واشنطن تتعامل في السياسة بمنطق العصابة والسر في زيارة الأسد لموسكو


November 08 2015 13:06

    كتب المحامي : محمد احمد الروسان
عمان - الاردن

الثوابت الطبيعية الجغرافية، هي التي تفرض استراتيجيات الدول المختلفة الفاعلة والمقرّرة ازاء أي منطقة، وتعمل الدواعي التاريخية على تحريكها لتلك الأستراتيجيات الخاصة، بالفاعلين من الدول أو حتّى الحركات والجماعات ذات الأذرع العسكرية، والتي تكون أقل من دولة وأكبر من حزب أو حركة أو جماعة.

والجغرافيا أي جغرافيا، نعم قد تكون صمّاء لكنّ التاريخ هو لسانها، وصحيح أنّ التاريخ هو ظلّ الأنسان على الأرض، فانّ الجغرافيا الصمّاء هي ظل الأرض على الزمان، ولفهم جلّ المشهد الدولي وانعكاساته على المشاهد الأقليمية في أكثر من منطقة وأزيد من مكان وساحة وتفاعلات ذلك وتداعياته، لا بدّ من استدعاء الجغرافيا والتاريخ كلسان لها.

واشنطن وحلفائها من غرب وبعض عرب، يريدون دولة عربية قطرية جديدة مبنية على فرز ديمغرافي وجغرافي، بأساس التجانس المذهبي وليس التجانس السياسي وخير مثال على ذلك: العراق وسورية، وباقي الدول التي يغلب عليها عدم التجانس الطائفي بدواخلها الأجتماعية ستؤول نحو التفكك والفرز الديمغرافي والجغرافي، في حين أنّ الدول التي يغلب عليها التجانس المذهبي كمصر وليبيا سيصيبها ضعف في المركز وعدم قدرة هذا الأخير(المركز)على السيطرة على الأطراف.

سلّة التحالفات الأمريكية ومن ارتبط بها، تعمل من جهة على محاصرة الأرهاب الآن ومحاربته في العراق وسورية، ومن جهة أخرى تحاول ايجاد حلول سياسية للحدث السوري فتتفاعل مع موسكو وايران في النمسا، في فوضى لقاءات ماراثونية وحمّى تصريحات متناقضة، حيث يمكن اعتبار الهدفان للعاصمة الأمريكية بمثابة حصان طروادة لأكمال مسيرة التفتيت والتقسيم للمنطقة، ولكن هذه المرّة في اطار البناء الجديد المتساوق مع مصالحها وليس الهدم، حيث الأخير كان المرحلة الأولى من مشروع استراتيجية التوحش، والآن بدأت المرحلة الثانية: البناء في اطار تقسيم المقسّم وتجزئة المجزّأ وتفتيت المفتت.

نواة(البلدربيرغ)في الولايات المتحدة الأمريكية، لن تسمح لمجتمعات الدواعش التي أنتجتها من رحم القاعدة وأخواتها باستقطاب السنّة، ولن تترك بشّار الأسد في السلطة رغم تغير مزاجها السياسي(ايحاءات تكتيكية مخادعة في فينّا)، وتعمل على طرد حزب الله من سورية، وتسعى للتغلغل داخل مفاصل الدولة الأيرانية من خلال استراتيجية التطبيع الناعم لتفجير ايران من الداخل، وتسعى لتفكيك المحور المقاوم لبنة لبنة وحلقة حلقة، وتستثمر بخبث في المعتدل من الأرهاب(وكأنّه هناك ارهاب معتدل وارهاب غير معتدل)عبر بناء معارضة سورية معتدلة قويّة من بقايا ما يسمّى بالجيش الحر وجبهة النصرة وأخواتها، تضم الأكراد وأبناء الطائفة العلوية وغيرها من الطوائف الفضائيّة من خلال ساحات دول الجوار السوري، صنعوا الأمريكان داعش كعصابة فيروسية مغرقة في التطرف(نيولوك ارهاب)، بعد استثماراتهم في فكر ابن تيمية وبالتعاون مع المنظومات الوهابية، لتقديم جبهة النصرة(بنيولوك مستحدث على أنّها معتدلة)وهذه صفاقة سياسية أمريكية بل وقاحة أمريكية بامتياز.

