اوراق من مفكرة مواطن اردني سابق ... كتبها : د. أسامة فوزي


August 25 2016 10:51

أوراق من مفكرة مواطن اردني سابق
صور
من التاريخ الوجداني ( الانساني والثقافي والجغرافي ) للاردنيين
 في عمان والزرقاء

يكتبها :د.أسامة فوزي

الورقة الاولى
مدينة الزرقاء ( المشخة ) التركية التي ولدت فيها


لم اكن الوحيد الذي وصف مدينة الزرقاء بانها ( مشخة تركية ) فالملك عبدالله الثاني الذي عاش في معسكر الزرقاء  سنة كاملة اتفق معي في وصفي  وزاد عليه ان الروائح التي تنبعث من المدينة  كانت رائحة كبريتية كريهة ومؤذية   .. ورد الملك سبب الرائحة الى المصانع وليس الى ما يخرج من اطياز الزرقاويين ... ففي صفحة رقم 95 من مذكراته ( فرصتنا الاخيرة )  كتب الملك عبدالله يقول : ( من مصادر الازعاج التي يتحملها سكان الزرقاء التلوث الصناعي فقد كانت هناك مصفاة للنفط في الجهة الشمالية من المدينة ومدبغة للجلود في جهتها الجنوبية لم تعر المؤسستان المتطلبات البيئية الحديثة ومقاييسها اي اهتمام وعندما كانت الريح تهب من جهة معينة كان الدخان المنبعث من المصنعين يمتزج في الهواء فتنبعث منه رائحة كبريتية كريهة ومؤذية )

انتهى الاقتباس من كتاب الملك

 تأدبا ... اكتفى الملك بوصف الرائحة بانها ( كبريتية  كريهة ومؤذية ) ولاني  كنت من سكان الزرقاء فقد ( شممت ) الرائحة وخبرتها وهي مزيج من ثاني اكسيد الكربون ( الفساء ) وما يخرج من البيض الفاسد على رائحة فطايس تنبعث  من سيل الزرقاء ... و لا ادري ان كان الملك - بعد ان اصبح ملكا وشم مثلنا الرائحة الكريهة المؤذية عندما عاش لسنة واحدة فقط في معسكر الزرقاء - قد عمل على اجبار المصفاة والمدبغة على ( الاهتمام بالمتطلبات البيئية ومقاييسها )  لانقاذ سكان الزرقاء من رائحة الفساء الكبريتية المؤذية التي تلوث جو المدينة 

 لكن اصدقاء لي لا زالوا يعيشون في المدينة ذكروا ان رائحة الفساء الكريهة المؤذية ازدادت بدخول مصانع جديدة  حولت احياء بأكملها في المدينة الى مكبات  للنفايات زاد من عفونتها تحول شوارع المدينة التي لم تبنى وفقا لاي مقياس ادمي الى مستنقعات مائية تترعرع فيها كل انواع الحشرات والقوارص والطفيليات التي - بعد ان تتخمر - تعطي رائحة الفساء والكبريت طعما جديدا لم يذقه الملك بعد ... وانا لا استبعد ان تكون هذه الرائحة المؤذية الكريهة هي التي ادت الى هروب ابو مصعب الزرقاوي من الزرقاء الى افغانستان والتي عاد منها زعيما ومفتيا ومنظرا  للارهابيين وهو الذي لم يكمل الثانوية العامة  ولم يحصل على شهادة التوجيهية الاردنية .. تماما مثل الملك عبدالله الذي لم يتقدم للتوجيهية الاردنية ولم يحصل عليها

على الاقل ... الملك يعترف في كتابه وفي الصفحة نفسها بانه كان يهرب من مدينة الزرقاء الى مدينة ( الرصيفة ) المجاورة  ويقول بالحرف ( لكي نتنشق هواء اقل تلوثا كنا نتجه احيانا الى بلدة  قريبة ومعروفة ببساتينها واشجار الحمضيات فيها وهي الرصيفة حيث كنا نجلس في احد المطاعم نتناول طعامنا ونروح عن انفسنا بعض الشيء ) .. وهذا ما لم يكن متوفرا لنا  كما توفر للملك لان المطاعم التي يشير اليها الملك في الرصيفة  لم تكن متاحة لعامة الناس مثلي ... هي ليست مطاعم  بالمفهوم العام  للكلمة وانما هي ( كازينوهات ) او ( خمارات )  مفتوحة على طريق عمان الزرقاء اشهر ما تقدمه هي المشروبات الروحية والخمور ( وخاصة عرق حداد )  وكانت اسعارها مرتفعة جدا وكان سكان الرصيفة يشمون رائحة العرق ( اليانسون ) من بعد مئات الامتار لكثرة ( القناني ) التي كانت تفتح في الخمارات بخاصة في المساء

