامعة اعادوه إلى حظيرة الشيوخ كما كان من قبل مجرد مطارزى للثقافة والسياحة، يمهد لرحلات الشيوخ إلى كراتشى، ويبحث للشيوخ عن كل رموز السقوط فى ثقافة "كامب ديفيد" ليدعوهم إلى الإمارات فى (مواسم ثقافية).
الأستاذ حسن قايد (والعياذ بالله) نموذج أخر لمرتزق من طراز عجيب، حط رحاله فى "أبو ظبى" عام 1973 قادما من اليمن، عمل غرسونا، فى مطعم قبل أن يشفق عليه أحمد سلطان الجابر صاحب جريدة "صوت الأمة" فيعينه سائقا، وطباخا خاصاً له، ثم رقاه إلى وظيفة مندوب اخبار يذهب فى الإسبوع مرة واحدة إلى الإذاعة ليحصل على حصة الجريدة من أخبار الوكالات أصبح يمر على الوزارات ايضا، أصبح صحفياً، لبس "الدشداشة وأطلق لعشنونه العنان، ظل قزما، الدشداشة لم تزد فى طوله وإن جعلته نصف مواطن تعامل مع المخابرات وكان سببا فى إغلاق جريدة ولى نعمته ساعدته قرينته ربما بما لها من دالة فى الوصول إلى الشيوخ، دشداشة ولحية رفيقة عمر تكفى للوصول إليهم حصل على وظيفة فى جريدة الاتحاد الحكومية بعدها توسطت له زوجته مرات ومرات فحصل على الجنسية بعد ثلاث سنوات من إقامته رغم أن غيره يقضى أربعين سنة دون أن ينال حتى إقامة دائمة.
أصبح مندوب الجريدة فى القصور تخصص فى النفاق العلنى الفضائحى للشيوخ، أراد أن يكرس نفسه ككاتب ومفكر وضع كتاباً بعنوان "بادية الامارات عادات وتقاليد" لطش احد فصول من مقالة لابراهيم راشد الصباغ كانت منشورة فى جريدة الاتحاد، جن جنون الصباغ ؛ كتب عن "المجرم" فى مقدمة كتابة "الأمثال الشعبية فى الامارات" تولى اسامة فوزى إثارتها فكتب عنها أكثر من مرة لم تهتز للص الظريف شعرة، ولماذا تهتز والسرقة عند امثاله حلال زلإل؟
مثل "القايد" هذا كمثل "الشيخ" خالد القاسمى ؛ الذى لطش فصلا كاملاً من كتاب "مجتمع البحرين" للزياتى ؛ ونشره باسمه فى جريدة البيان ولما اشير إلى هذه السرقة فى جريدة الفجر اتصل الشيخ اللص بالصحافي وهدده بالقتل، سمع بالقصة شيخ الشارقة فطرد اللص من عمله ونفاه الى عجمان، بعدها تبين ان خالد القاسمى هذا لم يكن شيخاً، جاء من اليمن ، مثل حسن قايد ، وحصل على الجنسية، وتمشيخ لمجرد ان اسمه ينتهى يلقب القاسمى. اصبح يوقع مقالاته المسروقة باسم الشيخ خالد القاسمى الى ان كانت الفضحية !!!
نعود الى حسن قايد الذي وظف "نفوذ" عقليته الفاضلة مجددا فأوصلته إلى شيخ متنفذ فى الجامعة، عينوه فيها معيدا وابتعثوه إلى الولايات المتحدة الأميريكية ليحصل على الماجستير والدكتوراه كان ذلك عام 1979 وحتى هذه اللحظة لم يعد "الندل" بأية شهادة : اللم إلا بشهادة تطعيم ضد الإيدز، عاد إلى الإمارات بخفي حنين لكن جنسيته "المكتسبة" حمته من الطرد كذلك وجد أن الارتزاق من الصحف أيسر وأسهل فتحول إلى كاتب زاوية اسبوعية فى جريدة البيان كل مؤهلاته لحيازة هذه الزاوية "غير الدائمة" أنه على معرفة برئيس التحرير، رغم أنه يحمل الجنسية إلا أنه لم يقبل عضوا فى اتحاد كتاب الإمارات.