زيارة الأسد لموسكو جاءت بعد توقيع التفاهم الروسي الأمريكي على آليات التعرف، ومنع وقوع الحوادث بين الطائرات في السماء السورية، ومسار رحلة الأسد أبو حافظ كان من مطار حميميم في اللاذقية، فالعراق، فايران، فقزوين، فموسكو، يشابه مسار صواريخ كروز الروسيّة كاليبرد المجنّحة التي أطلقت من قزوين، فايران، فالعراق، فالشمال السوري، راجع رابط مقابلتنا على قناة الأخبارية السورية في 27 – 10 -2015 م التالي:

https://www.youtube.com/watch?v=R5z49mPvp3A

ترجمة مسار رحلة الأسد ومسار الكروز الروسية سياسيّاً وبالمعنى الأستراتيجي هو التالي: نحن أمام رسالة ومعادلة روسيّة عميقة وقاطعة في أنّ موقف نواة الأتحاد الروسي(الموقف السياسي والموقف العسكري) يتقاطعان في نقطة واحدة: ممنوع اسقاط الأسد، والأخير تجتمع فيه شرعية تمثيل الشعب السوري، ورئاسة الجمهورية العربية السورية، وقيادة الجيش العربي السوري والمخابرات، وهو العنوان الوحيد لمكافحة مشاريع الأرهاب في الغزو، وتغيير الهندسة الأجتماعية للمنطقة باستخدام الأدوات الأرهابية، وهو بشخصه ونسقه السياسي السوري ومنظومات حكمه، من يمنع الأصوليات الأرهابية الثلاث(الصهيونية العالمية، الوهابيّة جذر الأولى، والعثمانية الجديدة)من تفجير المنطقة الشرق أوسطية.

لقاء رباعية العاصمة النمساوية في 23 – 10 – 2015م(على نطاق ضيق وكان لقاء المتناقضين) راجع مقابلتنا على قناة اللؤلؤة عبر هذا الرابط:-

https://www.youtube.com/watch?v=uQFwubutdrk

ولقاءات ذات العاصمة النمساوية الموسّعه وبمشاركة ايرانية لأول مرة في منظومة البحث عن حل سياسي للمسألة السورية في 30 – 10 – 2015 م الجمعه، وأي لقاءات قادمة وفي أي مكان وزمان، هي نتاجات طبيعية في سياقات زيارة الرئيس بشّار الأسد الى موسكو، والتي حاك خيوطها(أي الزيارة)رئيس جهاز الأستخبارات الروسية الجنرال ميخائيل فرادكوف باشراف من الرئيس بوتين نفسه، وبالتنسيق مع حلقة ضيقة جدّاً محيطه بالرئيس الأسد، والتي عملت دمشق وموسكو من خلالها لترجمة وتسيس الفعل العسكري الروسي لعاصفة السوخوي، لصرفه في مصرف السياسة الدولية والأقليمية، وفي مصارف البعض العربي الدائر في المجال الحيوي الأمريكي، فهل تشكل لقاءات فينّا أول محطة دولية اقليمية جديّة على أتوستراد الذهاب لحل لجلّ الحدث السوري؟ وهل المواقف ما زالت متباعدة بين كافة الأطراف؟ هل تكون لقاءات فينا محاولة أمريكية لوقف العمل العسكري الروسي الشرعي، وتحت عنوان البحث عن حل سياسي، عبر اطلاق العملية السياسية السورية بالتعاون مع الأمم المتحدة، بالرغم عدم شمل وقف اطلاق النار الجماعات الأرهابية؟ هل الحروب في القرن الحادي والعشرين صارت حروب وجود وبقاء، لا حروب مصالح وتوسّع فقط؟ وهل التدخل العسكري الروسي الشرعي في سورية مؤشر على ذلك؟.

في جلّ الخلاف الأممي وفي كواليس الفاعلين(الروسي والأمريكي وحلفائهما)في التوصل الى حل سياسي للحدث السوري، ثمة فريقين باتجاهين مختلفين، فريق يصر على رحيل الأسد ولو كان بديله نصرة أو داعش أو فاحش، وفريق يرفض تكريس منطق تنحي الأسد بالقوّة وينادي بسلّة سياسية كاملة متكاملة ركيزتها الأولى محاربة الأرهاب.

