عندما كدت اصبح مدرسا للزرقاوي في مدرسة الامير طلال الابتدائية في مدينة الزرقاء الاردنية ... من اوراق د. أسامة فوزي


August 26 2016 01:49

أوراق من مفكرة مواطن اردني سابق
صور
من التاريخ الوجداني ( الانساني والثقافي والجغرافي ) للاردنيين
 في عمان والزرقاء
يكتبها : د. أسامة فوزي

الورقة الثانية
عندما كدت اصبح مدرسا للزرقاوي في مدرسة الامير طلال الابتدائية

اعلاه .. صورة لزميلي في قسم اللغة العربية في الجامعة الاردنية فيصل جبريل الذي يعرفه الاردنيون الان باسم الفريق  فيصل الشوبكي ( رئيس المخابرات )    فقد التحق فيصل بالجامعة بعدي بسنة اي عام 1970 وتخرج بعدي بسنة اي عام 1974 والصورة اعلاه له في ثوب التخرج من قسم اللغة العربية وبعد تخرجه درس فيصل دبلوم تربية ولكن بدل ان يعمل مثلي مدرسا التحق بجهاز المخابرات كضابط وترقى حتى اصبح الان برتبة فريق يرأس جهاز المخابرات وفيصل اسمه الكامل فيصل جبريل حسن  مسلم الطورة وهو  من مدينة  الشوبك ولا ادري لماذا اضاف اسم ( الشوبكي ) في اخر اسمه فهو من عشيرة الطورة وليس من الشوابكة او الشوبكي وان كان  والده من مواليد مدينة الشوبك

قلت في حلقة سابقة ان صديقي ( المواطن الاردني السابق )  اقترح علي ان اكتب عن مدينة الزرقاء وعن مدينة عمان وعن الجامعة الاردنية مقالات ذات طابع تاريخي او توثيقي يسرد معلومات قد تبدو للكثيرين غير مهمة في حين انها في مجموعها قد تشكل العقل الجمعي لكل من ولد في المدينة او عاش فيها ... كتابة تسجيلية لم يسبقني اليها احد لان الكتابة التفصيلية عن العشائر والاسماء والعادات والتقاليد والسياسيين في الاردن مخاطرة لا يمكن ان يرتكبها من يعيش في الاردن دون ان يتعرض الى ملاحقات امنية وعشائرية قد يدفع حياته ثمنا لها ... ويبدو ان تجربة صديقي سلطان الحطاب في كتابه عن مدينة عمان كانت ماثلة امام صديقنا الثالث بخاصة وان ابنة شيخ عشيرة اردنية طالبت بمصادرة كتابه من الاسواق وهددت بملاحقته عشائريا بسبب سطرين وردا في الكتاب عن عشيرتها .. فما بالك لو كان الكتاب كله عن العشائر .. وما اكثرها

وسلطان الحطاب .. كان زميلا لي في الكلية وكنا اصدقاء .. وتخرجنا من الجامعة في سنة واحدة ( عام 1973) وبعدنا بعام تخرج من الكلية نفسها والقسم نفسه ( قسم اللغة العربية ) صلاح جرار الذي
اصبح وزيرا للثقافة .. و فيصل جبريل حسن ( رئيس المخابرات الاردنية  ) الذي يعرفه الاردنيون الان باسم فيصل الشوبكي  ....  سافرت  - بعد التخرج - انا وسلطان الحطاب والشاعر محمد القيسي والشاعر محمد سمحان وابراهيم الستيتي وعبد الكريم المنجد وفتحي محمود ونزار اللبدي و   الى بيروت للتعاقد مع السفارةالليبية للعمل كمدرسين في ليبيا فنجح  سلطان والمنجد ومحمد سمحان  في التعاقد فعلا وطاروا الى ليبيا  بينما عدت ادراجي الى الزرقاء بعد ان اشتبكت مع مسئول في السفارة الليبية بالايدي لانه ( طعج ) شهادتي الجامعية ( الكرتونة ) وختم على ظهرها باختام اتلفتها

