قصص من سجون الإبعاد في الإمارات


August 03 2017 13:18

قصة إياد البغدادي في سجون الإبعاد تذكرنا مرة أخرى بالقيود التي يضعها النظام الإماراتي على حرية التعبير والممارسة النظامية للتمييز العنصري ضد المهاجرين

في الثلاثين من أبريل ٢٠١٤، استدعى مركز الهجرة في إمارة عجمان المدون الفلسطيني إياد البغدادي. قاد إياد سيارته إلى المركز دون أن يعي بأنها ستكون رحلته الأخيرة في البلاد التي أعتبرها وطناً عاشت عائلته فيه لأكثر من أربعين عام. شهرة هذا المدون جاءت خلال الثورات العربية في عام ٢٠١١ حيث اشتهر بآرائه السياسية النقدية التي تشاركها مع مدونين عرب آخرين من خلال شبكة تويتر. هذه الشهرة جذبت عيون السلطات الإماراتية تجاهه. تابعوه عن قرب بانتظار اللحظة المناسبة للانقضاض عليه واستخدام آرائه لحبسه في السجن.

بعد وصوله إلى النرويج، كتب إياد عبر تويتر "أنا منفي، لا تعتبروني مبعداً.” سبقه في رحلة النفي هذي المدون "البدون" أحمد عبدالخالق الذي اعتقل لأشهر قبل أن يتم نفيه إلى تايلاند. وقبل شهور، قامت السلطات بنفي شخص آخر هو الصحافي الأوغندي ياسين كاكاندي والذي عمل في الصحافة الاماراتية لعشر سنوات قبل نشره كتاباً يتناول فيه أوضاع الهجرة والإتجار بالبشر في الإمارات وهي مواضيع محرم الحديث فيها هناك. يذكرنا إياد أن هذه القرارات لا يمكن اعتبارها "ترحيلات" كما تصفها السلطات، بل أنها اجراءات قمعية تستهدف النقد والمعارضة. الدولة البوليسية تستغل الضعف القانوني للمهاجرين لتقوم بالتخلص منهم بسهولة ودون تقديم أية أسباب.

يوم الاعتقال

“كنت أعلم أنهم سيلاحقونني يوماً ما لكنني لم أعرف متى سيأتي هذا اليوم. في ٢٠١٣، أظهرت احصائيات أن حسابي على تويتر من أكثر الحسابات فعالية وتأثيراً من الإمارات.” هذا الظهور الاعلامي وضع إياد وآرائه تحت مراقبة دقيقة لكن اللحظة الحاسمة جاءت بعد الانقلاب العسكري في مصر المدعوم من السعودية والإمارات. لم يتراجع إياد عن الاعتراض على الانقلاب ومجزرة رابعة العدوية مما جعله مستهدفاً من قبل موالي الأنظمة في مصر والإمارات.

“تعرضت لحملة مفاجئة من قبل حسابات مجهولة على تويتر تطالب بطردي من الإمارات. أحياناً يبعثون بتغريدات إلى المسؤولين ليقوموا بمراقبة ما أكتب.” الكابوس بدأ مع موت صديق إياد، المدون المصري باسم صبري.

توجه إياد إلى مكتب الهجرة في الصباح التالي حيث كان ينتظره مسؤول إماراتي. دون تقديم أي شروحات، أخطره المسؤول بقرار الإبعاد الذي أصدر بحقه.

“إلى أين سترسلوني؟ أنا لاجئ فلسطيني عشت هنا طوال حياتي ولن تأخذني أي بلد.”

“فلسطين ستأخذك”

“لكن أنا لاجئ، من يافا، لا يمكنني دخول فلسطين”

“مصر ستأخذك”

“لكن مصر تمنع دخولي”

“هذه ليست مسؤوليتي. سيتكفل أحدهم بالأمر"

“ما هي الأسباب؟"

“لا أملك السلطة للسؤال عن الأسباب. عليك أن تتذكر ماذا قلت أو فعلت لتتسبب فيما يحصل"

“هل هنالك تهمة؟"

“لا لو كنت معتقلاً لأسباب أمنية لقمنا باعتقالك في بيتك بدلاً من استدعائك إلى هنا بهدوء"

“هل الأمر متعلق بتأشيرة العمل؟"

“الأمر لا يتعلق بأوراق الهجرة، بل أوامر عليا يجب تنفيذها بغض النظر عن وضعك القانوني.”

بعد هذه المحادثة المبهمة، قام أحد الحراس بتقييد يدين ورجلين إياد. طوال الوقت، لم يفكر إياد سوى بزوجته في البيت والتي كانت حبلى في الشهر السابع حينها. لطالما خشت الزوجة عواقب آراء زوجها السياسية.

“أخذوني في مركبة نقل مع حارسين. قادوا السيارة إلى أبو ظبي لمدة ساعتين قبل أن نصل إلى مركز الشرطة حيث قاموا بتقييدي إلى رجل باكستاني بعد وصولي.”

“كنت في غرفة لست ساعات مع الكثير من المهاجرين، أغلبهم من العمال. الكثير منهم مخالفون للإقامة رغم أن الكثير منهم أقاموا في الإمارات لفترات طويلة أو طوال حياتهم. كما كان أغلب المعتقلين من الجنوب-آسيويين أعتقلوا في نقاط تفتيش. كان هاتفي النقال معي وقتها قبل مصادرته فاتصلت بعائلتي. نقلت بعد ذلك إلى سجن الصدر في الظفرة وهو أحد السجون شديدة الحراسة.”