الأمريكان وجوقتهم يريدون المرحلة الأنتقالية لمدة ستة أشهر أو ثمانية أشهر، في حين الفريق الآخر عبر الروسي يريد سلّة سياسية متكاملة وكاملة وناجزة تبدأ في القضاء على الأرهاب، وتشكيل حكومة وحدة وطنية انتقالية حقيقية، ثم تجيء الأستحقاقات السياسية الأخرى، من وضع دستور سوري جديد يطرح على استفتاء شعبي وحقيقي، يليه انتخابات نيابية ورئاسية مبكرة وباشراف الأمم المتحدة مثلاً(لدى دمشق ثمة حدود لما يمكن القبول به أو رفضه، مع أي تصور سياسي أو مبادرة سياسية)وأي تنازلات سورية تكون لمصلحة الحل السياسي المتكامل وهذه هي الرسالة السورية(لا أحد يعرف كيف تفكر دمشق).

قواعد اللعبة وقواعد الأشتباك تغيرت في الميدان السوري وعلى حدود دول جواره العربي والتركي ومع الصهيوني بعد الفعل العسكري الروسي، وتم ابلاغ تل أبيب عبر الروسي، بعدم اعتراض الطائرات السورية والروسية التي تغير بالقرب من الشريط الفاصل على مجاميع الأرهابيين المسلّحين، والروسي هنا أوصل رسائله لدول الجوار السوري مجتمعةً: أي اسقاط لأي طائرة روسية سنوسع من رقعة الحصاد ضد الأرهاب المدخل، وبالتالي وجود أي سلاح دفاعي جوي على كتف ارهابي، هو استهداف للروسي ومحاولة فاشلة لتكرار السيناريو الأفغاني، وهذه الرسالة وصلت الرياض وقطر أيضاً، لأن الرد الروسي سيكون في اليمن عبر الجيش اليمني وأنصار الله، وأنّ الأجندة العسكرية الروسية في سورية ماضية دون تغيير، وكذلك الأجندة الروسية السياسية لحل الأزمة ماضية، والأخيرة لم تفرض تعديل على الأجندة العسكرية لموسكو في الميدان السوري، لا بل الأجندة العسكرية تتوسع بالمعنى العرضي والرأسي، لجلّ الحغرافيا السورية بما فيها الخط الفاصل مع الكيان الصهيوني في الجنوب السوري كلما ضاق الأفق السياسي، فأي حل سياسي جوهره ومضمونه أولوية مكافحة الأرهاب في الداخل السوري.

في (فينّا 1 وفينّا 2)وأي فينّات قادمة، مسارات جديدة بدأت، وصار الأمريكي وسيطاً فيها لا طرف، وهنا قمة الخطورة أن يصبح الأمريكي وسيطاً في صراع لا طرف(أعلن أوباما اجازته لأرسال قوات خاصة الى الشمال السوري لمقاتلة داعش، فهو "غمّز" على اليمين وسيذهب الى الشمال حيث الجنوب السوري، مع ارساله لقواته المجولقه الى الشمال – الجنرال أويد أوستن قائد المنطقة الوسطى كان في عمان أواخر هذا الشهر فماذا جرى)وتراهن واشنطن وحلفائها من بعض عرب وبعض غرب على تسوية غير نهائية، وصحيح أنّ مفهوم الدولة في الشرق الأوسط انتهى وخارطة سايكس وبيكو الى اندثار تحت وطأة رهانات تحالفات واشنطن الفيروسيّة المهجّنة(ارهاب مهجّن ومهدرج)، لكن في نفس الوقت أنّ التدخل الغربي لأسقاط الدول والغزو البري الأطلسي ولا سيما الفرنسي والبريطاني والأمريكي انتهى الى غير رجعة، والشرق الأوسط يتغير باتجاه أفق اقليمي ودولي نحو الشرق، فهل ينجح الروسي عبر فعله العسكري في حياكاته الجديدة لديكتاتورية الجغرافيا السورية في تدوير الزوايا الحادة في المنظومة الدولية، حول الصراع في سورية وعلى سورية؟. لكنّ واشنطن وجوقتها تسعى الى اتفاق ما مع موسكو وطهران وفي نفس الوقت تسعى الى دعم جماعاتها المسلّحة في سورية، أملاً بانشاء اقليم معارضة معتدلة كما تسميها، وهي في نفس الوقت تنفي منافسة روسيّا في سورية كي يتسنّى لها أقلمة الجغرافيا السياسية السورية، بحسب التجربة العراقية، وبحسب ما تدعوا اليه في اليمن وليبيا.