 سلطان الحطاب الذي عاد بعد عامين من ليبيا بتجربة مريرة وقاسية صعد نجمه في الاردن سريعا وزعم عبد الحي المجالي عندما التقيت به في هيوستون في مطلع التسعينات وكان بصحبه اخوته عبد السلام وعبد الوهاب وعبد الهادي انه هو الذي ادخل سلطان الى عالم الصحافة من خلال تعيينه في جريدة الشعب .. سلطان اصبح بعد ذلك المستشار الاعلامي للملك حسين  وكاتب خطابات الملك ( الصورة هنا لسلطان في حديقة منزلنا في معسكر الجيش في الزرقاء ويعود تاريخ الصورة الى عام 1971) وكنا يومها لا زلنا على مقاعد الدراسة في الجامعة الاردنية

نزولا عند اقتراح صديق ( المواطن الاردني السابق ) قررت الكتابة عن مدينة الزرقاء في الاردن بشكل خاص وعن عمان والجامعة الاردنية بشكل  عام سلسلة مقالات هي اقرب الى ادب المذكرات الشخصية او الاخوانية مع تجميع كامل لمعلومات قد تكون غابت عن جيلي ومن المؤكد انها غير معروفة لمن ولد بعدنا في المدينة وعاش فيها ... وزاد من رغبتي في الكتابة عوامل اخرى  منها

اولا : انا فلسطيني ولست اردنيا مع اني من مواليد هذه المدينة وقد غادرتها وانا ابن 25 سنة مما يعني اني قضيت فيها سنوات الطفولة والمراهقة والشباب بحكم اقامة والدي فيها منذ عام 1940 اثناء عمله في ( قوة الحدود ) وقبل وجود كيان اردني باسم المملكة الاردنية .... وعاد والدي الى الزرقاء بعد حرب عام 1948 واقام وعمل فيها وكنت انا اول مولود له بعد الحرب ... نحن اسرة كبيرة تتكون من 13 ولدا اربعة من اخواني ولدوا قبلي في ( ترشيحا ) في الجليل والباقي وانا منهم ولدوا في الزرقاء وتحديدا في معسكر الزرقاء الذي سكنا فيه  اولا في بيت للجنود ثم في بيت للضباط والمسافة بين البيتين لا تزيد عن مائة متر ... وقد عملت  في الزرقاء بعد تخرجي من الجامعة الاردنية لمدة عامين وبالتالي فان مذكراتي عن هذه المدينة بكل تفصيلاتها هي نوع من ادب المذكرات المخلوط بالاعترافات الشخصية ... هو نوع من التاريخ للمدينة من خلال تجربة كاتب ولد وعاش فيها ووفقا لما اعلمه فان احدا من الكتاب الذين ولدوا او عاشوا في المدينة لم يكتب عنها من قبل

حتى الملك عبدالله الثاني الذي عاش في معسكر الزرقاء قائدا لكتيبة سنة كاملة لم يذكر الزرقاء في كتابه ( فرصتنا الاخيرة ) الا في صفحة ونصف  ( صفحة رقم 94 ) ذكر فيها ان الزرقاء كانت بلا مطاعم وان هواء المدينة ملوث برائحة كبريتية مؤذية بسبب غازات مصفاة النفط وبالتالي لم يكن جلالته  ( يتعشى )  الا في مطاعم ومتنزهات الرصيفة .. وهذا ليس صحيحا .. فالزرقاء - اينعم كانت ذات رائحة كريهة ومؤذية - الا انها  كانت تغص بالمطاعم ولكنها لم تكن تقدم المشروبات الكحولية للزبائن لذا اختار ( الامير ) الرصيفة لان منتزهات الرصيفة لم تكن تقدم لزبائنها اصلا الا الخمور وتحديدا عرق حداد .. وكره ( عبدالله ) لمدينة الزرقاء ومعسكرها هو  - فيما يبدو - الذي دفعه الى تجريف معسكر الزرقاء بالكامل وبيعه للامير خالد بن سلطان  انتقاما من سنة كاملة قضاها في المعسكر وهو يشم رائحة كبريتية مؤذية فضلا عن صراع وخلاف دائم  مع ضباط الجيش الذين كانوا يوجهون اهانات اليه والى سريته كما ذكر في كتابه .. فانتقم - الملك - بعد ان اصبح ملكا من المدينة كلها .. ردم معسكرها .. وحول احياء الزرقاء الى مستنقعات من المزابل والمياه الراكدة حتى اصبحت الزرقاء كما تقول الصحف الاردنية مكبا كبيرا للزبالة

