عبد الرحمن الراشد والخطاب المتصهين لمحطة العربية


October 22 2008 15:30

بقلم: د. أحمد بن راشد بن سعيّد
صحافي وأستاذ الإعلام السياسي بجامعة الملك سعود

يمثل الكاتب عبد الرحمن الراشد أنموذجا لظاهرة (الليبراليين الجدد) الذين يتسمون بالتطرف في أفكارهم ، ومواقفهم السلبية من الإسلام ، وولائهم للسياسة الأميركية والإسرائيلية . من أبرز سماتهم أيضا تناقضهم المخيف والتراجيدي مع أبسط مفهومات الليبرالية ، وهي الحرية والتعددية والاحتفال بالتنوع . كما أن الظاهرة (الليبرالية) الجديدة ذات طبيعة إقصائية وأحادية وموغلة في جلد الذات والتبرؤ من تاريخ الأمة ونضالاتها وأمجادها ، والتشديد على أن الحداثة مرتبطة ارتباطا جوهريا بالتنكر للدين ، واستلهام التجربة الأوروبية في هذا السياق ، ومن ثم إعادة تأويل القرآن والسنة ليتمشيا مع مقتضيات الحداثة المنشودة ، بحيث يتم تبني المفهوم الغربي والطريقة الغربية والسياسات الغربية ، والدفاع عنها وتسويقها بشتى السبل

قبل بضعة أشهر ، وتحديدا في شهر تشرين الثاني (أيار) 2006 ، حاول عبد الرحمن الراشد تبرير تخندقه في الصف الأميركي والإسرائيلي بحجج متهافتة ، ضمن لقاء طويل متعدد الحلقات أجراه معه الصحافي عبد العزيز قاسم في ملحق (الرسالة) بجريدة (المدينة) السعودية . وقد سأله قاسم أسئلة عديدة ومهمة ، استقى كثيرا منها من مقالات كتبتها في نقد طرح الراشد وكشف تواطئه مع الأجندة الأميركية . لست هنا في مقام الرد على ما جرى في هذا اللقاء ، ولكن سأعرض هنا لمحاولة الراشد النأي بنفسه عن تسويق السياسة الأميركية والإسرائيلية والبحث عن مبررات لها ، إضافة إلى تحامله الذي يصل إلى درجة الحقد على كل التيارات والحركات العروبية والإسلامية . اتهم الراشد أثناء اللقاء من انتقد طرحه بالمرض أو الجنون ، وهي أوضح دلالة على العجز ، فالحجة تواجه بحجة ، والرأي يرد عليه برأي ، أما اتهامات المرض أو السحر أو الجنون ، فأمور ليس محلها أعمدة الصحف المخصصة لتبادل الرأي والنقاش الحر المنضبط بضوابط الأخلاق وأعراف النشر . ثم إن مشكلات أو عاهات كهذه لا يستطيع صاحبها إخفاءها عن القراء والمتابعين ، "وإن خالها تخفى على الناس تعلم" ، كما قال صاحب من ومن ومن . الجماهير تعرف الكاتب أو الصحافي المريض ليس من خلال إنتاجه المنشور فحسب ، بل من تعبيرات وجهه ، وفلتات لسانه

بيد أن المشكلة لم تكن قط مع شخص عبد الرحمن الراشد ، ولكنها مع طرحه الديماغوجي والمتشنج الذي يحفل به عموده اليومي في صحيفة (الشرق الأوسط) . لا أذكر أن موقفا عدائيا اتخذته الولايات المتحدة وإسرائيل تجاه بلد عربي أو إسلامي إلا ووجد تبريرا وتفهما من قبل الكاتب الذي أزعم أنه شديد الوضوح ، فهو يعلن مواقفه بلا مواربة ولا استحياء . وسأعرض هنا دلائل عديدة من كتابات الرجل ، بعضها ورد ضمن ورقة علمية عن الصحافة المناهضة لثقافة المقاومة ، قدمتها لمؤتمر (ثقافة المقاومة) الذي نظمته جامعة فيلادلفيا بمدينة جرش الأردنية عام 2005 . كما سأتحدث عن طرح قناة العربية وتناولها الإخباري ، وهي القناة التي يديرها الراشد ويرسم سياستها

في عموده المنشور في صحيفة (الشرق الأوسط) في الثاني عشر من تموز (يوليو) 2004 كتب الراشد مقالا بعنوان (ليس جدارا عنصريا) انتقد فيه من يقولون إن هدف الجدار الذي تبنيه إسرائيل في الضفة الغربية المحتلة هو التمييز العنصري ضد الفلسطينيين ، لأن "إسرائيل تستطيع أن تفند دعوى تهمة العنصرية بالتذكير أن أكثر من مليون من "مواطنيها" في داخل إسرائيل هم فلسطينيون ، ويعيشون معها نصف قرن ، ويحملون هوياتها ، وتدعي أن لهم نفس الحقوق الممنوحة لليهودي الإسرائيلي" . ودعا الراشد إلى عدم الانشغال بموضوع الجدار ، والاهتمام "بتفعيل التفاوض ، وإعادة الكرة مرة بعد أخرى

في 22 من آب (أغسطس) 2004 كتب الراشد مقالا بعنوان "أنقذوا عرفات" . انتقد فيه الرئيس الفلسطيني ، مؤكدا أنه "ارتكب أخطاء جسيمة في تاريخه ، حروبا في غير محلها ، ومغامرات خاطئة ، ورفض مشاريع سلام ثمينة" . وهي التهم عينها التي كانت ترددها إسرائيل والإدارة الأميركية ضد عرفات

في 13من تشرين الثاني (نوفمبر) 2004 بدأ الراشد مقالا من 3 حلقات بمناسبة رحيل الرئيس الفلسطيني السابق . كان عنوان السلسلة "ماذا بعد دفن عرفات ؟ " . تبنى الراشد الرواية الإسرائيلية والأميركية بشأن الرجل قائلا : "عرفات كان طرفا في المشكلة" ، وغيابه "يمثل فرصة إيجابية" . وانتقد الرئيس الراحل بقوله إنه مات عاجزا عن خوض "المعركة الصعبة"؛ لأنه "كان يراعي كل الاحتمالات ، وبالتالي اختار أن يخسر الفرص الثمينة من أجل أن يكسب الإجماع الفلسطيني" . إذن كان على عرفات أن يكسر الإجماع ، ويشق الصف الفلسطيني ، ويذهب في طريق التنازلات إلى آخر مدى ، وأن يقمع – كما يطالب الإسرائيليون والأميركيون – المنظمات التي ترفض الاستسلام للشروط الإسرائيلية . يطرح الراشد رؤيته أمام القيادة الفلسطينية الجديدة بقوله : "الامتحان الدموي آت للقيادة الفلسطينية التي سيتحدى سلطتها الخارجون عليها ، وستواجه عمليات تمرد داخلية ، وسيارات انتحارية في تل أبيب والقدس ، وقتلى إسرائيليين بالعشرات ، وبيانات فلسطينية تتهمها بالخيانة ، وبيانات دولية تتهمها بالعجز ، ومنظمات فلسطينية تعلن عزمها على قيادة الشأن الفلسطيني ، والاقتتال للحصول على شعبية في الشارع الفلسطيني المأزوم والمحبط دائما