 لذا لم يكن بمقدورنا - سكان الزرقاء - ان نهرب من رائحة الفساء المؤذية الكريهة  الى ( الرصيفة ) كما كان يفعل الملك فضلا عن شرب ( عرق حداد ) في كازيوناهاتها كما شربها الملك ... وازيد على ذلك ان الملك ( شم ) الرائحة لمدة سنة واحدة كما ذكر في كتابه هي فترة اقامته في معسكر الزرقاء ومع ذلك ذكرها في ( مذكراته )  فلماذا تستكثرون علي ان افرد لها فصلا في مذكراتي وانا الذي شم الرائحة الكريهة المؤذية  لمدة 26 سنة كاملة اي منذ ان ولدت عام 1950 في معسكر الزرقاء وحتى هروبي من الاردن عام 1976 الى الامارات التي قضيت فيها عشر سنوات ( وبرضو شميت فيها فساء ولكن شكل تاني ) ومنها طرت الى امريكا ( فور جوووود ) كما يقال .. ولم اتنفس هواء نقيا الا في هذه البلاد التي لا تسمح بفتح خمارات في الاحياء السكنية كما هو حاصل في الاردن رغم انه لا يوجد في امريكا مفتي مملكة كما هو الحال في الاردن التي يشتغل فيها الشيخ هليل بوظيفة مفتي

 الرائحة الكريهة في الامارات لم تكن افضل حالا من رائحة الفساء الكبريتية في الزرقاء .. فقد سكنت في ابو ظبي ( عام 1977 )  مع عشرة صحفيين في غرفة واحدة استأجرها لنا صاحب الجريدة راشد بن عويضة في حي شعبي اسمه ( مدينة زايد ) وزربنا صاحب الجريدة نحن العشرة في الغرفة التي لم يكن فيها الا مكيف هواء واحد وليس فيها حمام ولا مياه جارية .. غرفة من الطين كان يعيش فيها معنا حراذين اكبر منا حجما .. غرفة لا تصلح حتى للسحالي ... ولا تتوفر فيها اي مواصفات للعيش الادمي ولا حتى لعيش الفئران

 وفي هذه الغرفة عاش معنا  الصحفي الاردني سليمان نمر المستشار الحالي لملك السعودية وقمت انا شخصيا بفض نزاع بينه وبين الصحفي تاج الدين عبد الحق بعد ان ضبط تاج زميلنا سليمان وهو يشخ في المطبخ لعدم وجود حمام في الغرفة وقد اعتذر سليمان عن فعلته ووعد ان لا يشخ في المطبخ مرة ثانية وهو معذور فقد كان ( زحمانا ) ولا يوجد في الغرفة حمام ففعلها في المطبخ .. وانا هنا اتحدث عن الفعلة الكبيرة وليست بولا عابرا ..وعاش في هذه الغرفة ( الزريبة ) الصحفي بدر عبد الحق والصحفي يوسف صلاح والصحفي احمد محسن  والصحفي محمد الرمحي والصحفي عزام طاهر ونزل فيها ايضا احمد نافع مدير المطبخ الصحفي في الاهرام وهو شقيق ابراهيم نافع  وغيرهم وغيرهم ... وكانت الروائح التي تخرج من الحي الشعبي الذي يضم هذه الغرفة الحقيرة لا تتحملها حتى الفئران التي كانت تهرب في الليل مذعورة من الحي كله وتعود صباحا الى مزابل الحي - وما اكثرها - بحثا عن الطعام

  خمارات مدينة الرصيفة التي كان الملك يتردد عليها كما ذكر في كتابه كانت تصدر لها رخص على انها ( منتزهات ) على سبيل التحايل .. كانت مبنية في مساحات كبيرة تمتد على طريق عمان الزرقاء وفي مناطق مشجرة ومعدة بطريقة تتحول ليلا الى كباريهات اكثر ما يقدم فيها الخمور مع المازات ( مشويات وترمس ) وكنت تشم رائحة العرق ( عرق حداد ) القوية عن بعد وكانت هذه ( المنتزهات ) وكرا للدعارة وصيد الزبائن

 ولعل تردد الملك عبدالله عليها عندما كان ضابطا في الجيش في معسكر الزرقاء هو الذي تسبب بالاشاعة القوية التي راجت انذاك عن علاقات الملك النسائية ... الملك نفسه يشير في كتابه الى هذه الاشاعة في معرض حديثه عن اول لقاء له بالملكة رانيا .. ففي صفحة رقم 117 من مذكراته يقول الملك انه التقى برانيا اول مرة في حفل اقامته اخته عائشة لان رانيا كانت صديقة لتوفيق قعوار صاحب شركة ابل وقال انه اعجب بها وانه اتصل بها هاتفيا بعد الحفلة فقالت له انها سمعت عن مغامراته وعن علاقاته النسائية فانكر ذلك وطلب من توفيق قعوار التوسط له عندها ثم دعاها الى حفل عيد ميلاده وعرفها على ابيه الملك حسين