ثانيا : هذه المدينة اصبحت – هنا وفي وسائل الاعلام الامريكية – اشهر من العاصمة الاردنية عمان بخاصة وان الارهابي ابو مصعب ( احمد فضيل الخلايلة ) لقب بابي مصعب الزرقاوي وقد نسبوه الى المدينة رغم انه ليس من مواليدها ولم يكن من سكانها .. هو من قرية بدوية قريبة من الزرقاء .. والزرقاوي هو الاب الشرعي لداعش

 وفي الزرقاء التقى الزرقاوي بالبرقاوي .. وكلا الرجلين الان من الاسماء اللامعة في العالم مع ان الاول لم يكمل تعليمه الثانوي وعمل في بلدية الزرقاء ( سواقا ) ولو لم يطرد من عمله كسواق في البلدية لما سافر الى افغانستان للجهاد و لما كان هناك ( داعش ) الان ... البطالة دفعته الى السفر الى افغانستان للعمل كسائق مع المجاهدين من جماعة بن لادن يوم كانت المرتبات بالدولار و عندما كانت دول الخليج تغدق عليهم الملايين بمباركة امريكية ... وعاد الزرقاوي من افغانستان بطلا ومناضلا ومجاهدا  بل ومفتيا رغم انه بالكاد يحسن فك الخط وجمعته سجون الاردن بالبرقاوي ليصنع الاثنان فكرا جهاديا تمخض عنه تنظيم داعش

عندما تكرمت عليّ المخابرات الاردنية عام 1973 بشهادة "حسن سلوك" تسمح لي بالعمل في وزارة التربية كمدرس ( بعد افتتاحي لمطعم عفوا الذي اثار ضجة وسخرية في الاردن انذاك وسأعود لاروي حكايته في مكان اخر ) افرزتني الوزارة للعمل في مدرسة ابتدائية اسمها "مدرسة ابو الفول" وكانت تسمى ايضاً مدرسة "حي الشيوخ"....ولكن اسمها  الرسمي في ملفات الوزارة وفي كتاب تعييني هو ( الليث بن سعد ) وهي تقع في حي فقير من احياء مدينة الزرقاء المتطرفة اسمه حي معصوم وكنت مدرسا  فيها لمادة اللغة العربية للصف الثاني الابتدائي... ( الى جانب زميلين هما محمد شفيق يونس وسالم ابو نويرة ) وقد خيرت يومها بين هذه المدرسة وبين مدرسة مجاورة اسمها مدرسة الامير طلال فاخترت الليث بن سعد لاني وجدتها اقرب - مشيا على الاقدام - الى اقرب وسيلة نقل ويبدو ان هذا كان من حظي ومن ضربات القدر ايضا ... لاني لو قبلت العرض وعملت في عام 1973 في مدرسة الامير طلال في حي معصوم لكان احد تلامذتي في الصف الثاني الابتدائي في تلك المدرسة الطالب احمد فضيل نزال الخلايلة الذي عرف فيما بعد باسم ابو مصعب الزرقاوي .. اي والله ابو مصعب كان عام 1973 في الصف الثاني الابتدائي في مدرسة الامير طلال في حي معصوم في مدينة الزرقاء ومع ذلك فان عددا من طلابي الذين يظهرون هنا في الصورة التي التقطت لهم في طابور الصباح عام 1974 كانوا اكثر نزقا من الزرقاوي واخص بالذكر الولد الذي يقف في راس الطابور وينظر الى المصور .. هذا الولد اسمه عويد معيوف وهو - كان - مشروعا زرقاويا بامتياز وظروفه الحياتية انذاك كانت تشبه ظروف احمد فضيل