في الحلقة الثانية دعا الكاتب الحكومات العربية إلى تأييد القيادة الفلسطينية الجديدة ، مؤكدا أنه "مع غياب أبو عمار لم يعد هناك مبرر للتقاعس في دعم السلطة لتصبح قادرة على تقديم الرعاية الإنسانية والخدمة المدنية التي عجزت عنها بسبب ما مرت به من حصار ومقاطعة دولية" ، وأن "الإخفاق في رفع الحصار عن المدن الفلسطينية وعدم دعم السلطة في رام الله سيتسبب في استنساخ عرفات بآخر" . وزعم الراشد أن معظم عمليات القوات الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة كانت للانتقام لا للقضاء على خصومها ، وهي الذريعة التي طالما استخدمتها إسرائيل ووسائل الإعلام الغربية المتعاطفة معها لتبرير ممارسات الاحتلال الإسرائيلي العدوانية في الأرض المحتلة

في الحلقة الأخيرة من سلسلة "ما بعد دفن عرفات" كتب الراشد : "اختتمت الحالة العرفاتية بحالة جمود قاتلة ، وساحة مكتظة بالانتحاريين ، وقطيعة دولية ، وبرود عربي ، ومؤسسة سياسية معطلة ، وخزينة مفلسة ، وصراع على السلطة كاد ألا ينتهي" . هذا المشهد الذي يرسمه الراشد حول عرفات يؤكد انحيازه المطلق للصورة النمطية الأميركية للمشهد الفلسطيني التي لا يبرز فيها سوى الجمود والفساد والإفلاس وقطعان بشرية فاقدة للأمل ومقبلة على الموت انتحارا . الحقيقة تقول إنه لم تكن هناك قطيعة دولية ، بل قطيعة أميركية إسرائيلية ، أما البرود العربي الذي أشار إليه الكاتب فكان مجرد ثمرة لهذه القطيعة . هذا لا يعني طهارة الساحة الفلسطينية في عهد عرفات من الفساد ، ولكن الراشد لم يكن يرى في المشهد أكثر مما يسمح به المنظور الأميركي والإسرائيلي الذي قرر عزل عرفات ، وسعى لتصوير الشعب الفلسطيني بوصفه شعبا كارها للحياة ، عاشقا للعدمية والموت

في مقال له بعنوان (شدوا الأحزمة في الأرض المحتلة) منشور في 29 من تشرين الثاني (نوفمبر) 2004 أثنى الراشد على الأداء السياسي للقيادة الفلسطينية الجديدة ، لكنه أثار مجددا مسألة حركات المقاومة ، وعلاقة السلطة بها . يقول : "بقيت ملفات صعبة ، لكن ليس صعبا في هذا الظرف التضامني التوصل إلى حلول لها ، مثل سحب قرار الحرب من يد الفصائل والتنظيمات الأخرى مثل حماس والجهاد الإسلامي التي تقرر متى وأين وكيف وأين تقاتل . الوقت حان للتنسيق مع السلطة الفلسطينية ، والاعتراف بحقها في اتخاذ القرار الاستراتيجي ، كالحرب والسلم" . ويتساءل الراشد ماذا ستفعل السلطة الفلسطينية عندما تقرر إيقاف العمليات العسكرية ، ثم "تتمرد فصائل على القرار ، وتخرق الاتفاق ، ويقتل جمع من المدنيين الإسرائيليين ؟ " . ويلجأ الراشد إلى التحريض على فصائل المقاومة متسائلا : "هل ستقبل السلطة بتنظيمات خارجة عن إرادتها ، تنفذ عمليات متى ما تريد ، وتبني معسكرات كيفما تريد ، وتتعامل سياسيا مع جهات خارجية متى ما تريد ؟ لا توجد سلطة في العالم تقبل بذلك إلا إذا كانت مجرد دمية لآخرين .. لا تملك القيادة الجديدة إلا حسم مسألة المرجعية السياسية الواحدة ، ككل نظم العالم ، وتفرضها بشكل لا تردد فيه

في 3 من تشرين الأول (أكتوبر) 2004 انتقد الراشد الانتفاضة الفلسطينية التي كانت "حجارة ومقالع من صبية الشوارع ، ثم أصبحت صواريخ وسيارات مفخخة يقودها بالغون" . زعم الراشد إن الانتفاضة نجحت في صيغتها الأولى ، وأحرجت إسرائيل داخليا وخارجيا ، لكن "بعد أن خطفت التنظيمات الانتفاضة تحولت إلى حرب مألوفة ، كأي حرب أخرى في سيري لانكا وشمال نيجيريا وإيرلندا الشمالية ، مواجهات بين طرفين متقاتلين . خسرت الانتفاضة براءتها ودعايتها بعد أن تبدلت مظاهرها الأولى من جنود إسرائيليين يقتلون أطفالا عزل إلى مسلحين فلسطينيين يقتلون أطفالا إسرائيليين" . ساوى الراشد في كلامه بين الطرفين ، المحتل الإسرائيلي ، والفلسطيني الواقع تحت الاحتلال . ووصف المقاومين الفلسطينيين بالمسلحين ، بينما وصف الإسرائيليين الذين يقتلون أطفال فلسطين بالجنود . ومضى الراشد منتقدا القيادات الفلسطينية قائلا إنها أخفقت إخفاقا كبيرا في استثمار الانتفاضة سياسيا ، وإنها تنافست على أمر واحد وهو "التبرع بالشهداء مجانا" . وأضاف أن الانتفاضة "متناقضة ، تظهر محتارة ، مرة مثل معارضة عراقية مسلحة ، وتارة مثل تنظيم القاعدة