العاصمة الأمريكية واشنطن دي سي من جهة ما باركت الجهود الروسية ازاء الملف السوري من فوق الطاولة، وفوّضت أطراف عربية اقليمية لأفشالها عبر مبادرات مماثلة من تحت ذات الطاولة(تلك الأطراف المعنية كانت في فينا بنسختيها حتّى اللحظة)، ومن جهة أخرى ترسل الرسائل العدائية لموسكو، والهدف من جلّ ذلك أنّ المباركة الأمريكية لموسكو في الملف السوري شيء ولا تعني تبخّر الخلافات على طول الخطوط الروسية الأمريكية، ولا تعني بذات الوقت أنّها بوّابة لتقارب ما مع روسيّا، بل هي تكريساً للقاعدة الأمريكية في فصل الملفات عن بعضها البعض، مباركة هنا من فوق الطاولة وفعل سلبي من تحت الطاولة لذات الملف عبر أدواتها من أطراف عربية اقليمية، مع فصل ذلك كله عن ملف عدائها وتنافسها مع الروسي على الساحة الأممية.

أروقة صنع القرار في العاصمة الأمريكية واشنطن دي سي، تسعى الى كسب حروب الولايات المتحدة الأمريكية سواءً في سورية أو أوكرانيا، وفي صراعاتها مع الصين وروسيّا، وفي فنزويلا وجلّ أسيا وفي كوبا عبر عودة العلاقات، عبر مخططات هندسة توريط حلفائها وأدواتها، من خلال اجتراح هندسة أنواع جديدة من حروب وغزوات يخوضها الآخرون(الأدوات)، بالنيابة عنها وعن المجمّع الصناعي الحربي وبلدربيرغه في الداخل الأمريكي، فيما تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بالجلوس حول موقد نار حروبها، تلتقط الكستناء وبيض الحجل الطازج من بين ما أشعلته آيادي حلفائها وأدواتها وعملائها، بتوجيه وايعاز من نواة ادارتها(جنين الحكومة الأممية)، وعندّ الأزورار بالكستناء والبيض المشوي تحتسي النبيذ المعتّق حتّى لا تموت بازورارها.

وحتّى في اليمن، حيث الجميع في العالم شاهد وعلم بتهريب 2 طن حبوب الكبتاغون(عينك عينك)عبر طائرة خاصة من لبنان الى الرياض من خلال شحنة أحد الأمراء السعوديين وما أكثرهم، هذه الشحنة هي ليست للأستهلاك الشخصي(2 طن مخدرات؟؟!!)، لو ربطنا هذا الحدث الكبتاغوني التخديري بمعلومات أعلنت في 16 – 10 -2015 م من قبل مجتمع المخابرات السوري، ومسندة من المخابرات الروسية، مع صمت مخابراتي أمريكي وفرنسي وبرطاني مؤشر لصحتها، عن وصول أربع طائرات من تركيا الى عدن تحمل زبالة الأرهاب المرتد والهارب من الداخل السوري، بجانب مجموعات من البلاك ووتر الأمريكي من متعاقدين من الجيش الكولمبي السابق كما أعلن راديو RCN  الكولمبي، حيث جنسيات الطائرات معروفة ولا داعي لذكرها(نتيجة فعاليات الفعل العسكري الروسي من الجو)من دواعش ونصرة وأحرار الشام والتي تتعتبرها قطر معتدلة وهي في الحقيقة طالبان سورية، هذا الربط بين الحدثين يقود الى التالي:

شحنة الطائرة كانت ستذهب الى عناصر زبالة سلّة الأرهابيين المشحونيين عبر الطائرات الأربع الى اليمن، كون ذاك المخدر هو بمثابة الوقود الحقيقي لأجرام هذه الجماعة(نازيو القرن الحادي والعشرين)، كما ستذهب الى مرتزقة وجنود وعملاء تحالف العدوان العربي على اليمن العروبي بما فيهم البلاك ووتر العربي من بعض الساحات العربية المعروفة لدينا، لتوفير فائض قوّة الذي توفره هذه السموم في وجه الصمود الأسطوري للجيش اليمني والمقاومة الشعبية ولأنصار الله.