كانت مدرسة الليث بن سعد ( ابو الفول ) تقع على مقربة من " مزبلة " في اطراف مدينة الزرقاء على مشارف مصفاة البترول ومنطقة كانت تعرف انذاك باسم حي الكسارات نسبة الى شركة كانت تقوم بتكسير حجارة البناء من الجبال الصخرية المجاورة.... كانت المدرسة عبارة عن منزل شعبي من خمس غرف تم تحويله الى مدرسة ابتدائية لخدمة ابناء البدو وصغار موظفي الدولة في واحد من افقر احياء مدينة الزرقاء وهو حي معصوم .... وكنت اضطر - حتى اصل الى المدرسة - الى التنقل بين اربع وسائل مواصلات من بينها (حمار) لان المدرسة كانت تقع على رأس تلة غير معبدة .... وكان راتبي عن هذا العمل هو 31 ديناراً  وسبعة وثلاثون قرشا ونصف في الشهر كنت اضطر الى السفر شهرياً الى مدينة " مادبا " قرب عمان لاستلامه من بنك الاردن في المدينة .... ولا زلت اجهل سبب هذا الاجراء الاداري العجيب وسبب عدم تحويل مرتبي الى بنك الاردن في مدينة الزرقاء مثلاً

 والطريف ان الوزارة كانت تعتبرني متغيباً في نهاية كل شهر بسبب اضطراري السفر الى مادبا لاستلام الراتب .... وكان هذا هو اول موضوع ناقشته مع الدكتور اسحق الفرحان بعد ذلك بسنوات

كان الدكتور "معزوماً" على دبي للاشتراك في مؤتمر لادارة المناهج التي كنت رئيساً للاعلام فيها ... وقد كلفت يومها باستقبال الدكتور في المطار .... وفي طريقنا الى الفندق رويت له حكاية "مدرسة ابو الفول" وبنك الاردن في مادبا باعتباره كان - آنذاك- وزيراً للتربية في الاردن وسألته عن تفسير لهذا اللغز ... لغز ان تعين الوزارة موظفاً في مدينة وتحول مرتبه الى مدينة اخرى في الطرف الاخر من المملكة فسخسخ الدكتور من الضحك وقال ( اجلكم الله تياسة)!!

بعد ثلاثة اعوام من عملي في مدرسة "ابو الفول" التي لم تكن تتسع لاكثر من مائة طفل ومع ذلك حشرتها الوزارة باكثر من خمسمائة كانت تخدمهم 3 حمامات (مشخات) لا ابواب لها .... وحنفية ماء واحدة ... وسبعة مدرسين - انا واحد منهم- كان الواحد فيهم "يطس" 33 حصة في الاسبوع بمعدل 7 حصص يومياً....  قررت الهرب من الاردن ... كنت اظن دائما ان المعاناة في الاردن مقصورة على ابناء المخيمات من الفلسطينيين فأذا بي اكتشف عائلات اردنية تعيش تحت حزام الفقر على اطراف المدينة