في 27 من تشرين الثاني (نوفمبر) 2006 هاجم الراشد الحكومة الفلسطينية التي تقودها حماس ، واصفا إياها بالنفاق السياسي ، زاعما أنها وليس إسرائيل من يتحمل المسؤولية عن القتل والدمار الذي يحدث للفلسطينيين . أكد الكاتب في مقاله الذي حمل عنوان "حماس تحمي إسرائيل" أن : "أربعمائة قتيل فلسطيني قضوا بسبب سياسة حماس التي دمرت البنية الحكومية ، وجوعت الناس .." . ويضيف الراشد : "إن استغرابنا ليس مسألة تشف ، ونحن نرى انقلاب المفاهيم عند حماس ، لكنها محطة تستوجب التوقف والتأمل والمحاسبة ، أو على الأقل السخرية" . ويعود الراشد للدفاع عن إسرائيل بقوله "إذا كانت حماس ستفاخر بأنها أطلقت عددا من الأسرى الفلسطينيين من خلال التفاوض عليهم مقابل إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي ، فإنه مبرر غير مقنع لأن إسرائيل كانت مستعدة من أجل توقيع هدنة معها إطلاق عدد من الأسرى الفلسطينيين من دون الحاجة الى خطف جنود" لاحظ استخدام كلمة خطف بدلا من أسر

في 12 من تشرين الثاني (نوفمبر) 2006 يسخر الراشد من رئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية مشيرا في عموده الذي حمل عنوان "هنية سبب الحصار" إلى أن أحدا لن يذرف الدموع على رحيله لو قرر الرحيل . يضع الراشد نفسه مجددا في الخندق الإسرائيلي مبديا حرصه على تجميل صورتنا لدى الإسرائيليين الذين يتصرفون بطريقة راقية متحضرة كما يبدو من ثنايا كلامه . يقول الراشد إن هنية "أعطى الإسرائيليين دليلا على أن الفلسطينيين لا يحترمون المواثيق" (وحدهم بنو إسرائيل يوفون بالعهود إذن) . يزعم الراشد أن هنية "أثبت عدم نضجه السياسي" ، ويتهمه بأنه "هو الذي تسبب في تجويع مليون فلسطيني" ، وهو نفسه منطق قلب الحقائق الذي تمارسه إسرائيل والولايات المتحدة اللتان يبرئهما الراشد كعادته من ذنب قتل الفلسطينيين وتجويعهم وتدمير بنيتهم التحتية ، ويلقي باللوم كله على حكومة فلسطينية شرعية كان ذنبها الذي استوجب الحصار أنها احترمت خيار شعبها ولم تساوم على حقوقه

في 21 من كانون الثاني (يناير) 2007 كتب الراشد مقالا يدعو فيه إلى عودة رئيس المكتب السياسي لحركة حماس ، خالد مشعل ، إلى غزة . ودافع عن السياسة الإسرائيلية زاعما أن عودة مشعل "ليست مطلبا عسيرا على الإسرائيليين ، الذين رضخوا لتولي حماس الحكومة ، وبلغوا من الواقعية التعامل مع كل الرموز الفلسطينية الممنوعة سابقا . وإن كان هناك من قد يرفض عودة مشعل إلى بلده ، فعلى الأرجح ليس الإسرائيليين ، بل هم داخل فتح ، وحماس أيضا بعد سيطرة حكومة إسماعيل هنية على قطاع غزة في منتصف حزيران (يونيو) 2007 ، كان لا بد للراشد من موقف ينال فيه من الحركة التي يتربص بها الدوائر . "مبروك لحماس النصر المبين" هو عنوان عموده الذي وصف فيه ما جرى في غزة بأنه "أكبر إهانة للشعب الفلسطيني" ، زاعما أن حماس ارتكبت "واحدة من أكبر المذابح في تاريخ غزة" ، مهيلة التراب على القضية الفلسطينية ، وقاضية على كل آمال الاستقلال . ويردف الكاتب قائلا : "مرت أيام صعبة على المجتمع العربي ، لكن هذه أسوأ من أي يوم مضى في تاريخه .. الكل يعرف أن أبو مازن صبر طويلا على هنية ، وحماس وممارساتها ، ونقضها للاتفاقات الموقعة ، وحملها السلاح ضد السلطة ، وتعاملها مع إيران ، والسماح لخالد مشعل أن يدير شأنها من سورية" 16 حزيران / يونيو 2007

في عموده المنشور في 20 من حزيران (يونيو) 2007 والذي حمل عنوان "حيرنا أبو مازن" كتب الراشد : "يقال إن الرئيس أبو مازن أبلغ الإسرائيليين أنه مستعد لتحمل نفقات الغاز والكهرباء والخدمات الأخرى التي تصل إلى غزة وأصبحت على وشك أن تقطع بسبب استيلاء حماس على الحكم هناك . ورغم أن رجال إسماعيل هنية ، رئيس وزراء حماس ، داسوا صور الرئيس أبو مازن وقتلوا حراسه وتعمدوا تخريب ممتلكات مكتبه ، إلا أن الرجل كظم غيظه وحفظ لسانه فلم يرد عليهم الشتيمة بالشتيمة ولا بالخطب الحماسية المضادة .." . الراشد خائف أن تكون هذه الرواية صحيحة ، ويستنكر إيصال الكهرباء والماء إلى غزة ، محرضا عباس على المشاركة في قطع أسباب الحياة عنها ، متسائلا : "ما هي حقيقة هذا الرجل ، هل هو خائف أم عاقل ؟ بطيء الحركة أم حكيم التصرف ؟ قليل الحيلة أم كثير المحبة والتسامح ؟ الآن هذه ساعة الرئيس محمود عباس

ويصف الراشد اجتماع شرم الشيخ الذي ضم قادة مصر والأردن والسلطة الفلسطينية وإسرائيل ، بأنه "إعلان صريح للعالم أن ]محمود عباس[ رئيس السلطة الفلسطينية الشرعية لا حماس ورئيس حكومتها إسماعيل هنية الذي لم يجد اعترافا من العالم إلا من إيران وسورية فقط" 25 حزيران / يونيو 2007

الراشد يقف بوضوح ضد خصومه ، وهم بالطبع ليسوا حماس وحدها ، بل كل من يتبنون خيار الممانعة والمقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي والعربدة الأميركية . ولم يسلم حتى علماء الدين المرموقين من مواقف الكاتب المتشنجة والمتغطرسة . خذ مثلا موقفه من الدكتور يوسف القرضاوي والذي عبر عنه أكثر من مرة . في عموده المنشور في العاشر من تموز(يوليو) 2004 ناقش الكاتب الهجوم الذي شنته بعض الصحف البريطانية على الدكتور يوسف القرضاوي ، واحتجاجها على السماح له بدخول بريطانيا ، وأيد مواقف هذه الصحف قائلا إن ارتباط اسم الشيخ بتنظيم الإخوان المسلمين "جعله ينظر إلى العالم من نافذة الحزب أكثر من واقع الأمة وقدراتها وحاجاتها" ، وإنه من الشيوخ الذين "يحرضون الشباب على القتال ، وهم لم يغادروا بلدانهم ، ولا يسمحون لأولادهم بالشيء نفسه