من جهة ثانية الغرب بات يدرك أنّ ناتج تقسيم المنطقة لن يعزّز من أمن"اسرائيل" في شيء، لذلك صار يتراجع عن الحرب على سورية وفي سورية، حيث أوروبا مترهلة اقتصادياً والمزاج الغربي تغير ازاء سورية، وموسم الأنتخابات على الأبواب في جلّ القارة العجوز. ونشر البيت الأبيض المستمر لصور نادرة لأحداث أيلول الأمريكي الأسود ليس أمراً عادياً، بل هو تذكير للشعب الأمريكي بفاجعته الكبرى خلال العصر الحديث، وهو هدف لتحضير الرأي العام الأمريكي لتحولات ما من أجل قبول التحول الأمريكي في الملف السوري من باب محاربة الأرهاب.

ومع ذلك لا استدارات أمريكية كاملة في المنطقة وخاصةً ازاء الحدث السوري، بل هناك ادارة للأزمة، وما يجري من حراك دبلوماسي وسياسي ومخابراتي واقتصادي يوحي أنّ هناك استدارات أمريكية، بالرغم من وجود تفاهمات سياسية تصل درجة الأتفاق السياسي في قلب الأتفاق النووي، وبالرغم من طلب مؤسسة راند البحثية الأمريكية، والتي تقدّم استشارات للمؤسسة العسكرية الأمريكية من البنتاغون ومجتمع مخابراته البدء بالمرحلة الأنتقالية في سورية ببقاء الرئيس الأسد وبقيادته واشرافه.

اذاً اتفاق سياسي أمريكي ايراني في قلب اتفاق ايران النووي، اتفاق سياسي على اعادة تشكيل المنظومة الأقليمية في المنطقة، اتفاق حصلت عليه ادارة أوباما والسؤال هنا: هل نحن عندّ عتبة الحل السياسي في سورية؟.

ولأنّ السياسة الدولية هي فن ادارة التناقضات، نجد واشنطن تدعم قوات الحماية الكردية السورية في مواجهة داعش، فهي تدعم ذراع PKK السوري ضد تلك العصابة، بما يتناقض مع المصالح التركية، فهي تدعم قوات الحماية الكردية لمحاربة عصابة داعش، لكن دون مواكبتهم في بناء مشروعهم السياسي حتّى لا تغضب تركيا، حيث الأكراد السوريين صاروا يتمتعون بفائض قوّة يزعج أنقرة. ويبدو أنّ الأكراد حاجة أمريكية وايرانية على السواء في مشروع النظام الأقليمي الجديد للمنطقة، حيث واشنطن تسهّل الدور الكردي على الأرض في الحرب على داعش كما في تل أبيض وكوباني، مع التأكيد أنّ ايران لن توافق على تسوية للنزاع في سورية، من شأنها أن تقطع أو تلغي الجسر الذي يتلقى حزب الله امداداته منه، لذلك قلنا ومنذ البدء أنّ معركة القلمون السوري هي معركة صراع الأرادات الدولية والأقليمية.

ونلحظ اتصالات سعودية سورية في القناة الروسية، في حين أنّ الرئيس في لبنان يكون بوضع سورية على سكّة الحل السياسي، مع التأكيد أنّه لا تطورات ولا استدارات الآن، وسيبقى الملف الرئاسي في لبنان على لائحة الأنتظار الأقليمي والدولي.

وهل نحن بصدد ترجمات سياسية للفعل العسكري الروسي في سورية مترافق مع تسييل اقليمي للآتفاق النووي تحت وضع المنطقة كلّها على سكة التسويات؟ هل حسم اليمن للسعودية والعراق لأيران؟ وهل حسمت سورية لروسيّا وليبيا لأمريكا؟ حسناً اذاً أين باقي الساحات في المنطقة؟ هل غدت تفاصيل؟ ساحات قد تصبح فرق عمله بسبب استراتيجيات الطبخ الرديء، والتي لا تنتج الاّ سياسات باعة الأرصفة يوم الجمع، وبسبب دبلوماسيات الصعاليك.