 بل واكتشفت ان مستوى التعليم الذي يتلقاه الفلسطينيون في مخيماتهم من خلال مدارس وكالة الغوث افضل مليون مرة من التعليم الذي يتلقاه الفقراء من ابناء الاردن في مدارس لا تصلح لان تكون زرائب للحيوانات مثل مدرسة " أبو الفول " ومثل المدرسة التي تعلم فيها الزرقاوي ( مدرسة الامير طلال ) ولا زلت اذكر انعكاسات الوضع المزري على الطلبة الفقراء وذويهم ولا ابالغ حين اقول ان كل طالب من هؤلاء الطلبة كان مشروعا لزرقاوي اخر .. واخص بالذكر ولدا صغيرا من تلاميذي اسمه ( عويد معيوف ) كان دائما على خصومة مع والده وكنت دائما اقول لزملائي المدرسين ان هذا الولد مشروع قنبلة سوف تنفجر بوجه والده وربما في وجوه الجميع ... تماما مثل ابو مصعب الذي لم يكمل تعليمه المدرسي ( خرج من الصف الثاني الثانوي بعد خلاف مع والده ) وعمل اجيرا في بلدية الزرقاء ثم ذهب الى افغانستان - بعد خلاف مع والده ايضا - للجهاد واصبح منظرا للقاعدة وزعيما لها ( الصورة التقطت في مدرسة الليث بن سعد  ( ابو الفول )  في عام 1974  ويظهر في الصورة زميلان  لي هما عبد الكريم المومني ومحمد الخطيب ) ... عملي في ( ابو الفول ) قربني كثيرا من الشعب الاردني ( الشرق اردني ) واصبحت ادخل في حوارات مع اصدقاء فلسطينيين دفاعا عن الاردنيين كلما كان موضوع ( اردني فلسطيني ) مطروحا لاني خبرت بنفسي ما عاناه ويعانيه فقراء الاردن من النظام .. والشعب الاردني طيب بطبعه وكريم بطبعه ونشمي بطبعه ولكن النظام الهامشي خرب القيم والاخلاق وخردق المجتمع وشق العشائر وكون دويلة يديرها مسئولون ( لمهم ) الملك من حثالة الشعبين الاردني والفلسطيني

اقول ... بعد ثلاثة اعوام من هذا العمل الشاق قررت ترك الوظيفة واكتشفت اني لم اكن املك الخيار تماماً كما لم اكن املكه حين عملت فيها .... فالاستقالة " حق" لا حق لي ان امارسه وانقطاعي عن العمل دون استقالة سيعرضني الى السجن والى توزيع اسمي على نقاط الحدود والمطارات

يومها زرت مبنى التلفزيون الاردني لبيع نسخ من كتابي "آراء نقدية" لمكتبته والتقيت بمدير التلفزيون الاداري فاروق الزعبي الذي كان قد قرأ الكتاب واعجب به كما عرض علي العمل في التلفزيون كمعد للبرامج الثقافية ولما قلت له ان هذا يتطلب مني العودة الى جهاز المخابرات للحصول على "حسن سلوك" والجهاز - قطعاً- لن يمنحني هذه الشهادة لان مطعم عفواً لم يعد مفتوحاً .... ضحك الرجل بخاصة بعد ان رويت له حكاية المطعم ووعد ان يتوسط لي للحصول على هذه الشهادة .... لكني لم اضيع وقتي في المحاولة وقمت على الفور بالبحث عن وسيلة للهرب من الوظيفة ومن المملكة التي قررت - فيما يبدو- حبسي - مؤبد - في مدرسة (ابو الفول) فتقدمت بطلب اجازة

كانت الاجازات ممنوعة ايضاً لكن تصادف ان مدير المنطقة التعليمية كان (مرضي القطامين) وهو من اقارب او اصدقاء الشاعر الاردني تيسير سبول وكان كتابي (آراء نقدية) يتناول حكاية انتحار الشاعر واسبابها وعواملها .... كان مرضي القطامين قد قرأ الكتاب واعجب به ويبدو انه فوجىء حين علم ان المؤلف يشغل وظيفة مدرس في مدرسة ابتدائية حقيرة قرب مزبلة المدينة فبعث الي بسيارته الخاصة وطلبني من مدير المدرسة الذي اغمي عليه من الخوف ظناً منه اني ارتكبت واحدة من الكبائر والا ما معنى ان يطلبني مدير المنطقة التعليمية بالاسم بل ويبعث الي بسيارته وسائقه .... ولم اكن اقل دهشة من الناظر لاني لم اكن يومها اعلم بوجود علاقة بين مدير المنطقة والشاعر الذي كتبت عنه .... وبعد تبادل التحيات في مكتبه ودردشة سريعة عما ورد في الكتاب عرض علي مرضي القطامين ان ينقلني الى العمل في ثانوية الزرقاء اكبر مدرسة في المدينة فاعتذرت وطلبت منه - ان اراد المساعدة- ان يقبل استقالتي من العمل او ان يمنحني اجازة بدون مرتب لمدة اسبوع وقلت له صراحة اني افكر بالهرب من المملكة والاجازة ستسمح لي بالسفر عبر نقاط الحدود ... فاعتذر عن تلبية الطلب الاول لان الاستقالات ممنوعة بقرار من مجلس الوزراء وسلمني الاجازة ورجاني الا اذكر امام الاخرين اني صارحته بنيتي في الهرب .... وهذا ما كان .. وهذه اول مرة اعترف واقر بهذا .. والقطامين الان في ذمة الله  وخلال اسبوع ( وكان ذلك عام 1975 ) كنت على رأس عملي في جريدة (الوحدة) الاماراتية في ابو ظبي كمدير تحرير مجلة "الظفرة" التي تصدر عنها