وأضاف قائلا إن القرضاوي "من أكثر الدعاة إلى الحرب والمواجهة ، لكنه يعيش في قطر في بيت مكيف" . والراشد يقصد بالحرب والمواجهة هنا المقاومة المشروعة في فلسطين والعراق ، فهو يرى أنها ضرب من العنف أو الإرهاب الذي يستحق هو نفسه الإدانة والمقاومة . ويؤكد هذا المعنى في كلامه عن القرضاوي ، عندما ينتقد موقف الشيخ من اليهود ، وينقل عنه قوله : "اليهود كطائفة ظلمهم واضح بين .. ظلم عظيم ، وظلم لا نظير له ، وظلم مكشوف .. لا نحاور هؤلاء [اليهود] وأيديهم ملوثة بدمائنا" . وعلق الراشد على ذلك بقوله إن القرضاوي سياسيا "يمثل أقصى التطرف بكل أسف

في عموده المنشور في 4 من أيلول (سبتمبر) 2004 يصف الكاتب الشيخ القرضاوي "بشيخ التلفزيون" زاعما أنه "أفتى جهارا بجواز قتل المدنيين الأميركيين في العراق" . ويضيف : "تصوروا عالم دين يحث على قتل مدنيين ، شيخ في أرذل العمر يحرض صبية صغارا على قتل مدنيين .. كيف لأب مثله أن يواجه أم الفتى بيرغ الذي ذبح ابنها نحرا لأنه جاء للعراق ، للعمل في أبراج هندسية ؟ كيف نصدقه عندما يقول لنا إن الإسلام دين رحمة ودين تسامح ، وهو يحوله إلى دين دم ؟ " . طبعا الراشد لم يتطرق إلى مذابح الفلسطينيين ، ولم يورد اسم شهيد فلسطيني واحد ، وهو بالمناسبة لم يعلق على جريمة قتل الشيخ أحمد ياسين ، إلا بقوله "دعوا الانتقام" لأنه "عمل أعمى ، والحرب لا يكسبها العميان" كما قال(28 آذار/ مارس 2004) ، ولم يعلق ألبتة على استشهاد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي . لم يتذكر الراشد أن للشهداء الفلسطينيين أيضا أسماء تسجل وتعلن ، واكتفى فقط بذكر اسم الأميركي بيرغ الذي جاء في ركاب دولة محتلة لغزو بلد عربي وتدميره

ولا يقف الراشد في تأييده للأجندة الأميركية على حدود فلسطين ، فأينما كانت لأميركا مصلحة ، أو دخلت طرفا في نقاش نجده يجرد قلمه مستبقا حتى الموقف الأميركي منافحا عنه ومسوقا له . كان الراشد من أوائل الكتاب الذين برروا الاجتياح الأميركي للعراق قبل حدوثه ، ومن الذين دافعوا عنه بعد حدوثه ، ووقف مع المشروع الأميركي في ذلك البلد ، واصفا احتلال الأميركيين له (بالتحرير) . لا يسعني أن أثبت هنا كل ذلك لضيق المجال ، لكن الرجل على سبيل المثال ، امتدح تأسيس مجلس الحكم العراقي زاعما أن "الأميركيين أدخلوا فيه تقريبا كل القوى الأساسية التي تمثل العراقيين ، وبين هؤلاء خصوم ألداء للولايات المتحدة" (4 تشرين الثاني/ نوفمبر 2003) . وأسبغ الراشد مرارا صفات الديموقراطية والإصلاح والإعمار على المشروع الأميركي في العراق قائلا على سبيل المثال إن "توجه الأميركيين نحو إعمار العراق ، دون الاكتفاء بمحاولة إصلاحه سياسيا ، هي خطوة سليمة لصالح العراقيين وعرب المنطقة .." (26 تشرين الأول / أكتوبر 2003) . يؤكد الراشد أن عراق ما بعد صدام يتمتع بديموقراطية منقطعة النظير ، إذ انتقل بالاحتلال من" عهد صدام المحارب للدين ثلاثين سنة إلى انفتاح كامل يسمح للجميع بظهور حقيقي في الحياة العامة ، بما في ذلك المراجع الدينية" . كما يثني على الحكومة التي تشكلت في ظل الاحتلال قائلا إنها "ابتعدت عن الانتماء لأي فريق ديني ، بدليل أن معركتها ضد جبهة شيعية في النجف تأتي موازية لمعركتها ضد الجماعة السنية المتطرفة في الفلوجة" 24 آب / أغسطس 2004

أما ما يتعلق بالسنة العرب في العراق ، فقد تبنى الراشد الموقف الأميركي تجاههم ، زاعما أنهم يفتقرون إلى النضج السياسي . في مقال له من حلقتين بعنوان "من ينقذ السنة من السنة" ، نشرا في يومي 1 و 2 من كانون الأول (ديسمبر) 2004 انتقد الراشد المقاومة السنية في العراق متسائلا بتهكم : "هل المسالخ البشرية التي عثر عليها في الفلوجة ، وروعت صورها العالم هي بيوت سنية ؟ وهل المجالس والعلماء الذين توعدوا أقوى قوة في العالم ، ينطقون بالفعل بلسان أضعف فريق في العراق ؟ " . يتجاهل الراشد الصور التي روعت الضمير الإنساني حقا ، وهي صور الذبح الجماعي ، وسياسة الأرض المحروقة ، والإجهاز على الأسرى في المساجد ، وحرب الإبادة التي شنتها قوات الاحتلال الأميركية على تلك المدينة العراقية الصغيرة . يجعل الراشد معيار العدل والحكمة هو الاستسلام للقوي المتجبر ، والإقرار بالضعف والخنوع أمام دمويته وإرهابه ، عندما يتساءل : هل العلماء الذين توعدوا أميركا ينطقون بلسان السنة الضعفاء ؟ من قال إن القوة الأميركية لا راد لقضائها ، ولا معقب لحكمها ، ومن قال إن السنة هم أضعف فريق في العراق ؟ يضيف الراشد شامتا بالسنة العرب : "الفلوجة المعركة رغم ما سببته من أذى كبير ، ربما أنقذتهم من متطرفيهم ، الذين كانوا يقودونهم نحو الدمار .. تحصنهم في الفلوجة حولها إلى مقبرة لهم .. وما حدث يبرهن كذلك على انعدام خبرة القيادة والمفاوضة عند السنة العرب . وهم بالفعل أناس بلا خبرة سياسية