تدحرجت الفكرة ضمن التفاهم الروسي الأمريكي، ثمة أثمان أخرى تطرح على الطاولة في السياسة كما في الأقتصاد والعكس أصح وأعمق، ثمة فرصة للقاء سعودي سوري علني برعاية روسية قريباً في موسكو، حيث يوجد تفويض أمريكي لروسيّا للتوصل الى تسوية سياسية للنزاع السوري، وفي نفس الوقت تعمل على عرقلته، في لبنان نتجه الى صيغة جديدة أقل من الطائف وأكثر من الدوحة، أو اعادة هيكلة للطائف لا هندرة، كون الأخيرة تعني الشطب، وان كان الشطب لأتفاق الطائف يريح المارونية في لبنان، كون الدور السياسي تراجع للأخيرة، ومنذ تطبيق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية.

واذاً طاولة التسويات السياسية سوف تلفح الجميع، بما فيها الساحة اللبنانية والفلسطينية وارتباطاتهما بالساحة الأردنية(الأمريكي ومعه الأسرائيلي من تحت الطاولة يعتبرانها الحلقة الأضعف)، وان كان ما يجري في المنطقة الآن وبعد الفعل العسكري الروسي في سورية، هو بمثابة ادارة للأزمات في الشرق الأوسط لحين نضوج الحلول، فالنتائج ما زالت صفراء وصفراء وصفراء.

وتأسيساً على ما تم ذكره سابقاً، هناك جهود روسية عميقة تتموضع بشكل أساسي على تحقيق أو خلق مقاربة تمهد لنصف استدارة على طول خطوط العلاقات السورية السعودية، والسعودية الأيرانية عند عتبة نضوج الصفقة الأقليمية والدولية. فلا أفق لأي حل سياسي ان في سورية بمعزل عن الرياض وحلفائها، وان في اليمن بمعزل عن دمشق وطهران وحلفائهما، وبعبارة أكثر وضوحاً في هذه الجزئية(اليمن مقابل سورية).

فروسيّا هي من تهندس اللقاءات السورية السعودية غير المعلنه أو في طريقها لذلك، لخلق المقاربات للوصول الى الأنصاف في الأستدارات، والتي حتماً ستقود في النهاية الى استدارات كاملة وشاملة وقاطعة لحظة النضوج، لكنها تحتاج الى عمليات استثمار في الوقت وبالعمل التراكمي وسيأخذ ذلك زمناً. والعاملين في كواليس مطابخ صنع القرار الروسي يجهدون لأنتاج حل للمسألة اليمنيّة أو الحدث اليمني، وهو ذات الجهد والمجهود لأنتاج حلحلة الحل للمسألة السورية وملحقات الحل، ان في لبنان، وان في العراق، وان في ليبيا، والغائب فلسطين كل فلسطين المحتلة، اللّهم الاّ فيما يتعلق بجعل الساحة الأردنية كمخرجات للملف الفلسطيني، والذي صار ملفاً ثنائيّاً بامتياز على المسار الفلسطيني الأسرائيلي، كجزئية من مشهد الصراع العربي الصهيوني الأستراتيجي ككل، حيث المستفيد الوحيد والأوحد "اسرائيل" من كل ما يجري.

وبالمطلق يبدو أننا أمام المسار الأول من النظام الأقليمي الجديد الذي بدأ من اليمن الى سورية، فمسار النقاشات بين واشنطن وايران انطلق من هنا ومن هذه الفكرة، في القدرة على ترميم نظام اقليمي جديد، لن يكون بديلاً عن سايكس بيكو بالمطلق،  حيث تم التفاهم والأقرار على عدم البدء في تجويفات لجغرافيات سايكس بيكو بالمعنى السياسي والأمني تحديداً، وتم الأتفاق على تطويره وتحديثه وادارته ذاتياً ولكن بمعايير جديدة ومستحدثة.

كون التجويف لجغرافية سايكس بيكو وحسب المنطوق الروسي والأيراني يرسّخ تنظيم داعش كعصابة عابرة للحدود، وهذا من شأنه أن يقضي على معظم المكونات المسماة بالأقليات، وهي في طبيعة تكوينها السياسي نواة التوازن بمعناه السياسي الأستراتيجي.