عدت الى الاردن في زيارة عادية (نهاية عام 1976) وكانت تلك آخر زيارة لي .... وقد قمت بها (رغم انفي) مجازفاً باعتقالي لان اسمي (كموظف هارب من الوظيفة) كان مدرجاً في قوائم الوصول على نقاط الحدود ... لكن خمسة دنانير وبطانية حلت المشكلة مع موظف الجوازات على نقطة الحدود الاردنية مع العراق ... ومن يومها لم اذهب الى الاردن .. وقد علمت ان المدن والبشر قد تغيرا وان مدينة الزرقاء التي ولدت فيها لم تعد المدينة التي عرفتها .. فقد ردم الملك معسكرها الذي ولدت فيه .. واصبحت العشوائيات والمزابل ( مثل جبل النظيف وحي معصوم ) من الاحياء الراقية .. وامتدت المدينة - كما قيل لي - حتى وصلت الى عمان والسخنة وخو .. ويزيد عدد سكانها - كما قيل لي - عن مليون نسمة

ثالثا : وقررت الكتابة عن المدينة لاني كنت من اعمدة الحياة الادبية والثقافية فيها  في فترة السبعينات وانا الذي اسس اهم ناد ادبي فيها – واصبح الان  كما علمت من اهم اندية الاردن الثقافية – واعني به
نادي ( اسرة القلم ) ومع ذلك فقد تم وبتعليمات من المخابرات والديوان الملكي شطب اسمي تماما من ملفات النادي ومن التقارير التي تنشرها الوزارات والجمعيات عن الحياة الادبية والثقافية في المدينة وحتى عندما يتم ذكر اسماء الكتاب الذين انتموا للمدينة يتم شطب اسمي عن سبق اصرار وترصد مع اني مكتشف نصف كتاب وادباء المدينة و مع اني كنت في فترة السبعينات محور النشاط الادبي والفكري ليس فقط في الزرقاء وانما في الاردن ايضا وقامت وزارة الثقافة الاردنية بخاصة في عهد الوزيرين صلاح جرار و جريس سماوي بشطب اسمي من جميع منشورات الوزارة ومجلاتها وصحفها وحتى ارشيفها