    كان الحراس يضربون المساجين ويلكمونهم ويبصقون عليهم. أحدهم بملابس مدنية وقف بجانب الصف ليعطي تعليماته بالعربية وحينما يجد أن أحدهم لم يفهمه، يقوم بصفعه بقوة.

الهرمية العرقية في السجن

“الأسوأ في سجون الإبعاد أن تكون من دول جنوب آسيا ولكن الأسوأ عن البقية أن تكون بنغلاديشي.” يتم تقسيم السجن إلى وحدات حسب الجنسيات. في وحدة إياد، لم يكن هنالك سوى العرب، بعضهم من عاش في الإمارات طوال حياته وآخرون "مخالفين للإقامة" أو علقوا في مشاكل مع كفلائهم. قضى إياد خمسة أيام في هذا السجن قبل ترحيله. يضيف إياد: “إن كان في كل زنزانة ١٠ رجال، ستجدين أن زنزانة للبنغلاديشيين فيها ٥٠ شخص في قطعة واحدة.”

سبق وأن وثُقت أوضاع السجون في الإمارات، على الرغم من محاولات الإعلام المحلي في الإمارات تحريف الحقيقة وتهميش تقارير المنظمات الدولية. ولأن المهاجرين يقعون تحت الرقابة الشديدة والتجريم المستمر فإنهم يتعرضون لظروف سيئة خلال الاعتقال ليتم حرمانهم من الدعم القانوني والمترجمين مع اجبارهم على التوقيع على اعترافات مجهزة وتركهم في السجون لفترات غير محددة أو ترحيلهم من دون إعطائهم الفرصة لحل مشاكلهم عبر القضاء. في تقرير لمركز الإمارات لحقوق الإنسان، قال شخص بانتظار عقوبة الإعدام في أحد سجون دبي: “وجه الشرطي مسدساً إلى رأسي وقال بأنه سيقتلني إن لم أعترف بأنني أبيع المخدرات.”

يقول إياد عن الرجال الذين التقاهم في سجن الصدر: “استمعت للكثير من القصص المؤلمة لفلسطينيين وسوريين. هؤلاء خاصة لا تعرف السلطات إلى أين ترحلهم لذا يبقون في السجون لفترات غير محددة.”

“أحدهم عمل في محل للحلويات إلا أن المبنى الذي كان يعمل فيه احترق. بالنتيجة، لم يستطع الرجل تجديد رخصة المحل وأصبح مخالفاً في البلاد.” أغلب من التقاهم إياد كانوا شباباً وبعضهم في الأربعين. ذكر إياد رجلاً مصرياً عمل كقاضي في الإمارات لـ ١٥ عام وكان قد قضى عاماً في السجن قبل ترحيله بسبب استدعائه وزير الداخلية الإماراتي ليقدم شهادته في قضية فساد عرضت عليه في المحكمة.

الفساد داخل السجن قصة كبيرة أخرى. يقوم الحراس باستخدام المساجين لينظموا رفاقهم في الإجراءات اليومية مثل الأكل مقابل السماح لهم بالقيام بمكالمة أو خدمات صغيرة من هذا القبيل. كما يتكفل السجناء بتنظيف الزنازين وهي فرصتهم الوحيدة للقيام بعمل جسدي. خلال الأيام التي قضاها إياد، اكتشف أن المساجين ممنوعين من الخروج إلا من أجل الوجبات اليومية. يجلس السجناء على أرضية باحة السجن الحارقة تحت شمس أبريل في أوقات الأكل:

“كانت الأرضية قذرة مليئة بالبصاق والمجاري. كنا مطالبين بالجلوس على هذه الأرضية خلال الوجبات. وكان الأكل أسوأ من أكل الكلاب.”

لم يحصل إياد على ملابس لتغيير البدلة التي كان يرتديها وقت اعتقاله. أخبره الحراس أن على عائلته جلب ملابس له أو شراء ملابس من عربة البقالة في باحة السجن. “الأكل والثياب التي تبيعها هذه العربة سيئة جداً وتباع بأضعاف سعرها الحقيقي.”

المسؤولون في السجن إماراتيين إلا أن أغلب الحراس من العمانيين تم توظيفهم من خلال شركات خاصة، كما تواجد بعض السودانيون والنيباليون.

“غالباً ما يتلقى البنغلاديشيون والباكستانيون معاملة سيئة من الحراس. المهاجر الهندي يحصل على معاملة أفضل لأن السفارة الهندية ترسل أحداً بشكل منتظم ليتابع أحوالهم. والمثل بالنسبة للفلبينيين.”

“خلال ساعات الزيارة، لاحظت وجود معتقل سياسي إماراتي وكيف يقوم الحراس بمعاملته باحترام. كان اسمه الدكتور علي الحمادي وهو أحد المعتقلين السياسيين السبعة الذين اعتقلوا لمطالبتهم بإصلاحات، كما قامت السلطات بتجريده من جنسيته. بشكل عام، تتم معاملة المساجين بشكل أفضل من أولئك المعتقلين بهدف الإبعاد.”









Loading...




Home Page
كتب ممنوعة
اراء حرة
صورة وتعليق
اخبار طازة
برقيات عاجلة
شروط النشر
فضائح وفضائح
خبر وتعليق
سري جدا
لصوص ظرفاء
رسائل القراء
من ارشيفنا
هذا الرجل
هذه المرأة
كتاب البورتل
كاتب وكتاب
قصائد ممنوعة
 مقالات  مميزة
كتب للبيع
ارشيف الاخبار
قصائد المقدسي
صحف عربية
الافتتاحيات
مقالات ساخنة
صبرا وشاتيلا
أسامة فوزي
ملفات الفساد
 مقالات الاولى
الكتب السعودية