نهاية حفلة أنطاليا التنكرية .. هل تركيا بانتظار أخبار سيئة من أقوى رجل في العالم؟؟


November 25 2015 09:31

    كتب : نارام سرجون

  الحمدلله أن اللعبة التنكرية انتهت بعد أن استمرت خمس سنوات .. تعبت فيها الوجوه من ثقل الأقنعة .. وتعبت فيها الأقنعة نفسها من الوقوف والكذب .. وارهقت فيها العيون من النظر في الوجوه الجامدة .. وكانت الطائرة الروسية تسقط وتجرّ معها كل الأقنعة التي سقطت على جبل التركمان .. اللعبة انتهت بشكل غير متوقع وصادم وبدأ الحفل الحقيقي من دون رتوش ونفاق ..

كنا ونحن نرى مؤتمر أنطاليا نكظم الغيظ لأننا سئمنا هذه المسرحية والديكورات التي يضعها الغربيون من أجل اقناع العالم انهم جادون في محاربة داعش والارهاب من اجتماع داخل تركيا عش داعش .. كنا الوحيدين الذين نرى أن الأقنعة السوداء لداعش والنصرة لم تعد تخفي وجه أحد مقنع ولم يعد هناك داع لأي لثام بل صار من السذاجة على الغرب الاصرار على ارتداء الوجوه البلاستيكية .. لأن بصمات الملثمين رفعت عن كل زاوية وجريمة ومذبحة على طول مسرح الجريمة من العراق الى ليبيا .. وكانت أيديهم تصافحنا وهي مغمسة بالدم .. وسقطت من القتلة الصور التذكارية في كل الشوارع الشرقية وهم يعانقون قادة الغرب وملوك الرمل وسقطت منهم (جوازات السفر) وشهادة الميلاد قرب المجازر .. وعلى ثيابهم ظهرت بقع النفط المسروق من سورية .. وفوق كل هذا كانوا يجتمعون في أنطاليا من أجل "محاربة الارهاب" ..

في مقالة بالأمس كتبت أن لاأحد يصدق أن الغرب يريد انهاء الارهاب أو اسقاط داعش .. وكان الروس في المؤتمر يريدون احراج الغرب ليس الا ومحاصرته اعلاميا .. ولكن الغرب اليوم أعلن صراحة سقوط كل مؤتمر أنطاليا وسقوط كل الأقنعة التي هوت بسرعة كما هوت الطائرة الروسية بسرعة الى الأرض معلنة نهاية الحفلة التنكرية المملة والطويلة والسمجة والوقحة ..

لاشك ان الحركة التركية فاجأتنا جميعا ولم يتوقعها الكثيرون لأن تركيا لاتتصرف من دون العودة واستئذان الغرب وطلب الترخيص لكل عمل عسكري .. وكانت الضربة خارج التوقعات بشكل شبه مطلق لأن الغرب كان يصور نفسه على أنه ضحية للارهاب وأنه جاء الى أنطاليا لتوحيد العالم ضد داعش وكل الحركات المتطرفة الراديكالية .. ورغم أنه كان ينافق فان أحدا لم يصدق أن يتوقف عن النفاق بسرعة قياسية وخلال 48 ساعة من انهاء لقاء أنطاليا الذي ملئ وعودا ومصافحات وأيمانا مغلظة لانهاء الارهاب .. والمفاجئ في الحركة أيضا هو أن الغرب أعلن بهذا السلوك ضد الروس صراحة أنه معني بحماية داعش بالرغم من أنه استخدم طريقة مواربة للتملص من وعده بدعم ضرب الارهابيين وهي أنه لم يقبل بضرب القوى المعتدلة غير الداعشية .. الا أن السلوك العدواني تجاه الروس يعني فيما يعنيه أنه مهتم جدا بايقاف المشروع الروسي لضرب داعش دون أن يعلن ذلك .. فاحراج الروس وتهديدهم فيه هي رغبة طاغية في اخراجهم من معادلة الحرب على الارهاب لما لأدائهم العسكري من جدية واضحة وأثر بالمقارنة مع الأداء الغربي الرخو المائع  الذي صار بلا أثر بعد سنة كاملة على الضربات الغربية الجوية والذي ترجم خلالها البغدادي شعار (باقية وتتمدد) .. ومن كان ضحية للارهاب لايعمل على احراج من يأتي لمساعدته ولايعمل على ايذائه بل على العكس يوفر له كل السبل ليبقى بجانبه وكسب جهده العسكري .. وهذه اللامبالاة بحشد القوى الدولية ضد الارهاب تعني حرصا على عدم اسقاط الارهاب كمشروع غربي طموح بل العمل على حمايته وتوفير سبل بقائه وتمدده .. وهو يشبه التبجح "باعلان الحرب على الارهاب ولكن مع الاصرار على عدم التعاون مع الرئيس الأسد والجيش السوري" .. فاذا ابعدنا الرئيس الأسد ثم أخرجنا روسيا وايران من المعادلة فمن سيبقى ليحارب داعش؟؟ الجولاني أم زهران علوش؟؟ الحقيقة هي أن اخراج هذه القوى هو تثبيت للارهاب وتحالف معه .. وهذا هو المشروع الغربي ببساطة ..