محمد مرسى ومحمد حسن الخزرجى نموذجان أخران لا يقلان طرافة جاء الأول من مصر ليلبس دشداشة ويصبح "مؤرخ " العائلة النهيانية الحاكمة فى "أبو ظبى" وجاء الثاني من سلطنة عمان ليصبح مؤرخاً ثم وزيرا للأوقاف والشئون الإسلامية وقد أصدر وزير الأوقاف فتوى شرعية حرم فيها الولوج فى تساؤلات حول صحة نسب العائلة النهيانية الحاكمة مستدلا بقول الرسول "الناس مصدقون فى أنسابهم وقدنشر تلك الفتوى فى كتاب "المفصل فى تاريخ الإمارات" وذكر أن الحكام يقولون أنهم من طيء وأزد وأنه – عملا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم "ليس أمامنا إلا التسليم بما يقولونه.
حمدى تمام نموذج خامس .... جاء مبعوثا من "الأخبار" القاهرية فى مطلع السبعينات واستقر فى "أبو ظبى" لبس دشداشة وغطرة وعقالا بدأ يمدح الشيوخ ويشيد بإنجازاتهم الحضارية حتى أصبح مستشاراً صحفيا لولى العهد، ومثل سائر المستشارين حصل على الجنسية، ودعمها بوضع كتاب عن أل نهيان يزن خمسة كيلوغرامات اسماه "زايد القائد والمسيرة" !!! زحمه مؤلفه بمئات الصور الملونة لزايد وأولاده وأقاربه وجعل خطب الشيخ وولى عهده فى أطر قرأنية كتلك التى تستخدم فى طباعة المصاحف ملخص ما يفهمه قارئ الكتاب أن حكام أبو ظبى من نسل "الملائكة" وأن حاكم الإمارة أوحى إليه أو كاد وأن ولى عهده أحد عباقرة القرن العشرين لم يذكر الأرزقى شيئا عن "سكة الخيل" مع أنه من روادها – ولم يشر إلى صرخات الجياع فى كهوف راس الخيمة وبوادى الفجيرة وأم القيوين.
أجهزة الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة فى الإمارات تخضع كلها لسيطرة مرتزقة من هذا القبيل : أدركوا بحسهم الأرزقى أن شيوخ الإمارات لا يأتمنون مواطنيهم من الكتاب والصحافيين والمثقفين فطرحوا أنفسهم كبديل عقدوا صفقة حصولا بموجبها على الجنسية تدشدشوا ثم بدأوا ينظمون مدائح فى الشيوخ زورا تاريخ الإمارات أغمضوا عيونهم عن "سكك الخيل" وفضائح النهب المنظم تجاهلوا رحلات الشتاء والصيف إلى كراتشى صمتوا عن ابتلاع إيران لثلاث جزر فى عهد الشاه، صفقوا للعهر الفكرى، والتردى السياسى، طبلوا لـ "كامب ديفيد" وزمروا تبنوه، نصبوا أنفسهم كلاب حراسة للنظام اعتبروا ثورة كتاب وصحافيي الإمارات على شيوخهم "عقوقا" و "خروجا" على طاعة و لى الأمر من ثم خروجا عن السنة النبوية !!!
أما الصحافيون المواطنون ممن يملكون ويحكمون مؤسسات ودورا، الذين يكيلون المديح للشيوخ ليل نهار من منابرهم الصحافية والإعلامية فليسوا – فى الأصل – من أبناء الإمارات: هم من سلالة أناس حطوا على سواحل عمان يوم كانت مفتوحة لكل القراصنة وتجار اللؤلؤ والرقيق وقطاع الطرق، جعلوا "الشيخ" أرضهم ووطنهم وتجارتهم، تفوقوا على الأرازقة المذكورين أعلاه فى مقدار العهر الفكرى والصحافى الذى مارسوه من خلال الصحف التى يمتلكونها أو يديرونها فليس فى جريدة (……) صحافى واحد، من أبناء الإمارات وليس فى جريدة (…) صحافى واحد "مواطن " …. اللهم إلا شاعر، مجمد محكوم برئيس قسم من مخنثى الصحافة الباريسية ومن خريجيها.
لقد أصبح الخليج لبعض "المسوخ" ومجهولى النسب والهوية والانتماء محطة توقف لجمع ما تيسر ثم الرحيل والذين يرحلون – فى الغالب – يتركون دشاديشهم ولحاهم وجوازات سفرهم فى مكانها فقد استنفذت هذه (اللوازم) أهدافها إلى حين.