رواية الملك عبدالله عن تعرفه برانيا تختلف عن رواية اصدقاء مقربين للملكة رانيا نفسها ... وكنا قد نشرنا قبل سنوات رسالة وردت الينا حول هذا الموضوع كتبها صديق وزميل دراسه لرانيا ( درس معها في القاهرة )  وهو في الوقت نفسه ينتمي لعائلة  فلسطينية مقربة من القصر لوجود مصاهرة بين العائلة الفلسطينية والقصر ... انقر هنا لقراءة رسالته الينا حول رانيا وعلاقتها بالملك عبدالله

لا بل ان معاناتي من رائحة الفساء التي كانت تلوث سماء مدينة الزرقاء قد تكون اكثر من معاناة غيري بخاصة واني عملت بعد تخرجي من الجامعة الاردنية عامين كاملين في مدرسة ابو الفول ( الليث بن سعد ) التي تقع على مرمى حجر من مصفاة النفط  وبالتالي كانت مناخيري ولمدة عامين كاملين لا تشم الا الرائحة الكبريتية الكريهة التي اشار اليها الملك في مذكراته ... وقد قرأت لاحقا ان رائحة الفساء وصلت الى الرصيفة بعد ان تحول سيلها الى مكب للنفايات تماما كما حدث لسيل الزرقاء الذي كان في الخمسينات مزارع على مد البصر اشرف عليها مهاجرون فلسطينيون من حيفا ويافا وكانت مزارع الخس على طرفي السيل متنزها لسكان المدينة  حتى ان بركة الزرقاء للسباحة ( بركة الزمار ) اقيمت على مشارف السيل و( الزمار ) هو اسم مدرب السباحة انذاك

 وللتوضيح فقط ... لم اصف الزرقاء ( بالمشخة التركية ) بسبب الرائحة الكريهة التي اشار اليها الملك في مذكراته  وانما لانها وجدت اصلا من قبل الاتراك عندما اختارها المهندس التركي لتكون موقعا من المواقع المرشحة لبناء ( محطة ) لقطار الحجاز لانها تقع وسطا بين المفرق وعمان .. وعلى مشارف محطة القطار نشأت مدينة الزرقاء ومعسكرها

قبل ان اوضح السبب في وصفي لمدينة الزرقاء بانها ( مشخة تركية ) سأتوقف اولا امام البيت الذي ولدت فيه في معسكر الزرقاء ... وهذه صورة له وقد التقطت الصورة  عام 1961 من قبل احد طلاب مدرسة النصر التابعة للثقافة العسكرية والتي اصبح اسمها لاحقا الثورة العربية الكبرى وكان طلبة المدرسة ( كما هو واضح من الصورة )  يقومون بغرس الاشجار وقد ظهر بيتتنا في الخلفية ... الوحدة السكنية تتكون من اربعة منازل كان منزلنا هو اولها وواجهة الوحدة التي تظهر في الصورة وبجانبها طفل هي جدار الغرفة التي ولدت فيها وكان يحمل رقم E ويقابل منزلنا وحدة سكنية مماثلة بالشكل يظهر طرفها في الصورة وكانت تضم ايضا اربعة بيوت والبيت المقابل  لبيتنا كان للمرحوم جميل حتر ( ابو عيسى ) الذي تتولى ابنته الصغرى ( نهى ) مسئولية ادارة مكتب الامير حسن ولي العهد الاردني السابق

 اما الباب المجاور لباب بيتنا  فهو منزل المرحوم محمد عمران ( ابو راسم ) وهو من القدس وابنته سهيلة متزوجة من احد اهم قضاة المحكمة العسكرية السابقين في الاردن ( جهاد خازر المجالي ) ويلاصق  منزل ابو راسم منزل ( ابو شحادة ) حسن بكري وهو لبناني وابنه شحادة من اصدقاء الطفولة ( اصبح ضابطا في الجيش وسكن في جرش ) وبعد رحيلهم من المعسكر سكن مكانهم ابو عيد وهو بطل القضية التي شغلت الراي العام الاردني في مطلع الثمانينات حيث قام جارنا ( ابو عيد ) وكان يعمل سائقا في الجيش بقتل ولديه عيد واسماعيل - اصحابي في الطفولة - بالرصاص وكانا جنديين في الجيش