في الحلقة الثانية من مقاله "من ينقذ السنة من السنة" يواصل الكاتب هجومه على السنة العرب ، فيقول إنهم "تحت القصف ، وخارج سوق الانتخاب ، بسبب عنادهم وجهلهم ، وترك زمام قيادتهم للمتطرفين الذين يسكنون بينهم ، أو يتحدثون باسمهم ، وعلى سنة العراق أن يتذكروا أن متطرفي السنة ، لم يفلحوا في البلدان ذات الأغلبية السنية ، كما في الخليج ومصر والأردن ، حتى يمكن أن يفلح تطرفهم في فعل شيء لصالح العشرين في المائة من سكان العراق" . لا يضيف الكاتب جديدا هنا سوى أنه رمى السنة العرب عن بكرة أبيهم بالتطرف ، بمن فيهم هيئة علماء المسلمين ، أبرز المنظمات المدنية الساعية إلى الحفاظ على عراق عربي مسلم موحد وغير طائفي ، بل ذهب إلى خارج حدود العراق فرمى حركات معارضة إسلامية في بلدان عديدة بالتطرف ، وكرر المقولة الدعائية الأميركية القاضية بأن سنة العرب أقلية لا تتجاوز نسبتها عشرين في المائة من سكان العراق

الراشد دائم الانتقاد للمسلمين وثقافتهم وحضارتهم ، وليس فقط للظاهرة الإسلامية التي يرميها بتهمة (الأصولية) و(التطرف) بلا تمييز . كان عنوان عموده المنشور في 4 من أيلول (سبتمبر) 2004 هو "الحقيقة المؤلمة أن كل الإرهابيين مسلمون" . لم يصنف الكاتب ممارسات شارون آنذاك في خانة الإرهاب ، ولا ممارسات الإدارة الأميركية في أبو غريب وغوانتانامو وقندوز ، وحصر تهمة الإرهاب في المسلمين ، تماما كما يرى الساسة الأميركيون والإسرائيليون ومن تستهويهم صناعة وتخليد صورة الإسلام (المدمر) و(الخطير) و(العنيف) . يقول الكاتب مرددا الإدعاءات الأميركية إن "الذين يمارسون عمليات اغتصاب وقتل في دارفور مسلمون" . وينتقد الكاتب عمليات المقاومة الاستشهادية في فلسطين بطريقة غير مباشرة ، فيقول : ".. ومعظم الذين نفذوا العمليات الانتحارية ضد حافلات ومدارس وبيوت ومبان في أنحاء العالم في السنوات العشر الماضية أيضا مسلمون" . ويعلق الراشد على هذه الصورة التي رسمها خياله متعجبا : "يا له من سجل سيىء ، ألا يقول شيئا عن أنفسنا ومجتمعاتنا وثقافتنا ؟ " . ويستمر في عملية سحق الذات والتبرؤ منها قائلا : "هذه الصور قاسية ومخجلة ومهينة لنا" . ويقترح الراشد وصفة للعلاج تبدأ بالاعتراف بصحة هذه التهم كلها ، ثم "مطاردة أبنائنا الإرهابيين" الذين هم "نتاج طبيعي لثقافة مشوهة" كما قال (لاحظ أنه يطالب ضمنا بالاستئصال

المشكلة أنه يصعب علينا ، بل يستحيل أن ننظر إلى خطاب عبد الرحمن الراشد بمعزل عن غرامه وشغفه بالسياسة الأميركية وإعجابه بإسرائيل ، حتى لو صادمت هذه السياسة ما يتشدق به من شعارات ليبرالية . خذ مثلا موقف الرجل من إغلاق مركز زايد للمتابعة والتنسيق عام 2003 . لقد أغلق المركز بعد تعرضه لضغوط أميركية ، وحملة إعلامية من قبل من يعرفون (بكتاب المارينز) في الصحافة العربية . استضاف المركز عددا من الخبراء الغربيين والعرب ، وبعضهم انتقد ما يوصف (بالحرب على الإرهاب) ، وشكك في تفاصيل ما جرى في الحادي عشر من سبتمبر

انتقد الراشد المركز ونشاطاته ، ضاربا عرض الحائط بكل ما ترمز إليه الليبرالية من إيمان بحرية التعبير ، وتمجيد الرأي الآخر . بعد إغلاق المركز كتب مؤيدا : "أقدمت الحكومة الإماراتية على إغلاق مركز زايد للمتابعة والتنسيق ، بعد أن اتهم المركز بالترويج للفكر المتطرف في المنطقة .. كان من بين الطروحات أن روّج المركز ضد العلاقة العربية مع الولايات المتحدة ، وهذا يناقض مصلحة ممول المركز .. وشارك ضد الوضع القائم في العراق بما يناقض هو الآخر الموقف الإماراتي" (2 آب / أغسطس 2003) . التطرف إذن ببساطة هو الاختلاف مع السياسة الأميركية


بعيد ما قيل إنه اكتشاف مؤامرة لارتكاب (أكبر مذبحة جوية) على حد التعبير غير المسبوق لقناة (العربية) ، وهو إعلان السلطات البريطانية إحباط محاولة لتفجير طائرة ركاب في الجو ، صرح بوش أن ما حدث"تذكرة قوية بأن هذه الأمة في حالة حرب مع الفاشيين الإسلاميين الذين يستخدمون أي سبيل لتدمير من يحبون الحرية منا من أجل إيذاء أمتنا . "أثارت عبارات بوش انتقادات واسعة ، ليس في صفوف المسلمين فحسب ، بل حتى من داخل الصف المسيحي . وحده عبد الرحمن الراشد تلقف تلك العبارات بإعجاب ، وحمل عموده في (الشرق الأوسط) عنوان : "بالتأكيد هم فاشيون" ، زاعما أن .. هذه المقاربة سليمة ، عندما تضعها إلى جانب أدبيات المتطرفين الإسلاميين . وكما حارب الأوروبيون الفاشية والفاشيين بالكلمة والبارود ، فإن العالم سيحارب المتطرفين الإسلاميين .. إن وصف مسلم بالإرهابي أمر طبيعي إن كان إرهابيا .." (13 آب/ أغسطس 2006) . لم يصف الراشد جرائم أولمرت وبوش إبان العدوان الهمجي على لبنان بأنها (فاشية) ولا (نازية) ، بل لم يصفها بالعدوان أصلا ، وقد تجلى ذلك في التناول الإخباري لقناة (العربية) التي يديرها ، وسنناقش هذا الجانب بعد قليل