 صلاح جرار سبق وكتبت عن حكايته معي ( انقر هنا لقراءة ما سبق وكتبته عن صلاح جرار ) .. وبالتالي يمكن فهم ردة فعله  اما جريس سماوي فانا اول من قدمه  الى الوسط الثقافي  الاردني وكان يومها ( عام 1975 )  شابا صغيرا يهوى كتابة الشعر  ولم يسمع باسمه في الاردن الا كشافة البطريركية الوطنية في عمان ... يومها جاءت المشرفة على الكشافة ( اسمى خضر ) والتي اصبحت لاحقا وزيرة للاعلام في الاردن لتطلب مني تقديم  ثلاثة شعراء شباب في امسية شعرية  تنوي البطريركية تنظيمها كان من بينهم جريس سماوي وقامت اسمى خضر بالاعلان عن الندوة في الصحف ووزعت بطاقات دعوة  (هذه صورة عنها ) وكانت تلك الندوة المرة الاولى في حياة جريس سماوي التي يرى فيها اسمه مطبوعا في جريدة  ومقرونا باسم ( الناقد المعروف ) اسامة فوزي  ولم يخطر في بالي يومها ان الولد الخجول الذي بالكاد يحسن قرض الشعر والذي سأعقب على اشعاره وساقدمه الى الوسط الثقافي الاردني في ندوة عامة سيصبح وزيرا للثقافة في الاردن  وسيبدأ عهده الزاهر في الوزارة بشطب اسمي حتى من ارشيف الوزارة  بل وقامت وزارته باصدار كتيب عن تاريخ المسرح الاردني نسخته حرفيا من كتابي ( اراء نقدية ) ولم تشر الى اسمي حتى في ذيل هامش الكتاب ... لذا قررت كتابة تاريخ الاردن على طريقتي  وبلغتي ويقيني ان الذي سأكتبه هو الذي سيعيش بين الناس وستذهب تقارير الحكومة واجهزتها  الثقافية وانجازات جريس سماوي واشكاله من وزراء اخر زمن  الى مزبلة التاريخ

قد يكون السبب الرابع لقراري بالكتابة عن الزرقاء هو الاهم ...  فالمدينة تعرضت الى عملية تجريف قام بها الملك الحالي ( عبدالله ) حين باع اهم معلم فيها ( معسكر الزرقاء ) للامير خالد بن سلطان ( سلطعون الصحراء ) والذي قام بهدم المعسكر الذي ضم ابنية اقدم من قصر رغدان  ومنازل وفيلل ( انجليزية التصميم ) كانت بيوتا للضباط وتشكل في مجموعها ضاحية تبدو  في صحراء الزرقاء وكأنها من ضواحي لندن بتصميمها واشجارها المثمرة واسوارها الحجرية ... سلطعون الزرقاء  لم يهدم حجارة وانما هدم وشطب والغى ذكريات الطفولة والشباب واخترق بجرافاته وجداننا وداس على شرفنا واحلامنا وحول - كما علمت - مرابعنا الى عمارات اسمنتية لا روح فيها

المقالات – بعد هذا – مكتوبة من الذاكرة لعدم وجود مراجع مكتوبة او مطبوعة والاردن كله دولة بلا مراجع اللهم الا ما نشره مؤرخ القصر سليمان الموسى من ( تزوير ) وبعض ما صدر من ( مذكرات ) لمسئولين ووزراء وعسكريين فصل كل واحد منهم  التاريخ الاردني على مقاسة حتى ان من يقرا مذكرات ( نذير رشيد ) رئيس المخابرات السابق سيظن ان هذا النغل هو الذي اسس  المملكة مع انه لم يكن اكثر من عسكري خان بلده يوم هرب الى سوريا  ومصر بعد مشاركته في الانقلاب العسكري الفاشل .. واعاده الملك حسين الى الاردن  ووزره واستخدمه كممسحة زفر

 ومثل ذلك اقول عن مذكرات صالح الشرع وصادق الشرع والحياري  ومعن ابو نوار وعدنان ابو عودة ... وهذا الشرموط تحديدا لعب دورا بارزا في ذبح الفلسطينيين في مجازر ايلول مع انه فلسطيني ويحاول الان ان يلعب دور المناضل الفلسطيني الوطني بعد ان مسح به الملك الجديد الارض ورماه في مزبلة التاريخ  ... كلهم كانوا ( بساطير ) في رجل الملك حسين ضرب بهم خصومه وحول بهم  المملكة الى سجن كبير ولن تجد - من جيلي - كاتبا او صحفيا واحدا  الا ودخل سجون الملك بتهم سخيفة حين كانت مخابرات احمد عبيدات تعتقل الناس على الشبهة والمزاج واحيانا على لون ( كرافتة ) المواطن فان كانت خضراء اتهم بموالة الاخوان المسلمين وان كانت حمراء لفقوا له تهمة الانتماء للحزب الشيوعي الهدام