الوحدة السكنية الثالثة  بشكل متعامد مع منزلنا ( وكنا نسميها  حارة السكة او الحارة الفوقا )  لقربها من سكة الحديد كان يقيم فيها الشيخ عبد الرحيم سعيد  استاذ التربية الاسلامية في مدرسة النصر وهو من كفر راعي قرب جنين وكانت تشتهر بزيتونها وزيتها واشجار التين واللوز وابنه ( همام ) هو مرشد ( او مراقب )  جماعة الاخوان المسلمين الان في الاردن

وفي ظهر منزل ابو همام  مباشرة كان منزل يوسف عميش ( ابو هاني ) الذي اصبحت ابنته ( فكتوريا عميش ) اشهر مخرجة تلفزيونية في الاردن واختها جوليا عميش اشتغلت سكرتيرة لعميد الدراسات العليا في الجامعة الاردنية في مطلع السبعينات وكان اخوها نبيل صديقي في الطفولة وقد توفي مبكر في امريكا حتى قبل ان اهاجر اليها ... ومقابل منزل ابو همام تم لاحقا  بناء اربعة منازل جديدة سكن احداها  النقيب عبد الكريم الصعوب الذي اصبحت ابنته ( زهور الصعوب ) من اشهر مذيعات اذاعة عمان ويجاورهم رداد المجالي وشقيقه عودة كان صديقي ايضا وهو الذي كسر يدي ونحن اطفالا وانتهى بنا الامر ان تزاملنا في الجامعة الاردنية وكان عودة يدرس في قسم التربية وعلم النفس وكان صديقي في الطفولة فوز سعيد يسكن في جوار دار زهور الصعوب وقبل الصعوب والمجالي سكن في الحارة صدقي الكايد ( ابو الوليد ) مدير نادي الضباط في الزرقاء

وفي معسكر الزرقاء سكن ايضا صديق والدي وصديق ابو همام الاستاذ ابو مأمون ( الخصاونة ) الذي اصبح ابنه لاحقا ( الفريق مأمون الخصاونة ) رئيسا للمحكة العسكرية في الاردن ورئيسا للجنة الوطنية للقانون الدولي في الاردن .... وخلفنا على الواجهة الاخرى وحدة سكنية مشابهة ( كنا نسميها الحارة التحتا ) سكن فيها توفيق يوسف المزاهرة الذي اصبح ابنه  الدكتور مخلص المزاهرة من اشهر الاطباء في الاردن وكان اخوه زياد واخوه عصام من اصدقائي وزياد انهى التوجيهية معي ودخل الجيش الاردني كضابط ..وفي وسط الحارة  كان يسكن ابو جميل  غوش الذي اصبح ابنه الرائد جميل ابو غوش من ابرز القادة العسكريين لحركة فتح  وقد قام بعمليات خاصة في الاراضي المحتلة  وكانت توكل اليه المهام الصعبة واستشهد في  الغارة الاسرائيلية على مكتب المنظمة في حمام الشط في تونس عام 1985 مع 56 شهيدا فلسطينيا و 18 شهيدا تونسيا وقد نفذت الغارة ثمانية طائرات اسرائيلية وكانت مخابرات احمد عبيدات قد سجنت شقيقه نجاتي ابو غوش سنة كاملة على سبيل الرهن ( لانه في الاردن كما هو معروف تزر الوازرة وزر اخرى ) لاجبار الشهيد جميل على تسليم نفسه لمخابرات احمد عبيدات  تلبية لطلب اسرائيلي .. عبيدات هذا هو الذي يلعب هذه الايام دور المعارض الوطني في الاردن ( جميل ابو غوش هو الاول من اليمين  وبجانبه  ابن حارته علي البوريني وكاتب السطور) والصورة تصورناها في ستوديو فينوس في الزرقاء رابع ايام عيد الاضحى في 9 شباط 1971 .... لجميل ابو غوش اخوة اصغر منه منهم زميلي في الجامعة نجاتي ابو غوش ومنهم ماهر ونبيل وغالب وعمه ( موسى ياسين ) كان مدرسا لنا في مدرسة الثورة العربية الكبرى وبعد سنوات اصبح مديرا للمدرسة وقد توفي في حادث سير .. ام جميل كانت سيدة نساء المعسكر سيدة فاضلة ووطنية كانت فعلا ام الرجال وقد تصدت وحدها لعملية اعتقال ابنها نجاتي لمدة سنة كاملة