قبيل الغزو الإثيوبي للصومال ، والمدعوم أميركيا ، استبق الراشد الغزو بكتابة عمود وصف فيه المحاكم الإسلامية الصومالية "بالميليشيات المتطرفة" ، زاعما أن "الكثير من القرائن يبرهن على علاقتها بإيران والقاعدة" ، وهي أشبه ما تكون بطالبان التي "خلقتها باكستان" ، على حد تعبيره . انتقد الكاتب الجامعة العربية لدعمها لمن وصفها بحركة مؤدلجة ، لا تخفي أنها "ستشغل المنطقة ، لا الصومال وحده ، بالمزيد من الإرهاب" (3 كانون الأول / ديسمبر 2006) . بعد احتلال إثيوبيا الصومال ، شنت المقاتلات الأميركية عدوانا على الشعب الصومالي قتل فيه مئات الأبرياء ، لكن قناة (العربية) التي تستوحي رؤيتها للأحداث من رؤية إدارتها (غير الراشدة) ، كتبت في شريطها الإخباري عبارات مثل : "مكافحة الإرهاب : غارات أميركية على عناصر للقاعدة في الصومال" ، و "مكافحة الإرهاب : هجوم على قاعدة للقوات الإثيوبية في مقديشو" 8 كانون الثاني / يناير 2007

في شهر أيار (مايو) 2007 ، بثت (العربية) برنامجا (وثائقيا) من إنتاجها عن المحاكم الإسلامية الصومالية صورت مشاهده وكتبت تعليقاته ليلبس المحاكم تهمة الإرهاب ، ويربطها تعسفا بالقاعدة وطالبان . يعني طرح برنامج وثائقي أن يكون غير منحاز ، وأن يتناول الظاهرة موضع النقاش من جوانبها كافة ، وأن يبتعد قدر الإمكان عن إبداء الرأي أو إصدار الأحكام ، وأن يسمي الأشياء بأسمائها بعيدا عن الهوى والتحيز ، لكن كل ذلك غاب في (وثائقي) العربية ، الذي اختتم بالقول إن (التدخل) الإثيوبي المدعوم أميركيا يثبت أنه لم يعد للإرهاب مكان في عالم اليوم (هكذا) . ونشرت القناة بعد عرض البرنامج أسماء القائمين عليه ، كان منهم بالطبع (المشرف العام) عبد الرحمن الراشد . (ما زالت القناة وموقعها يصران على إطلاق صفة (الوجود الإثيوبي) على القوات الإثيويبة الغازية

في شهر نيسان (أبريل) من العام نفسه ، بثت القناة (وثائقيا) آخر أنفقت عليه ملايين الدولارات ، عن حياة الرئيس التونسي الراحل الحبيب أبو رقيبة ، سمته (زمن بورقيبة) . كان البرنامج الذي أشرف عليه الراشد أيضا سمجا ومبالغا في تمجيد بورقيبة ، وسبق بث حلقاته الثلاثة إعلانات تصور الزعيم التونسي بوصفه رسول الحداثة للشعب التونسي ، قائلة إنه "حرر المرأة ، وأهدى شعبه التطور" . وفي ثنايا البرنامج يظهر بورقيبة في لقطات قديمة (يبدو أنها في أواخر الخمسينيات أو أوائل الستينيات) وهو يلتقي بنساء تونسيات يرتدين الحجاب التونسي التقليدي ، فيعانق ويقبل كل واحدة ، ثم يرمي عنها حجابها ، ويواكب هذا تعليق معلق البرنامج عن (التطور) و(التحرير) . ويمجد البرنامج قانون الأحوال الشخصية الذي سنه بورقيبة ، والذي تم بموجبه حظر تعدد الزوجات في تونس . وبعد انتهاء الحلقات الثلاث للبرنامج ، خصصت مذيعة القناة ميسون عزام حلقة من برنامجها (مشاهد وآراء) لمناقشة ما تم عرضه في (الوثائقي) الخطير ، مستضيفة ثلاث شخصيات موالية لنهج بورقيبة ، أبرزها محمد مزالي رئيس وزراء تونس إبان الحقبة البورقيبية ، واحتوى البرنامج الحواري ذو الطيف الواحد على تمجيد نظام بورقيبة (وواقعيته) في نظرته (للسلام) بين العرب وإسرائيل ، كما أشادت عزام بمواقفه التي انتصر فيها لقضية المرأة كما زعمت

وتقدم القناة برنامجا حواريا أسبوعيا تسميه (صناعة الموت) ، لا يتحدث بالطبع عن آلة القتل الأميركية والإسرائيلية ، بل صناعة الموت المرتبطة بنا نحن ، والمنسوبة إلينا نحن ، والتي يريد الغرب وإسرائيل ربطها بأسمائنا وألواننا وجلودنا ، وإلصاقها بثقافتنا بوصفها (المفرخة) الوحيدة للقتل والعدمية والانتحار . تقدم البرنامج مذيعة تعاني من مشكلات في النطق ، إضافة إلى لحنها المتكرر في اللغة ، هي ريما صالحة ، ويبدو أنها تتلقى توجيهات مكثفة من رئيسها عبد الرحمن الراشد في اختيار الموضوعات والضيوف . لم يكن تركيز البرنامج على نقد ظاهرة التطرف الديني في العالم العربي والإسلامي وتحليلها ، بل سعى إلى خلط الأوراق ، ووصم حركات المقاومة للاحتلال الأجنبي بالإرهاب . من ذلك مثلا حلقة (ثقافة الانتحار) التي لم تفرق بين عمليات المقاومة الاستشهادية وعمليات إجرامية وعبثية (27 نيسان/ أبريل 2007) ، وقد نشر موقع القناة في سياق عرضه للحلقة عنوانا فرعيا يقول : "إذا جرى تسييس الموت فهو إرهاب" . وهكذا هم يستطيعون تسييس كل شيء ، لكنهم يحاولون منعنا من تسييس أي شيء حتى الموت

