قاض ومفكر مصري شهير يتهم القرضاوي باثارة الفتنة بين السنة والشيعة للتغطية على حوار الاديان السعودي التطبيعي مع اسرائيل وجريدة مصرية تتهم القرضاوي بالعمل مع المخابرات السعودية


November 26 2008 12:00

يوم الأحد الموافق 16 نوفمبر شن صديقنا والمفكر الكبير والفقيه القانوني والمؤرخ والذي إذا سار في أي طريق تسبقه النزاهة والأمانة والموضوعية لتعلن عن مقدمه، المستشار طارق البشري -النائب الأول الأسبق لرئيس مجلس الدولة - ثاني هجوم عنيف غير مباشر ضد الشيخ يوسف القرضاوي ردا علي محاولته إثارة الفتنة بين السنة والشيعة، وكان هجومه الأول في «الدستور» أيضا يوم السبت الموافق 27 سبتمبر الماضي في مقال عنوانه «فتنة السنة والشيعة» وبدأه بهجوم سريع وكاسح بقوله : «فشت الفاشية في الأيام الأخيرة من عدد من علماء المسلمين من السنة والمهتمين بالشأن الإسلامي العام حول ما وصفوه بأنه نشاط للتبشير الشيعي في صفوف سنة المسلمين».وأما هجومه الثاني فكان عنوانه «كيف تم إعداد اللقاء السعودي الإسرائيلي» وهو تعليق علي مؤتمر حوار الأديان والثقافات الذي دعت إليه السعودية برعاية الأمم المتحدة، وتم في نيويورك بحضور الملك عبد الله بن عبد العزيز وحضره الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز، وبدأ طارق مقاله بالقول «الآن نستطيع أن نعرف السبب لهذه الفاشية التي فشت بين أهل السنة والشيعة خلال الشهرين الماضيين، كنا نظن أنها أتت في هذا الوقت بالذات لتعمل علي عزلة حزب الله بين العرب، وعلي عزلة إيران في الشرق الأوسط الكبير، توطئة لضرب أحدهما أو كليهما من الجانب الأمريكي أو الصهيوني، ثم بدا لنا في هذه الأيام الأخيرة سبب آخر مضاف لم يكن في حسابنا وهو انعقاد مؤتمر حوار الأديان


وقال أيضا: «كان لابد من تغطية كبري لهذا الحادث إبان إعداده من قبل المملكة السعودية وقبيل تحققه، وكان لابد من صرف الانتباه الإسلامي العام والانتباه السعودي الخاص عن هذه المسألة، وذلك بخلق معركة حامية وصاخبة ذات دخان كثيف، وهذه مسألة لا يقدر عليها إلا شخصيات من كبار الدعاة ذوي الحضور الإعلامي الكبير والبلاغة المؤثرة، وليس المقصود فقط أن ينجحوا في تغطية الفعل السعودي أمام جماهير المسلمين، ولكن المقصود علي وجه أخص ضمان هذه التغطية بجذب السلفيين من مواطني السعودية ذوي العداء التقليدي الشديد للصهيونية، جذبهم بقضية أخري تتعلق بانتشار المذهب الشيعي».وهكذا سدد البشري ضربة مضادة وعنيفة للقرضاوي، ردا علي الإساءات غير المحتملة التي وجهها القرضاوي لمن عارضوا محاولته، وكان من بينهم البشري وذلك في رسالته التي أرسلها لصديقنا الفقيه القانوني والمفكر الدكتور أحمد كمال أبو المجد، والتي نشرتها «الدستور» كاملة يوم الجمعة 10 أكتوبر الماضي ردا علي رسالة من أبو المجد، وامتلأت رسالة القرضاوي باتهامات غير لائقة وتتسم بالعصبية