الحركة الغربية المفاجئة تمثلت ايضا في أنها دفعت تركيا للقيام بها نيابة عنها وحمل الرسالة جوا فيما تصنع الغرب سياسة النأي بالنفس والدعوة الباردة لضبط النفس .. والكل يعرف أن تركيا لن تجرؤ على هذا التحرش دون ضوء أخضر غربي .. فالمنطق يقول بأن الحركة التركية هي بتحريض الناتو بشكل كامل ..

وتفسر هذه العملية المباغتة والمفاجئة رغم أن فناجين القهوة لاتزال على الطاولات في أنطاليا بأن الغرب فشل في تحويل مؤتمر أنطاليا الى منصة يستولي من خلالها على القرار الروسي بتدمير داعش وأشباهها أو يحتويه .. فالمؤتمر أراد أن يضم روسيا الى تحالفه لاأن ينضم هو الى تحالف روسيا .. وتحالفه يعني أن تصبح روسيا قوة مقاتلة ضد الارهاب ولكن تحت السيطرة والتوجيهات الغربية بحيث يلزمها التنسيق مع الغرب على الاعتراف بمكونات المعارضة الاسلامية التي تصنف معتدلة .. ويتم تقاسم ميدان الحرب ضد داعش مما يتسبب في تجنيب داعش الضربات القاتلة الروسية والموجعة .. ويتم بعد فترة اعلان فشل روسيا في محاربة الارهاب مثلما فشل الغرب .. وتبدأ خطوط التقسيم الواقعي يتثبيت نفسها .. فيتولى الغرب عملية احتواء داعش ثم استبدال داعش بقوى تسمى معتدلة ولكنها ترسم خط تقسيم سورية والعراق النهائي .. لكن الروس أبدوا فهما دقيقا للنوايا الغربية وأن الغاية من حمل روسيا الى منصة التحالف الغربي غايته حماية خفية للمشروع الغربي باقامة مراكز قوى اسلامية متطرفة .. واظهار روسيا على أنها فشلت ايضا ..

وبرغم هذا فان المغامرة الغربية من ناحية أخرى تعني أن الميدان العسكري في الشمال السوري صار يتجه نحو اعلان هزيمة مجلجلة للقوى الراديكالية الموالية للغرب .. ولابد من ايقافه حتى من باب التلويح بالمواجهة لايقاف الاندفاعة الروسية السورية والمعركة البرية المرتقبة في حلب وادلب التي سيخوضها الجيش السوري وروسيا وايران .. وهذه المناورة ضد الطائرة الروسية تشبه تمثيلية السلاح الكيماوي في الغوطة حيث أوقف التوتر الدولي المبالغ فيه هجوما كاسحا للجيش السوري نحو ريف دمشق وكانت تحصينات جوبر على حافة الانهيار لفتح الطريق نحو عمق الغوطة وانهاء التمرد في دوما ..

العالم اليوم لايهمه سوى الاجابة على سؤال واحد هو: كيف سيتصرف الروس؟؟ هل سيجزعون؟؟ هل سينكفئون؟؟ هل سيقرؤون الرسالة ويميلون الى العقلانية ومراجعة الحسابات؟؟ أم أنهم سيصبحون مثل النمر الجريح الذي يصبح في غاية الشراسة ويندفع نحو من يهاجمه ليمزقه؟؟

دعونا نقرّ بأن لاأحد توقع الحركة الغربية ولا أحد تنبأ بأن ينكث الغرب وعوده الأنطالية بسرعة ويحاول اخراج روسيا من المعادلة فيما حادثة باريس لاتزال طرية ودماؤها لم تتخثر على الطرقات .. وهناك رأي عام غربي يبحث عن الثأر ويرغب في مساهمة الجميع .. فاذا بالغرب لايبالي ويكلف اردوغان بمهمة افساد حفلة افتتاح الحرب على الارهاب .. ولذلك لايجب على أحد أن يسارع للقول بأنه قادر على التنبؤ بما سيفعله الروس الذين أيضا فاجؤوا العالم باندفاعتهم المذهلة في سورية ولم يتوقعها أحد أيضا .. ولكن أذكر أنني كتبت مقالة عن تحليل لقمة الرئيسين الأسد وبوتين وقلت انها (قمة الحرب والسلام) وأنها جاءت للاستعداد والتنسيق تجاه أي احتمال وطارئ يمكن توقعه من الغرب وتركيا اذا ظهرت في الأفق ملامح هزيمة عسكرية للقوى الاسلامية واندحارها كمشروع غربي .. أي أن هناك احتمالا واقعيا وضعه الروس والسوريون بأن رد الفعل الغربي يجب دراسته ووضع كل احتمالاته والاستعداد لها .. بما فيها التصعيد العسكري في الناحية الشمالية تحديدا عند تركيا ..

