عميد الصحفيين الاردنيين فهد الريماوي : تركيا تنتقل من صفر مشاكل الى صفر اردوغان


July 25 2016 00:45

   

يحدثنا التاريخ عن قادة كثيرين بدأوا مشوارهم السياسي ثواراً ورواداً طلائعيين، ثم انتهوا - بعدما بلغوا ارذل العهد- طغاة فاسدين ومستبدين.. بدأوا عوناً لاوطانهم وقدوة لشعوبهم، ثم انتهوا - بعدما اخذتهم العزة بالاثم- عبئاً ثقيلاً عليها، وعقبة كأداء في دروب نهضتها وتقدمها.

ولا ريب عندي ان الرئيس التركي رجب اردوغان يشكل اوضح مثال حي على هذا النمط من القادة الذين حالفهم التوفيق في البداية، واحسنوا صنعاً للوطن والمواطن، ولكنهم سرعان ما انقلبوا على انفسهم، واستسلموا لنوبات غرورهم، وتمادوا في غيهم وضلالهم وطغيانهم حتى باتوا كابوساً يجثم على صدور شعوبهم، ويوشك ان يكتم انفاسها ويصادر مستقبلها.

ان قراءة منصفة ومعمقة لوقائع وحيثيات المحاولة الانقلابية الاخيرة، سوف تكشف انها حركة احتجاجية عسكرية مرتجلة وانفعالية املتها الاستفزازات الاردوغانية، اكثر مما هي مؤامرة انقلابية مخططة بدقة، ومدبرة بليل، ومتملكة لابسط شروط نجاحها، وهادفة الى اطاحة الحكم الاخواني البغيض الذي اثبت، في مصر وتركيا والسودان، انه لا يقل تسلطاً وشراسة عن حكم العسكر.

لو لم تكن حركة احتجاجية - او قريبة من ذلك - لما امتنعت عن اطلاق ولو صلية رصاص في الهواء لتفريق جموع حزب العدالة والتنمية ومليشياته التي خرجت الى الشوارع، واحاطت بالدبابات المدججة بالسلاح، بل اقتحمت بعضها واهانت الجنود القابعين فيها، دون ان يطلقوا النار على صدور هؤلاء المليشياويين الهائجين، والمعبئين باقصى درجات التطرف الاخواني، والمتسابقين على اخذ القانون بايديهم.

عموماً، لقد وقعت الواقعة اياً كان تصنيفها وتعريفها.. انقسمت تركيا على نفسها، فالجيش في جهة، والحكم في جهة اخرى، والمعارضة في جهة ثالثة، وما يسمى 'بالكيان الموازي' في جهة رابعة، فضلاً عما يمكن تسميته 'بالكيان الكردي' الذي ينمو سريعاً في احشاء الوطن التركي الطاعن في الازمات، والمرشح لافدح العواقب والاحتمالات، بما في ذلك الحرب الاهلية والعزلة الدولية والدمار الاقتصادي والاجتماعي والمعنوي.

بعد اليوم لن تعود تركيا الى ما كانت عليه قبل الخامس عشر من هذا الشهر، ولن تعرف الامان والاستقرار والسلم الاهلي حتى اشعار آخر.. فهي تقف اليوم على رأسها بدل قدميها، وتطارد ابناءها وليس اعداءها، وتعتقل عشرات الالاف من سائر القطاعات لمجرد الاشتباه، وتوغل في فيافي الخصام والانتقام، وربما الاعدام، حد الجنون وفقدان بوصلة الرشد والصواب.

تركيا اليوم حروف مبعثرة لا تشكل كلمة، وكلمات متناثرة لا تشكل جملة، وكسور عشرية لا تشكل رقماً صحيحاً، ومسبحة مفروطة لا سبيل لاعادة جمعها، وحالة تناحرية فوضوية لا محل لها من الاعراب، ولا نصير لها سوى بائع الفتاوى المفبركة الشيخ يوسف القرضاوي الذي زعم ان جبريل عليه السلام قد تجند للدفاع عن اردوغان، امير المؤمنين موديل القرن الحادي والعشرين.

في قانون الطبيعة، فان لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار، ومعاكس له في الاتجاه، اما في قانون اردوغان، فان لكل فعل ردود افعال هائلة وقاتلة ومضاعفة عدة اضعاف، وطاعنة في التصعيد والتأزيم وحرق الاخضر واليابس.. فقد تحالفت عليه جيوش الفزع والغضب، وسيطرت عليه دوغما الذهنية الاخوانية المفلسة، ونكأت جراحه وادمت كبرياءه تلك الهبة العسكرية المباغتة التي دهمته على حين غرة، ومن حيث لا يحتسب.

واياً من آلت اليه الاوضاع التركية في قادمات الايام، واياً ما كانت الاعمال والاجراءات التي سوف يقترفها هذا الاردوغان الجريح خلال حقبة الطوارئ التي اعلنها بالامس، فالثابت ان هذا الرجل قد سقط سياسياً واخلاقياً، وان دوره قد انتهى على الصعيد الاستراتيجي وان مستقبله قد اصبح خلفه وليس امامه، وان نجمه قد افل وتوارى في دهاليز برج الثور، وان مصيره لن يختلف عن مصائر امثاله من الطغاة المتجبرين والمتكبرين والمتسربلين بلعنات التاريخ.