اذاً قواعد ومسارات اللعبة في المنطقة كلّها تغيّرت بفعل الفعل العسكري الروسي و الأتفاق النووي مع ايران، والنظام الأقليمي الجديد الرأسي أساسه ايران، فهو بين سورية واليمن ميدانيّاً، وهو من سيحدد مصير لبنان ونظامه السياسي بالعناوين المطروحة في سياق تكوينيّ وكيانيّ.

انّ الرهان الغربي والأميركي وبعض العربي، على تخلي موسكو وطهران والصين عن النسق السياسي السوري وبعد خمس سنوات ويزيد من الحرب الكونية، هو رهان خاطئ لا بل وساذج لأنّه ببساطة، كون سورية أصبحت مفتاح التحولات في منطقة الشرق الأوسط والعالم، إيران تدرك أنها مستهدفة من خلال سورية، أمّا الفدرالية الروسية، التي تمنحها سورية إمكانية العبور إلى الشرق الأوسط بأزماته وثرواته، وفرصة إيجاد تعددية قطبية جديدة تتوزع فيها المسؤوليات والواجبات والمزايا والعطايا، وحيث الدول ليست جمعيات خيريّة فما يحكمها المصالح والمصالح فقط بجانب الروابط الأستراتيجية واستهدافات الأمن القومي، وفي ظل تراجع مشروع الهيمنة أو الأحادية الأميركية الى حد ما، ورغم سعي واشنطن للسيطرة على العالم رغم ما تعانيه من أزمات متشائلة، لذلك موسكو لا تريد خسارة ورقتها السورية التي تسمح لها بالإطلالة على البحر المتوسط، والذي يشكل رافعة إستراتيجية لمعابر النفط والغاز، لذلك كانت موسكو شرسة بما يجري في أوكرانيا، والأخيرة نتاج المسألة السورية بتفاصيل الموقف الروسي نحوها.

والمفهوم الصيني للمسألة السورية، ينطلق من ذات المفهوم الروسي والأيراني، والصين تدرك أيضاً أنّ المجمّع الصناعي الحربي الأمريكي يعتبرها هي العدو والعدو والعدو الأول، لذلك نجد الآن كيف يتم تفعيل منظمة شنغهاي روسيّاً وصينيّاً وايرانيّاً لتلعب أدوار حلف وارسو الجديد، مقابل العلاقات مع الأطلسي بوجه العسكري والمخابراتي بعد قمة لشبونة الشهيرة(قبل مرحلة ما سمّي أمريكيّاً بالربيع العربي).

وعبر هذه الخلفية الأستراتيجية فانّ موقف نواة الدولة الوطنية الروسية، يوصف بأنّه يتعاطى ويتحرك وفق ذهنية أمن قومي داخلي خاص به، بعبارة أخرى أنّه إذا سقط الحليف السوري كنسق سياسي وبرمزه الرئيس بشّار الأسد وبالأخص في هذه المنطقة الجغرافية، فهو سينعكس سلباً وبعمق على الوضع الروسي الداخلي وتعقيداته وتشابكه مع محيطه ومجاله الحيوي.

انّ مجتمع المخابرات الروسية يدرك جيداً أنّ رؤية ومشروع مخطط جنين الحكومة الأممية( البلدربيرغ)، هو في تنصيب الجمهوريىة التركية في ظل حكم حزب العدالة والتنمية الأسلامي وجعلها رأس الحربة في هذا المشروع، كي تلعب هذا الدور في الحدائق الخلفية لموسكو وذات دول الخلفيات الأسلامية، أي بمعنى أن الغرب يقول للأتراك:- (يا تركيا) لا أمل لك في الانضمام إلى أوروبا، وعليك الدخول إلى هذا الشرق ولعب هذا الدور لصالحنا ولصالحك في شرق آسيا وشرق البحر المتوسط، وبالتالي من هذا المنطلق أو التحليل تتحرك ذهنية وفكر الروسي، بأنّ تركيا لا يجب أن تنتصر في هذه المعركة خوفاً على الفيدرالية الروسية، وحماية لها ولحلفائها ومجالها الحيوي، ومؤخراً دخلت أوكرانيا على هذا المفهوم، فضمّت القرم الى الأتحاد الروسي وعبر استفتاء شعبوي بعيداً عمّا يروج له الأعلام المضاد، اعلام البلدربيرغ الأمريكي ومن ارتبط به من اعلام العربان وأشباههم.