لماذا هذه الصورة لمنزلنا ... ولماذا هذه المعلومات عن الجيران واصدقاء الطفولة ؟

 كتبت قبل سنوات مقدمة لمقال بعنوان ( اوراق من مفكرة مواطن اردني سابق ) ذكرت فيها اني ولدت في ( مشخة ) اردنية اسمها ( الزرقاء ) انشأها الاتراك على مقربة من سكة حديد الحجاز التي بناها السلطان عبد الحميد الثاني عام 1900  وساعده في التمويل خديو مصر ( عباس حلمي ) ودمر معظم خطوطها لورانس  بالتعاون مع عصابات البدو التابعين للشريف حسين وعبيده ممن كانوا يقبضون من المخابرات البريطانية ... كان القطار يبدأ  رحلته من  دمشق مارا بسهول  حوران  وصولا الى درعا ثم الى الاردن مارا بمدن المفرق وخربة السمار والزرقاء وعمان ( المحطة )  والقصر والحيرة والصكعة وسواقة وقطرانة والحسا وصولا الى معان ثم يواصل سيره جنوبا الى ان يصل الى المدينة المنورة مارا بتبوك وعشرات المحطات الصغيرة

 ونظرا لان القطار  كان يمر في صحراء  شرق الاردن القاحلة  فقد حرص المهندس الذي بنى السكة  ( المهندس التركي مختار بيه )  على بناء محطات صغيرة  على طول الخط بمسافة 20 كيلومترا بين  محطة واخرى  اولا لحراسة سكة الحديد من غزوات البدو ثم لتوفير  استراحات ( ومشخات ) يمكن وصفها بالحمامات على سبيل المجاز ..وكانت الزرقاء واحدة من هذه المحطات الصغيرة التي يتوقف فيها القطار لعدة دقائق ( يشخ ) خلالها الركاب في  حفر ارضية مسورة  بنيت قرب خزان الماء  الذي يزود القطار بالوقود ( لان القطارات كانت انذاك كلها بخارية )  ولو كانت الزرقاء تبعد عن اخر محطة ( المفرق ) اكثر من عشرين كيلومترا حسب مخطط المهندس التركي  لما اقيمت فيها محطة القطار ولما ولدت مدينة اصلا باسم الزرقاء  ولظلت الزرقاء مجرد صحراء يمر فيها سيل من الماء  لا اكثر ولا اقل ومن هنا قلت واقول ان الزرقاء بنيت كمشخة لمحطة القطار والمشخة هي اول بناء عصري في المدينة وكل ما ينشر في كتب  التاريخ الاردني عن الزرقاء وتاريخها الذي يعود الى ما قبل الفراعنة هو ضحك على اللحى

وحتى بعد بناء  محطة القطار في الزرقاء ( تظهر صورتها  الملونة تحت )  لم يكن في الزرقاء ومحطتها عام 1912 ما يلفت النظر لذا لم يذكرها الشيخ جمال الدين القاسمي في مذكراته التي كتبها  عن رحلة القطار الحديدي الحجازي عندما استقل القطار من دمشق وحتى المدينة المنورة حيث ذكر جميع المحطات التي مر بها القطار  ووصفها وصفا دقيقا الا محطة الزرقاء لم يتوقف الشيخ عندها  ولم يذكرها في كتابه ربما لانه لم يجد بجانب المحطة اي نوع من الحياة وربما  لانه ( شخ ) في  محطة المفرق  قبل ان يصل الى الزرقاء لذا سقط ذكرها من كتابه

سكة الحديد هذه كانت جزءا من طفولتي فقد ولدت في معسكر الزرقاء على مرمى حجر من السكة ولم يكن يفصل بينهما الا ( شيك ) كنا  نعبر من فتحات فيه احيانا للوصول الى سينما سلوى او سينما ركس اللتان تقعان في مواجهة المعسكر ومنها احيانا الى الغويرية التي كانت انذاك ضاحية نائية ابرز ما يميزها الحاووز وقصر الكيالي الذي يعلوه عامود استقبال تلفزيوني والشيك كان الحد الفاصل بيننا وبين حارة ( العمامرة ) في الغويرية والتي كنا نخوض معها يوميا حربا بالحجارة والمراجدة كلما وجدنا بعضهم على مقربة من سكة الحديد وتوارثنا هذه الحكاية  كنا اولا نبدا برمي الحجارة على فناجين اعمدة الكهرباء ولما نزهق نحول الرمي الى السكة كلما ظهر واحد من العمامرة وكان  الخندق المبني تحت الارض مقرا لنا .. ولاحقا علمنا ان فناجين اعمدة الكهرباء في المعسكر كانت كلها اجهزة ارسال وتجسس لاسرائيل والذي اكتشف العملية المخابرات المصرية قبل حرب حزيران يونيو ولعل لهذا ارتباط بما تم الكشف عنه مؤخرا من وجود بدالة هاتف اسرائيلية ( سنترال ) مدفونة تحت الارض ومربوطة بفرقة عسكرية اردنية