(العربية) طبعا كشقيقتها (الشرق الأوسط) ، تصف ضحايا العدوان الإسرائيلي (بالقتلى) ، وترفض إطلاق صفة (الشهداء) عليهم . في العاشر من نيسان (أبريل) 2007 حدثت ثلاثة تفجيرات في الدار البيضاء في المغرب ، وكان من الضحايا جندي مغربي وصفته (العربية) بالشهيد . كان الراشد قد صرح في الحوار الذي أجراه عبد العزيز قاسم بجريدة المدينة السعودية أنه لا يستطيع إطلاق وصف الشهيد على الفلسطيني الذي يقتله الإسرائيلي؛ لأن هذا الوصف "حق رباني" كما قال . وأضاف : "عندما "يقتل إرهابي بريئًا أو مجاهدًا سواء في السعودية أو مصر أو اليمن أو المغرب أو غيرها ، نقول عنه قتيل . فلماذا نُسمّيه في لبنان أو فلسطين شهيدًا ؟ مَن منّا له الحق أن يمنح الشهادة أو يمنعها ؟ نحن أهل صحافة فقط" (3 تشرين الثاني/ نوفمبر 2006) . لكن الراشد يصف ضحايا (ثقافة الموت) في المغرب وغيره بالشهداء ، منتزعا (الحق الرباني) لنفسه

دافع الراشد أثناء اللقاء عن وصفه العدوان الإسرائيلي على لبنان (بالهجوم) وهي نقطة سوداء في بحر انحياز الراشد وقناته للأجندة الصهيونية والأميركية (استقى قاسم هذه الملحوظة التي واجه بها الراشد من مقال سجلت فيه نقدا منهجيا وأخلاقيا لخطاب القناة إبان العدوان على لبنان ، وأورد اسمي في سياق سؤال الرجل عن الأمر ، فغضب ووصفني بأني مريض نفسيا) . حاول الراشد أن يبرر استخدام (الهجوم) بدل العدوان ، فلجأ إلى حيلة الموضوعية التي يدعي وصلا بها . قال : "في مهنة الإعلام يجب أن يكون الخبر محايدًا والرأي منحازًا . (العربية) مهنية أعطتكم بالفعل خبرًا محايدًا ورأيًا منحازًا . نقول للمشاهدين إن هناك هجومًا إسرائيليًا على قانا ، تسبب في مقتل سبعين طفلاً . الأمر واضح ، ولا يحتاج منا أن نقول هذا الإسرائيلي مجرم إلاَّ إذا كان المشاهد قاصرًا عقليًا ، أو صينيًا لا يفهم المنطقة . أعطيتك معلومة دامغة ، وأوصلتك إلى نتيجة مؤكدة لهذا الهجوم" . لكن من قال إن الرأي يجب أن يكون منحازا ؟ ثم من قال إن كلمة (هجوم) محايدة وليست منحازة . عندما تقدم الخمرة للجمهور العربي بوصفها (كحولا) أو (مشروبا روحيا) أو عندما يوصف الزنا بأنه مجرد (ممارسة للجنس) ، أو عندما يقدم الشواذ واللوطيون بوصفهم (مثليين) كما تفعل قناة العربية وموقعها ، فهذا انحياز في أبشع صوره ، وليس موضوعية ولا حيادا . الموضوعية هي أن نسمي الأشياء بأسمائها ، فالوصف الطبيعي لما جرى في لبنان هو (عدوان) ، بل (حرب إبادة) منظمة للبشر والحجر ، والعدول عن ذلك الوصف إلى مصطلح (ألطف) هو ضلوع مع المعتدي ، ومحاولة لتجميله وتخفيف اللوم عنه . إن إطلاق صفة (هجوم) على ما فعلته إسرائيل في لبنان هو أغرب وصف لحرب عدوانية شرسة في التاريخ . فالهجوم عادة يطلق على عمل فردي يتيم ومعزول ، ولكن حربا شاملة جوية وبرية وبحرية يقتل فيها جيش أجنبي عمدا المدنيين في بلد آخر قتلا وحشيا بالمئات ، ويهجرهم بمئات الآلاف ، ويدمر خلالها بلادهم تدميرا منهجيا لا يمكن وصفها بهجوم

عندما اشتدت وحشية الغارات الإسرائيلية وطال أمد الحرب غيرت القناة وصف (الهجوم) إلى (العدوان الإسرائيلي على لبنان) لبضع ساعات فقط ، ثم خففته وسمته (الاعتداء الإسرائيلي على لبنان) لساعات قليلة أيضا ، لكنها عادت بعد ذلك إلى الوصف الذي اختارته أو اختير لها ، وهو (الهجوم الإسرائيلي على لبنان) . لقد كان ذلك فضيحة أخلاقية وإعلامية مكتملة الأركان ، وسيذكر التاريخ أن قناة (العربية) ضالعة في تشويه الحقيقة التي تزعم أنها الأقرب إليها


تستخدم القناة العبارة الدعائية الأميركية (الحرب على الإرهاب) بوصفها مسلّمة ، وتستعير التوصيف الأميركي الإيديولوجي للأحداث دون تمحيص أو تدقيق . وإذا كانت عبارة (الحرب على الإرهاب) نوعا من الموضوعية لا التبعية والعمالة ، ومن باب تسمية الأشياء والظواهر بأسمائها ، كما قد يحاجج الراشد ، فلماذا لا يوصف الإرهاب الصهيوني في لبنان وفلسطين بالعدوان والإرهاب ؟ إن التوصيف الطبيعي لممارسات إسرائيل في لبنان وفلسطين هو (العدوان) و(الإرهاب) على اعتبار أن الإرهاب يعني في المفهوم الدولي قتل المدنيين عمدا من أجل تحقيق أهداف سياسية . بل إن إسرائيل ، بحسب التعريف الإسرائيلي نفسه ، تعتبر صانعة الإرهاب الأولى بامتياز . يقول رئيس وزراء إسرائيل الأسبق بنيامين نتنياهو إن الإرهاب هو "قتل المدنيين وتشويههم عمدا بقصد إثارة الرعب" ، وبذلك تكون الدولة الصهيونية دولة إرهاب فريدة لأنها منذ ميلاد مشروعها قامت على أساس تدمير المجتمع الفلسطيني ، من خلال ممارسة العنف ضد المدنيين ، وكان المدنيون محور جرائمها من القتل إلى النفي إلى الاعتقال . لكن (العربية) دأبت على تسمية غارات إسرائيل الوحشية على الضفة الغربية وقطاع غزة بأنها "عمليات" ، وأن الجيش الإسرائيلي يمارس هناك "عملياته العسكرية" ، وربما وصفتها (بالتصعيد) ، وقد يكون من حق أي إنسان أن (يصعّد) ، ولكن ليس من حقه العدوان والفتك بالأبرياء