وضربة البشري الثانية محورها الرئيسي أن القرضاوي قام بمحاولة إشعال فتنة الشيعة والسنة لحساب السعودية للتغطية علي المؤتمر الذي دعت إليه وحضره رئيس إسرائيل ويخيل إليَّ - وربكم الأعلم ـ أن البشري أراد بطريق غير مباشر التذكير بعلاقة القرضاوي بالسعودية وبعضها ورد في صفحات 81 و82 و83 و84 و85 من الجزء الثالث من كتابه ـ «ابن القرية» والكتاب ملامح سيرة ومسيرة ـ اعترف القرضاوي بالعمل مع مجموعة من الإخوان المسلمين تحت إشراف الأمن السعودي في القيام بحملة إعلامية ضد عبد الناصر ونظامه بعد القبض علي تنظيم سيد قطب عام 1965 وإعدامه، فقال بالنص علي التوالي: «كانت العلاقات بين الإخوان والمملكة العربية السعودية في ذلك الوقت علاقة تواصل ومودة وتفاهم وتعاون، وذلك في عهد الملك الراحل، رجل المواقف العربية والإسلامية التي لا تنسي، فيصل بن عبد العزيز آل سعود «رحمه الله» وكان الإخوان قد بدأت صلتهم تتوثق بالمملكة من قبل في عهد الملك سعود الذي استجاب للإخوان بإنشاء رابطة العالم الإسلامي«كان الإخوان الذين وصلوا إلي المملكة مبكرين عدداً ممن يعملون في سلك التدريس علي رأسهم الأخ العالم الأزهري المتمكن الشيخ مناع خليل القطان».«ولا غرو أن أصبح الشيخ مناع هو وجه الإخوان والممثل لهم أمام الجهات الرسمية السعودية وأصبحت لهم ثقة عندهم، فإذا أراد الإخوان شيئا من الحكومة السعودية نقلها إليهم الشيخ مناع عن طريق لقائه الأمير نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية أو الأمير سلمان بن عبد العزيز أمير الرياض، أو الأمير أحمد بن عبد العزيز نائب وزير الداخلية، وكذلك إذا أرادت المملكة أمرا من الإخوان استدعت الشيخ مناع، وأبلغته بما يريدون، أو فاوضوه فيما يطلب منهم، وقد يرجئ الإجابة حتي يشاور إخوانه ثم يرجع إليهم.. وفي عهد الملك فيصل «رحمه الله» ازدادت صلة الإخوان به توثقا وقوة وأضحي كثير من الإخوان مجندين لأنفسهم وجهودهم في تأييد السياسة الإسلامية التي ينتهجها الملك فيصل، وهي سياسة تتفق مع أهداف الإخوان، وربما كان لهم دور في إغرائه بها ودفعه إليها وتثبيته عليها».«قرر الإخوان في الخارج إصدار عدة كتب تندد بسياسة عبد الناصر ومظالم عهده وخصوصا ما صنعه مع الإخوان».«وكان عليَّ دور محدد طُلب مني في هذه الحملة وهو قصيدتي التي اشتهرت لدي الإخوان باسم النونية

وهذا اعتراف مكتوب بقلم القرضاوي ومنشور في كتاب له وليس مدسوسا عليه، ولا هو نقلا عن فلان عن فلان ويقرر فيه أن خلية تضم عددا من الإخوان - كان أحد أفرادها - تشكلت تحت إمرة وزارة الداخلية السعودية لشن حملة إعلامية ضد عبد الناصر ونظامه، وبالمناسبة الأمير نايف بن عبد العزيز وقتها لم يكن وزيرا للداخلية وإنما مسئولا عن جهاز المباحث - علي ما أذكر - كما كان مسئولا عن ملف اليمن.واعتراف أيضا بأن كثيراً من الإخوان أصبحوا مجندين لأنفسهم وجهودهم في تأييد السياسة الإسلامية التي ينتهجها الملك «فيصل»، ولا أعرف بماذا يمكن تفسير كلمة مجندين لأنفسهم، وهل هناك فرق بينها وبين معني كلمة تجنيدهم؟ كذلك اعترف القرضاوي بأنه كان عليه دور محدد، ولا يغير من حقيقة العلاقة بين جهاز أمن الدولة وبين مجموعة أفراد من الإخوان المسلمين الادعاء بوجود اتفاق بين سياسة الملك فيصل الإسلامية وسياسة الإخوان وكأن الخلية التي تعمل مع الداخلية السعودية وتمثل جهاز أمن دولة يحكمها الإخوان، وبالتالي تنسق معها، والغريب أن تصل جرأة القرضاوي إلي الحد الذي يصور فيه الموقف، وكأن الإخوان في السعودية هم الذين كانوا يحددون للملك فيصل سياساته ويمنعونه من التراجع عنها