ولا زلت اذكر ان اول سؤال وجهه الي المحقق في مقر المخابرات في نوفمبر عام 1973 وبعد تخرجي من الجامعة واستدعائي الى المقر ( فندق ابو رسول )  للنظر في امكانية منحي شهادة حسن سلوك تسمح لي بالعمل كمدرس عن السر في ارتدائي (جرزية  ) حمراء من الصوف ... يومها امضيت ساعة وانا احلف للمحقق بشرف امه ان لون الجرزية الاحمر لا علاقة له بشعار جورج حبش وتنظيمه وانما  له علاقة بمحل البالات الذي كنت اشتري منه ملابسي ... فالجرزية الحمراء كانت هي الوحيدة التي تناسب حجمي في محله ... وقد اشتريتها لانها على مقاسي و لان الدنيا  (صقعة ).. ولان الجرزية رخيصة وبنت ناس

 هذا الشرموط ( احمد عبيدات ) يلعب الان دور زعيم المعارضين في الاردن مع انه يتحمل مسئولية كل الممارسات السافلة التي قام بها جهاز المخابرات في الاردن واصبحت ارثا يتوارثه ضباط الجهاز .. ممارسات حولت المواطن الاردني الى ( سحيج ) حتى للذين ناكوه من ضباط الجهاز واجبروه على التجسس والعمل كمخبر ( ببلاش ) حتى على ابيه .. هذا الشرموط هو الوحيد من المحامين الاردنيين الذي رضي ان يدافع عن اللص سميح البطيخي الذي اعترف بسرقة ثلاثة بنوك اردنية يوم كان على راس عمله كرئيس لجهاز المخابرات ومع ذلك خرج من الجريمة مثل الشعرة من العجين يوم حكم بالسجن المخفف اربع سنوات في فيلا في العقبة وكان يقضي فترة الراحة في لندن مع انه لو كان صينيا او كوريا وارتكب مثل هذه الجريمة لناكوه في الشوارع قبل ان يطعموه للكلاب حيا

اقول : سأكتب  خواطري هذه من الذاكرة وبالتالي فقد ترد اغلاط غير مقصودة في الاسماء الكثيرة التي  اشير اليها في المقالات وربما في التواريخ ايضا ... وقد سعيت الى التحقق من المعلومات بالطرق والوسائل الوحيدة المتوفرة وهي الاتصال باشخاص يكبروني سنا  ...  وهم قلة

هذه توطئة فقط لمقالاتي التي عنونتها ( من مفكرة مواطن اردني سابق ) ... والتي قد لا تهم الا الاردنيين او بعضهم .. وقد لا تهم احدا غيري وربما صديقي ( المواطن الاردني السابق )  الذي حدثتكم عنه.. ولكني على ثقة ان كثيرين مثلي ممن ولدوا  وعاشوا في الزرقاء وعمان والجامعة الاردنية سيجدون انفسهم بين السطور ... وكثيرون من اصدقائي وزملائي في الجامعة وفي الوسط الادبي والثقافي والصحفي الاردني قد يجدون انفسهم فيها ايضا .. ولو بصورة فوتوغرافية  او بوثيقة او برسالة خطية تبادلناها  ...من الكم الكبير من الصور  والرسائل والوثائق الكثيرة الموجودة  في ارشيفي  والتي سانشرها في مقالاتي القادمة  على حلقات

لقراءة باقي ( الورقات ) انقر هنا









Loading...




Home Page
كتب ممنوعة
اراء حرة
صورة وتعليق
اخبار طازة
برقيات عاجلة
شروط النشر
فضائح وفضائح
خبر وتعليق
سري جدا
لصوص ظرفاء
رسائل القراء
من ارشيفنا
هذا الرجل
هذه المرأة
كتاب البورتل
كاتب وكتاب
قصائد ممنوعة
 مقالات  مميزة
كتب للبيع
ارشيف الاخبار
قصائد المقدسي
صحف عربية
الافتتاحيات
مقالات ساخنة
صبرا وشاتيلا
أسامة فوزي
ملفات الفساد
 مقالات الاولى
الكتب السعودية