يبدو تأثير الراشد كبيرا في صياغة مصطلحات ومفردات جديدة في خطاب القناة تماهيا مع المصالح الأميركية والإسرائيلية . الصحافة العالمية مثلا تصف الوضع في إقليم دارفور السوداني بأنه صراع بين متمردين والحكومة السودانية ، لكن (العربية) وحدها أطلقت على المتمردين وصف (المعارضة) . وفيما يتعلق بالعراق ، فإن القناة تتبنى خطاب الحكومة العراقية التي صنعها الاحتلال الأميركي على عينه ، وتبث مفرداته حول (الإرهابيين) و(التكفيريين) و(الصداميين) ، وتصور كل ما يجري من مقاومة في العراق بأنه قتال بين (القاعدة) والاحتلال ، مع أن هناك حركات مقاومة كثيرة لا علاقة لها بالقاعدة ، وربما تتناقض معها في إيديولوجيتها وأسلوبها . كما تنشر القناة إعلانات عراقية رسمية ذات نفس طائفي أحيانا ، وتتناول الأحداث في العراق من منظور طائفي غالبا ، مستضيفة الرموز الشيعية والموالية لإيران ، ومستبعدة رموز أهل السنة كأعضاء هيئة علماء المسلمين وغيرهم ، الذين قلما يظهرون على شاشة القناة . أما مراسل القناة في بغداد فهو شيعي ، واسمه ماجد حميد

عندما دمرت مئذنتا مرقد الإمامين العسكريين في سامراء في 13 من حزيران / يونيو 2007 تناولت القناة الحدث باهتمام ، بينما تجاهلت موجة العنف التي تلت التفجير وكان ضحاياها من أهل السنة . تطلق القناة صفة (الشيعي) على أي مسجد للشيعة تتم مهاجمته ، بينما تسقط وصف (السني) عن مساجد السنة التي تتعرض للهجوم . في أعقاب تفجير المئذنتين ذكرت القناة أن تفجيرا حدث قرب مسجد الخلاني الشيعي (لاحظ قربه ، وليس في المسجد ذاته ، واستخدمت القناة صفة الشيعي لتوحي بأن الشيعة هم الضحايا) . ولما فجرت الميليشيات الشيعية مسجد طلحة بن عبيد الله (رضي الله عنه) في البصرة ، وسوته بالأرض في 15 من حزيران (يونيو) ، تجاهلت القناة الحدث في نشراتها ، واكتفت بالإشارة إليه في شريطها الإخباري ، وأغفلت الهوية السنية للمسجد ، بل حذفت كلمة (مسجد) برمتها ، واقتصرت على ذكر (مرقد) . وحتى اسم الصحابي الجليل حرفته القناة فأصبح (طلحة بن عبد الله) . وفي اليوم الذي تلا تفجير مسجد طلحة فجرت الميليشيات مسجد العشرة المبشرة في البصرة ، واختارت العربية أن تتجاهل الحدث ، لكنها ظلت تذكر في كل نشراتها بحادثة تفجير مئذنتي سامراء

الحديث عن تحامل قناة العربية وتواطئها مع الأجندة الأميركية والإسرائيلية لا ينتهي . من أطرف ما بثته القناة مثلا عن الأوضاع في العراق نقلها تصريحا للرئيس اليمني علي عبد الله صالح ، ألقى فيه باللوم على الاحتلال الأميركي ، لكن مذيعة القناة استدركت على الرئيس صالح بقولها : "ما وصفه بالاحتلال" (17 كانون الثاني / يناير 2007) . وبعد إيقاف السلطات المغربية عددا من أئمة المساجد ، نشرت القناة على صدر شاشتها عبارة : "الرباط : إيقاف أئمة لنشرهم أفكارا متطرفة" ، هكذا دون أدنى حد من معايير الموضوعية ، التي تتطلب على الأقل وضع كلمة (متطرفة) بين قوسي تنصيص (21 كانون الثاني / يناير 2007) . وعشية فوز جماعة الإخوان المسلمين في مصر في انتخابات عام 2006 ، تحدث مستشار القناة عبد الرحيم علي عن تبعات هذا الفوز ودلالاته ، قائلا بتحيز يبعث على الضحك : "أنا على المستوى الشخصي غير سعيد بهذا الفوز" . ثم لما جرت بعض الاعتقالات في صفوف الإخوان كتبت القناة على صدر شاشتها : "هل نفد صبر مبارك تجاه الإخوان ؟ " 14 كانون الثاني / يناير 2007

غير أن أبرز ما يؤكد وقوف القناة ضد مصالح الشعوب العربية وقيمها وثقافتها هو تماهيها مع الخطاب الصهيوني ، فلم تسقط وصف (الشهداء) عن الضحايا الفلسطينيين فحسب ، بل أسقطت صفة (الاحتلال) عن الجيش الإسرائيلي ، وهي التي يعرف بها دوليا ، وسمته (الجيش الإسرائيلي) أو (القوات الإسرائيلية) أو (قوات الأمن) ، ويمكن ملاحظة هذا في نشرات الأخبار أو الشريط الإخباري (معنى هذا أنه حتى أراضي 1967 هي أراض غير محتلة في نظر قناة العربية) . كما شرعت القناة مؤخرا في وصف المقاومين الفلسطينيين (بالمسلحين) ، ووصف القتلى الإسرائيليين (بالضحايا) ، وهما مصطلحان جديدان أزعم أن (العربية) لم تسبق إليهما عربيا (ربما وصفت المقاومين أحيانا بالناشطين ، وهو تعبير له مدلول سياسي أو إنساني ولا علاقة واضحة له بالعمل العسكري ، كل ذلك لتتفادى القناة مفردات المقاومة) . ومن يدري ، ربما نصحو يوما على سماع عبارة (الشهداء الإسرائيليين) من أفواه مذيعات القناة "الأقرب إلى الحقيقة" . في إطار تناولها عمليات المداهمة والتوغل في









Home Page
كتب ممنوعة
اراء حرة
صورة وتعليق
اخبار طازة
برقيات عاجلة
شروط النشر
فضائح وفضائح
خبر وتعليق
سري جدا
لصوص ظرفاء
رسائل القراء
من ارشيفنا
هذا الرجل
هذه المرأة
كتاب البورتل
كاتب وكتاب
قصائد ممنوعة
 مقالات  مميزة
كتب للبيع
ارشيف الاخبار
قصائد المقدسي
صحف عربية
الافتتاحيات
مقالات ساخنة
صبرا وشاتيلا
أسامة فوزي
ملفات الفساد
 مقالات الاولى
الكتب السعودية