لو كان هذا الرجل صادقاً مع نفسه، واميناً على مسؤوليته، لما تردد في الاستقالة من منصبه اليوم قبل الغد، والاعتذار لبلاده عما كبّدها من خسائر وحمّلها من اوزار وورطها في مآزق وويلات، جراء تقلباته وتشقلباته ورهاناته الحمقاء على الجمع بين الشيء ونقيضه في ذات الوقت، او بين الصيف والشتاء فوق سطح واحد.. ألم يسبق لهذا الاردوغان الدجال ان طالب الرئيسين الاسد والسيسي بالاستقالة، نظراً للمشكلات التي تجري في بلديهما ؟؟ فلماذا لا يبدأ بنفسه بعدما اقحم بلاده في اتون فتنة ملتهبة لا يعلم مداها ومنتهاها غير علّام الغيوب ؟؟

اعرف ان لا محل للعواطف في قاموس السياسة، ولا مكان لمشتقات الشماتة والتشفي في لغة البحث والدرس والتحليل المبنية على الحقائق والمصالح والحسابات.. غير انني اعترف بملء الصوت انني شامت في هذا الانكشاري الالعبان الذي خان رفاقه في الحزب والحكم، وانكر اصدقاءه في سوريا وايران، وتحالف مع داعش وماعش وحتى الشيطان لغرض تخريب سوريا ومصر واسقاط نظاميهما وتسليمهما لدهاقنة الاخوان المسلمين.

ما حييت، لن انسى الموقف العدائي والاستعلائي الذي اتخذه هذا المغرور المأفون من 'صديقه الحميم' بشار الاسد، غداة اندلاع الاحداث السورية.. ولن انسى تلك الحزمة من الشروط والاوامر والاملاءات التي وجهها له، كما لو انه مجرد رئيس بلدية في ربوع الاناضول.. ولن انسى انه قد ناب عن اسرائيل في استنزاف الجيش السوري وحزب الله اللبناني وبعض فصائل المقاومة الفلسطينية التي طالما اقضت مضاجع العدو الصهيوني.

باستثناء الذين في قلوبهم مرض وفي عيونهم مياه سوداء، ليس هناك بين المفكرين الاستراتيجيين من ينكر ان اردوغان قد اتاح للنيران ان تغزو عقر بيته التركي بمجرد ان شجع على اضرامها لدى جارته السورية، وانه قد تنكب جادة الصواب حين غلّب عاطفته الاخوانية وشهوته السلطانية على مصلحة بلاده الوطنية.

نحن لا ندعي على هذا الاردوغان بالباطل، ولا نكتب عنه بمفردات 'الحكمة المتأخرة'.. فقد نشرنا في هذه الجريدة المتواضعة مقالاً، بتاريخ 81 تشرين الاول من العام الماضي، وبعنوان 'السلطان اردوغان.. بدايات صائبة ونهايات خائبة'، جاء في ختامه ما يلي حرفياً : 'وعليه.. فها هو اردوغان الدجال الذي قدم نفسه، بادئ الامر، كبطل وطني نهضوي، قد تكشف في نهاية المطاف عن بغل غشيم وعنيد يدق بحوافره كرامة تركيا، ويقحمها في خضم دوامة امنية وسياسية واقتصادية قاتلة، جراء امتثاله السخيف للذهنية الاخوانية العدمية والعبثية التي ثبت، بالتجربة الحية والبرهان العملي، انها ليست مهيأة للعمل السياسي من داخل شروطه، ولا مؤهلة للتعامل مع مستلزمات القضايا العامة او للتفاعل مع معطيات العصر ومستجداته وضروراته'.

وبعد..

انتهينا من التنويه بورطة اردوغان وخيبته الثقيلة، ولكن بقيت لدينا 'جملة اسمية' نوجهها الى الهلفوت السعودي المدعو عادل الجبير، لعلها تشكل نصيحة مفيدة له بان يعرف حجمه الحقيقي، ويبتلع لسانه الطويل، ويكف عن اطلاق التهديدات العنترية السخيفة للرئيس السوري بشار الاسد، مخافة ان يحيق به وببلاده ما حاق بالذئب الانكشاري المهزوم وتركيا المهيضة الجناح !!









Loading...




Home Page
كتب ممنوعة
اراء حرة
صورة وتعليق
اخبار طازة
برقيات عاجلة
شروط النشر
فضائح وفضائح
خبر وتعليق
سري جدا
لصوص ظرفاء
رسائل القراء
من ارشيفنا
هذا الرجل
هذه المرأة
كتاب البورتل
كاتب وكتاب
قصائد ممنوعة
 مقالات  مميزة
كتب للبيع
ارشيف الاخبار
قصائد المقدسي
صحف عربية
الافتتاحيات
مقالات ساخنة
صبرا وشاتيلا
أسامة فوزي
ملفات الفساد
 مقالات الاولى
الكتب السعودية