ولا أريد التوسع أكثر من ذلك بعد هذا الاعتراف، والذي يدعم استنتاج المستشار طارق بأن الفتنة التي أراد القرضاوي إشعالها كانت لحساب النظام السعودي الذي عمل عام 1966 لحسابه مع آخرين وتحت إشراف جهازه الأمني.. لكني استبعد هذه النتيجة التي خلص إليها وإن كنت لا أستبعد في نفس الوقت أن يكون هناك جناح سعودي له مصلحة في دفع الشيخ لذلك وهددوه إن لم يفعل بترتيب معلومات عن علاقته بهم - ربكم الأعلم - ولكن لا أميل إلي هذا الاحتمال أيضا لأن القرضاوي تجرأ علي السعودية وهاجمها في تصريحاته لبرنامج «القاهرة اليوم» بقناة الأوربت بقوله «لا توجد دولة تتبني الفكر السني، وهناك تفاوت في مواقفها، بعضها يتمسك بالشريعة مثل السعودية والسودان بعد الثورة الإسلامية هناك، كما يعاني كل بلد مشكلات لا تجعله يتخذ موقفا رساليا كما تقف إيران لمذهبها الشيعي

طبعا من الممكن أن يكون هذا الهجوم تغطية لموقفه لإبعاد أي شبهات عنه بالعمل لحساب السعودية، لكن من جهة أخري فإن محاولة القرضاوي إثارة الفتنة بين الشيعة والسنة، تتناقض تماما مع سياسات السعودية التي يتبعها الملك عبد الله ومع مصالحها الوطنية، ذلك أنه بدأ الانفتاح علي إيران والشيعة في العراق سواء في دعوة المملكة الزعيم الشيعي العراقي مقتدي الصدر لأداء الحج والمبالغة في استقباله وتنظيم لقاءات بين علماء الشيعة والسنة العراقيين، ودعوة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد لحضور اجتماع قادة دول مجلس التعاون الخليجي، وحرص المملكة علي استرضاء مواطنيها الشيعة الذين يتركزون في المنطقة الشرقية المواجهة لإيران وحيث يتركز إنتاج البترول، ثم انفتاح الملك عبد الله علي العالم المسيحي سواء بزيارته لبابا الفاتيكان أو دعوته للحوار بين الأديان الذي تم في إسبانيا ثم انتقل لأمريكا ولا يمكن أن يدعو لحوار بين الأديان والثقافات حيث لا يريد الفاتيكان حتي الآن الاعتراف بأن الإسلام دين سماوي، ثم يعطي الضوء الأخضر لأجهزته بتكليف من سبق له التعاون معها لإثارة زوبعة بين المسلمين السنة والشيعة للتغطية علي حضور الرئيس الإسرائيلي مؤتمر نيويورك واعتبار الكثيرين ذلك تطبيعا مع إسرائيل.وحتي هذه التهمة لم تعد تثير الإحراج الآن فالمبادرة السعودية التي تم تقديمها لمؤتمر القمة العربي في بيروت عام 2002 تضمنت الاعتراف بإسرائيل وتطبيع العلاقات معها إذا قبلت بها

ولكل ذلك وغيره لا أميل إلي الاعتقاد بأن السعودية كانت في حاجة للقرضاوي ليثير لها هذه القضية وإنما أعتقد أن القرضاوي أقدم عليها لأسباب خاصة به، وهي إحساسه بأنه بدأ يدخل مرحلة الأفول وبروز نجوم جدد في سماء الدعوة أفرزتهم القنوات الفضائية المتعددة، وبدأوا يحققون جماهيرية واسعة، وحتي قناة «الجزيرة» التي قدمته علي نطاق واسع لم تعد تقتصر عليه في برنامجها «الشريعة والحياة» وبدلا من أن يعترف بأن هذه هي سنة الحياة فقد اعتقد أن بإمكانه إعادة العجلة إلي الوراء ليكون هو الأوحد أو شبه الأوحد في سماء الدعوة والشهرة وهذا ما يفسر عصبيته وامتداحه لنفسه ومنحه لنفسه أيضا منصب «مرشد الأمة» ورغم ذلك يفتح تحليل البشري الباب للتأمل وتقليب الأمور علي أكثر من وجه

جريدةعن جريدة الدستور
حسنين كروم