 وكم تمشيت على السكة وانا احضر  واذاكر لامتحانات الثانوية ( التوجيهي ) وكنت احفظ عدد قواطع السكة .. وما كتب عليها من عبارات باللغة العربية تشيد بالسلطان عبد الحميد الذي امر ببناء السكة  وقد قرأت على قبره المواجه لايا صوفيا في اسطمبول الفاتحة بعد ان وجدته قبرا مهملا لا يحرسه الا بستنجي عجوز فعجبت من افاعيل الدهر ...  فالرجل الذي حكم العالم العربي كله وكان رقما صعبا في المعادلة الدولية ترقد عظامه في قبر مهمل  ( الى جانب  مقابر اخرى لسلاطين ال عثمان ) يمكن ان تدخل اليه وتخرج بالسجاد الذي يغطيه  وربما بجمجمته - لو كان معك شاكوش - دون ان يسالك احد ثلث الثلاثة كام ... سكة الحديد والشيك الموازي لها الذي يفصل معسكر الزرقاء عن المدينة كان بالنسبة لنا - ونحن اطفال - الجبهة التي تفرقنا عن اعدائنا ( حارة العمامرة ) وهم سكان الغويرية كما ذكرت .. كان اولادهم يأتون الى منطقة سكة الحديد اما لتطيير طائراتهم الورقية او للبحث عن النحاس وكنا نشتبك معهم بالحجارة ونتراجد بها  عبر الشيك وغالبا ما تكون الغلبة لنا وكلما انقطع حبل طائرة ورقية للعمامرة تقع الطائرة اسيرة بين ايدينا  في المعسكر ولا يجرؤ العمامرة على اختراق الشيك واللحاق بها لاستراجعها ومن كانت فلوسه قليلة كان يكتفي بعمل ( قبع ) وتطييره

 كان تطيير الورق مع صناعة سيارات من السلوك من اهم واشهر الالعاب في ذلك الوقت بالاضافة طبعا الى العاب ( القلول ) او( الدواحل ) مثل لعبة الكبة ولعبة المور بينما كانت السحجة ونط الحبل و ( الزقطة )  من العاب البنات والاخيرة كانت تلعب بحجارة ملساء ..  ولا تنسى لعبة الدحريجة وعمل النقيفة والمقلاع والبلبل ... هذا عدا عن لعبة الفطبول وهي اللعبة الرئيسية وكنت في اكثر الاحيان كابتن الفريق وكنا نلعب في الساحة التي تتوسط المعسكر وفي اواخر الستينات فصل صديقي خير الشبشاني سيوفا من حديد في مشاغل الجيش في المحطة لان والده كان مسئولا عنها واصبحنا نسير طوابير في الحارة ونحن نحمل سيوف حديدية وكنا نذهب الى معسكرات تدريب الجيش وننط على الحبال او نقوم بلم النحاس من رصاصات البنادق في اماكن الرمي لبيعها بالكيلو في الزرقاء وفي الصيف كنا نلم الفواكه والثمار من الارض في حارة الضباط

  ظن كثيرون ان وصفي للزرقاء بالمشخة  هو من قبيل السخرية والتحقير للمدينة في حين اني – والله – ما اردت الا توصيف المدينة وكتابة تاريخها الوجداني والتعريف بها على الطريقة الامريكية ( الصورة الملونة هنا لمبنى محطة القطار في الزرقاء وهو اول مبنى يقام في المدينة عام 1912 وكان يسكن في الطابق الثاني  في الخمسينات والستينات مدير المحطة ابو زياد فريج الذي اصبح ابنه مذيعا في الاذاعة الاردنية ) فالمدن الامريكية الكبيرة ( نيويورك ولوس انجلوس وهيوستون ودالاس وسان فرانسيسكو وغيرها )  كلها بنيت كمحطات لسكك الحديد .. وهذا يفسر وجود مقرات سكك الحديد في ( داون تاون ) اية مدينة امريكية شمالية كانت ام جنوبية .. ومن مقر سكة الحديد زحف العمار والمعمار وتمدد البنيان ونشأت المدن وعملت محطات القطار في امريكا كمشخات ايضا قبل ان تتحول الى مكاتب للبريد ودكاكين واحيانا الى فنادق ثم تتحول الى نواة لمدينة ... تماما كما حصل مع مدينة هيوستون مثلا