ولذلك فاننا يجب أن نميل الى الاعتقاد بأن هذه المناورة الغربية متوقعة من قبل القيادتين الروسية والسورية وان كانت في سياقات أخرى وليست بالضرورة بهذا الشكل الذي ظهر .. وهذا يعني أن علينا انتظار الخطة "ب" التي وضعت احتمال الرد الغربي على انهاء مشروع الارهاب الاسلامي في سورية والتي وضعتها القيادة الروسية بالتنسيق مع السوريين والايرانيين .. وهي غالبا استكمال الهجوم واعلان منطقة حظر جوي مطلق للطيران الغربي فوق المناطق التي تتحرك فيها المقاتلات الروسية واغلاق المجال الجوي السوري أمام الطائرات التركية التي تريد الادعاء أنها تنوي ضرب داعش أو الأكراد ..وربما تمدد هذا الحظر الى عدة كيلومترات داخل تركيا ريثما تستكمل روسيا عملياتها ..

ولكن الأهم أن هذه الصفعة الغربية بيد تركيا يجب أن تلاقي ردا روسيا من أجل هيبة روسيا وكرامتها .. فلايصح أن حزب الله تلقى صفعة من اسرائيل فردها خلال أيام في شبعا دون تردد .. والعالم بات يعرف الآن أن الأتراك على موعد مع الثأر الروسي خاصة أن بوتين لم يهدد بشكل منفعل بل اكتفى بالقول ان لذلك عواقب وخيمة على العلاقات التركية الروسية .. وهذا الضبط للكلمات دون المبالغة في استعمال كلمات نارية لايجب أن يثير الا القلق لا الاطمئنان .. وتبدو درجة الاستنفار العسكرية التركية قلقة للغاية وتنتظر أي أخبار سيئة ..  

ولكن على الأتراك أن يعرفوا أن الناتو لايفضل التصعيد ولن يخوض حربا من أجلهم مع روسيا حتى وان كانت تركيا أطلسية .. وكون تركيا هي التي اعتدت واعترفت بذلك فان هذا سيوفر ممرا للناتو للتنصل من التزاماته المباشرة تجاهها ان تطورت الأحداث في غير مايشتهي .. وتاريخ الروس معروف بأنهم ان غضبوا ذهبوا الى أقصى مدى في غضبهم .. وأن الغرب ان لمس ذلك فانه يستطيع ببساطة أن يقدم أردوغان وأوغلو قربانا لأي تهدئة مع الروس ويتجنب التصعيد .. بل ان البعض يرى في جنون العظمة الأردوغاني سلوكا يشبه سلوك صدام حسين حين قام بدخول الكويت تحت مظلة جواب السفيرة الاميريكية ابريل غلاسبي بأن الولايات المتحدة لن تتدخل في النزاع الكويتي العراقي .. وكان ذلك فخا قاتلا .. فهل هناك من قال لأردوغان العكس بأن الغرب سيتدخل بقوة اذا تحرش الروس به كونه عضوا في الناتو ؟؟ وقد يستجيب الرجل لجنون العظمة وهو يرى معجبيه يصفقون به ويبدون مبهورين بجسارته على تحدي أقوى رجل في العالم .. ولكنه اذا مادخل الفخ ترك لمصيره في مواجهة لايقدر عليها وتقوم اميريكا بتغيير الصف القيادي التركي لاعتبارات ناتوية ؟؟

اذا مادخل الغرب في مواجهة وتصعيد فان هذا يعني أن العالم تشقق من جديد وحدث تحالف ناتوي اسلامي تتولى فيه تركيا قيادة الاسلاميين الجدد جنود الناتو المخلصين وسيتداعى بسبب ذلك كل العالم الناهض الى مواجهته من الصين الى كل دول البريكس ..لما سيسببه من قلق على بقية العالم الذي سيدرك أن من الخطأ القاتل التساهل مع هذا التحالف الشرير ..ونحن عندها مقبلون على مواجهة القرن ..

الأيام القادمة ربما ستقرر مصير الحرب في سورية ومصير الدور التركي وقد تحدد نهاياته أو نهايات الحرب السورية .. أو بداية طويلة الأمد لمواجهة القرن الباردة بين عالمين .. لكن السؤال الذي يؤرق الجميع هو متى تتلقى تركيا الأخبار السيئة؟؟ الجميع بانتظار ساعي البريد الذي سيدق قصر اردوغان ويسلم الرسالة الجوابية للقيصر .. فلاديمير بوتين .. أقوى رجل في العالم ..













Home Page
كتب ممنوعة
اراء حرة
صورة وتعليق
اخبار طازة
برقيات عاجلة
شروط النشر
فضائح وفضائح
خبر وتعليق
سري جدا
لصوص ظرفاء
رسائل القراء
من ارشيفنا
هذا الرجل
هذه المرأة
كتاب البورتل
كاتب وكتاب
قصائد ممنوعة
 مقالات  مميزة
كتب للبيع
ارشيف الاخبار
قصائد المقدسي
صحف عربية
الافتتاحيات
مقالات ساخنة
صبرا وشاتيلا
أسامة فوزي
ملفات الفساد
 مقالات الاولى
الكتب السعودية