وسكة حديد الحجاز سكة ضيقة (بعرض 1050 ملم)، تصل بين مدينة دمشق والمدينة المنورة في منطقة الحجاز، بوشر العمل فيها  عام 1900 وافتتحت عام 1908 واستمر تشغيلها حتى 1916 في الحرب العالمية الأولى إذ تعرضت للتخريب بسبب الثورة العربية الكبرى وهجمات البدو والانجليز عليها وسقوط الدولة العثمانية بعد الحرب وقد أسست سكة حديد الحجاز زمن ولاية السلطان العثماني عبد الحميد الثاني لغرض خدمة حجاج بيت الله الحرام انطلاقاً من مركزها في دمشق ... والطريف في قصة بناء سكة حديد الحجاز ان من ابرز الدعاة لبناء السكة كان المطران الارثوذكسي جرامسيوس من بيروت حيث حث المسيحيين على التبرع لها  وشارك في التبرع لها مبارك الصباح حاكم الكويت وسلطان المكلا  و640 تاجرا من لبنان اشهرهم التاجران عبود وحلواني ولعب الخديوي عباس حلمي خديومي مصر دورا بارزا في بناء السكة من خلال تزويدها بمواد الانشاء والبناء وتبرع للسكة مسلمون هنود وباكستانيون وبناها الجيش التركي والاف من العمال .. ووفقا لكتاب ( دراسات في الجغرافية التاريخية لبلاد الشام ) الذي طبعته ووزعته وزارة الثقافة الاردنية للدكتور صالح درادكة فان بدو شرق الاردن لم يشاركوا في بناء السكة ... بدو شرق الاردن شاركوا في سرقة المحطات والاعتداء عليها ونهبها ثم شاركوا في  تدميرها فقط بطلب من الانجليز وبقيادة لورانس

نمت على مسار سكة الحديد جميع المدن الاردنية .. من الرمثا واربد شمالا وحتى معان مرورا بالمفرق وخو والزرقاء والرصيفة  وماركا وعمان .. وكانت محطة عمان ( المحطة ) هي التفريعة الكبرى والاساسية للخط الحديدي بعد تفريعة مدينة المفرق ووجد مهندسو القطار الاتراك ان يبنوا بين التفريعتين او المحطتين محطة مساعدة وخدمات ( سيرفس )  مؤقته يكون الهدف منها التزود بالماء وتفريغ ما في احشاء الركاب من مخلفات فبنيت محطة القطار في ( الزرقاء ) لتكون مشخة للركاب لا اكثر ولا اقل وظلت السكة تعمل حتى نهاية السبعينات وقد سافرت الى الشام ثلاث مرات بالقطار .. اول مرة كان عمري اربع سنوات .. والثانية عام 1964 والثالثة بعد تخرجي من الجامعة الاردنية   حيث سافرت في 27 يوليو عام 1973 الى دمشق ولم اتمكن من تحمل بطء القطار وكراسيه الخشبية التي تكسر الظهر لذا غادرته في درعا واخذت سيارة الى دمشق وهناك نزلت في فندق ( السلام ) وهو مكان التجمع الذي اتفقت عليه مع زملائي  سلطان الحطاب ومحمد جميل ابو صوان ومحمد سمحان والشاعر محمد القيسي وابراهيم ستيتية وعبد الكريم المنجد  ونزار اللبدي وكان هدفنا التوجه الى بيروت للتعاقد مع السفارة الليبية للعمل كمدرسين في ليبيا .. وقد تعاقد الجميع فعلا وسافروا الى ليبيا الا انا لاني اشتبكت مع موظف في السفارة الليبية ( طعج ) شهادتي خلال فحص الاوراق .. وعدت ادراجي الى الزرقاء محملا برسائل خطية من سلطان الحطاب وعبد الكريم المنجد وابراهيم استيتية الى اسرهم .. وخلال وجودي في دمشق التقيت بصديقي احمد منصور الزعبي وحضرنا معا مسرحية المفتش العام في مسرح القباني

ووفقا للدكتورة هند ابو الشعر في كتابها عن الزرقاء الذي صدر في عمان قبل ايام فان  بلدية الزرقاء التي عقدت اول اجتماع لها في الاول من ديسمبر عام 1928 حددت حدود المدينة كالاتي : غربا السيل وشرقا وادي سعيدة وجنوبا خربة الحديد وشمالا جبل البترواي الا ان الجهات المسئولة قررت فصل معسكر الزرقاء ( قوة الحدود )  والسكة الحديد عن حدود بلدية الزرقاء ووفقا لهند ابو الشعر فان عدد الدكاكين في ذلك الوقت كان 74 دكانا فقط وكان الشارع الرئيسي في المدينة يضاء بعدد 6 لوكسات فقط ومن اشهر اصحاب الدكاكين في عام 1928  وفقا للرخص التي صدرت لهم عبد الرشيد ميرزا ورمزي رضا الشنواني ورافت سعيد الشوا وشكري عموري  ومحمد سليم السمان  وتوفيق سكرية  واسكندر نقولا البنا  وجودة قطان  ... ووفقا للكتاب اعلاه فان الزرقاء عرفت عام 1928 عدة خمارات منها خمارة الياس سمعان عبود وخمارة خليل كفاية وخمارة شاكر رزق الله وخمارة صموئيل طاشجيان وبلغت ميزانية بلدية الزرقاء  1840 جنيها فلسطينيا .. كان الجنيه الفلسطيني هو العملة المتداولة في شرق الاردن انذاك

حول هذه المشخة اذن في محطة القطار نشأت مدينة  الزرقاء وبدأت تتمدد بعد ان قرر الانجليز بناء معسكرهم الرئيسي في شرق الاردن على مشارف سكة الحديد وكان ذلك المعسكر نواة لمدينة الزرقاء التي ولدت فيها وقد عاش والدي في الزرقاء منذ عام 1940 حيث عمل في قوة الحدود كاتبا في سلاح التموين وكان صديقا لوالد  الشاعر سميح القاسم الذي كان يعمل كضابط في القوة نفسها وترك الرزقاء وعاد الى الناصرة بعد انتهاء الانتداب البريطاني وهذا يفسر سبب ولادة سميح القاسم في الزرقاء 

 وحتى محطة عمان بنيت على  سفح جبل خال تماما من البشر ونمت حول المحطة قرى اغلب سكانها من معان تحولت الى مدينة او ضاحية عرفت لاحقا باسم ( المحطة ) وامتدت حتى ماركا حول اول مطار بناه الانجليز وقد عمد الانجليز ( المحطة )  ببناء مسجد فيها عرف بمسجد الفتح الذي افتتحه قائد الجيش البريطاني في الاردن عام 1933 ( فردريك بيك )  ... كان المسجد صغيرا لا يتسع لاكثر من ثلاثين شخصا وليس فيه منبرا لكنه بني بتصميم عثماني جميل مشابه للمساجد التي بناها العثمانيون في تركيا وتميز المسجد بقبته ومئذنتيه وبنيت في ساحته مدرسة ابتدائية حملت ايضا اسم الفتح وتحولت في عام 1954 الى مدرسة اعدادية ثم  ثانوية تولي والدي ادارتها حتى عام 1967 ومن هنا جاء التحاقي بالمدرسة حيث درست فيها من الصف الثاني الابتدائي وحتى الثاني الاعدادي قبل ان انتقل الى مدرسة النصر في معسكر الزرقاء والتي انهيت فيها الثانوية العامة بعد ان تحول اسمها الى ( مدرسة الثورة العربية الكبرى ) وكنت الاول في التوجيهية الادبية على جميع طلبة مدارس الثقافة العسكرية ( الصورة هنا :  مشهور حديثة الجازي يزور مدرسة الفتح ( المحطة )  التابعة لقسم الثقافة في الجيش ويظهر في الصورة من اليمين الرئيس عثمان بدران رئيس قسم الثقافة ( وكان ضخم الجثة ) ومشهور حديثة الجازي والمرحوم والدي ابو منير ( مدير المدرسة )  ثم الاستاذ مصطفى ذيب فواز استاذ الرياضة والمشرف على الكشافة في المدرسة .. وتمت الزيارة في عام 1962  ودخل الضيف الى جميع الفصول  ولا زلت اذكر هذه الزيارة لاننا شطفنا المدرسة قبلها بيوم ودخل الضيف الى  صفي ( الصف السادس ) خلال وجود مدرس الحساب ( سليط سلايطة ) ...وكان مشهور حديثة انذاك قائدا للواء المدرع والجبهة الشرقية ... عثمان بدران ( ابو عمر ) كان برتبة رئيس ( ثلاث نجوم ) وهو اول  رئيس لقسم الثقافة منذ اوخر الاربعينات وكان اعزبا ويسكن في حي الضباط في الزرقاء قبل ان يتزوج من مديرة حضانة الاطفال التابعة لقسم الثقافة في معسكر الزرقاء ( حي الضباط ) وكانت مخطوبة لابن حارتنا محمد علي  الرشيد  الذي عمل بعد المترك في مدرسة النصر ثم ذهب في بعثة ولما عاد وجد خطيبته متزوجة من عثمان بيك والصورة هنا  لمحمد علي الرشيد وهو في الصف الثالث الاعدادي عام 1957 وكان في صف اخي وصف همام سعيد ولا زلت اذكر حفل الخطوبة والزواج لان والدي كان على راس الجاهة التي طلبت العروس كما لا زلت اذكر زيار









Loading...




Home Page
كتب ممنوعة
اراء حرة
صورة وتعليق
اخبار طازة
برقيات عاجلة
شروط النشر
فضائح وفضائح
خبر وتعليق
سري جدا
لصوص ظرفاء
رسائل القراء
من ارشيفنا
هذا الرجل
هذه المرأة
كتاب البورتل
كاتب وكتاب
قصائد ممنوعة
 مقالات  مميزة
كتب للبيع
ارشيف الاخبار
قصائد المقدسي
صحف عربية
الافتتاحيات
مقالات ساخنة
صبرا وشاتيلا
أسامة فوزي
ملفات الفساد
 مقالات الاولى
الكتب السعودية