هذا الترابط في النقاط  الأساسية والمشتركة بين الدور التركي والأطلسي في المنطقة، يدفع الروس للاستنتاج بأنه إذا تم إيذاء سورية، فسوف يكون إيذاء مباشر لروسيا ومن ثم الصين، وهو ترابط  أخطر من المصالح، فاذا حسمت المعركه حسمت باسم الأطلسي وتركيا، والدور بعدها سيكون الى آسيا الوسطى والجمهوريات السوفيتيية الاسلامية، الموضوع أبعد من المصالح بين الدول وله علاقة مباشرة بتهديد الأمن القومي الروسي في العمق مباشرة، لأنه يمثل خطر على روسيا عبر نقل الحركة الاسلامية الاخوانية الى حدودها، والى داخلها بنفس منطق الحركة الاسلامية في الربيع العربي والذي ان انتصر كليّاً، فستتولى تركيا اكماله في روسيّا نيابة عن الأمريكيين والغربيين، هكذا هي تركيا في مخيخ وعين نواة الفدرالية الروسية وهكذا ينظر الروسي الى التركي بشكل عام.

من هذه الرؤية الأستراتيجية التي تحاكي المنطق أو التحليل، أتت المواقف الروسية المتشددة لمصلحة سورية، والتي أعقبت أيضاً الفيتو الروسي الصيني المشترك لأكثر من ثلاث مرات متتالية في مجلس الأمن الدولي، ثم جاء الفعل العسكري الروسي في الداخل السوري، وهذا يؤكد على وجود مقاربة روسية جديدة ومختلفة عما مضى تم تطبيقه حتّى اللحظة، فصانع القرار في موسكو معنيّ بالدفاع عن سورية، ولن تكفيه في مرحلة التراجع الأميركي حصة افتراضية في واقع افتراضي يراد أن يتحقق أميريكياً في الساحة السورية، لمرحلة ما بعد الخروج من العراق والخروج من أفغانستان، بالرغم من أنني لا أعتبر ذلك خروجاً أمريكيّاً، بقدر ما هو اعادة انتاج للدور الأمريكي عبر(الهندرة) كمفهوم في اعادة البناء والتأسيس، بكل ما ينطوي عليه من معانٍ وأبعاد وتداعيات استراتيجية في المنطقة والعالم.

انّ عملية(الكباش المتجدد المعلن وغير المعلن)على طول خطوط العلاقات الروسية الأمريكية ومن خلفها مع الغرب بعد الفعل العسكري الروسي  في سورية، تقود الى حروب أعمق من الحرب الباردة وأشرس من حرب عسكرية، وهذا ما يبرر توجه المزيد من مجموعات الخبراء والمستشارين الأمريكان الروس، من مختلف قطاعات الجيش الأمريكي الى الجغرافيا السورية، بعد الفعل الروسي العسكري والذي توسّع ليشمل الجنوب السوري والبدء في القنيطرة وفيه اخراج لما يسمى بالجيش الحر من دائرة الأستثناءات كأهداف عسكرية ويسبق أي فعل عسكري أمريكي في الجنوب السوري، مع الحسم الوشيك في جغرافية القلمون السوري، استعداداً لما قد يحضّر لدمشق من الجنوب السوري وما قد يحظّر لها في الشمال مع تركيا، وهو ما يبرّر أيضاً توجه عدداً من السفن الحربية الروسية من القرم باتجاه المتوسط، لتعزيز قاعدتها العسكرية في طرطوس، بحيث يبدو أيضاً أن لهذه القاعدة حسابات لا يمكن أن تلتقي مع التي تؤسس لها واشنطن وتعمل من أجلها عبر التعاون مع الغرب وبعض العرب الواهم، وهذا ما يعزّز الحرب بالمفهوم السابق وصفه، بما فيه أي تسوية محتملة للمسألة السورية والمسألة الأوكرانية.

روسيّا تدرك ديكتاتورية الجغرافيا السورية، كما تدرك حالة الخلع الأستراتيجي في المنطقة، وأنّ سورية بنسقها السياسي وعنوانه بجانب الجغرافيا منطقة إستراتيجية لا تفوّت، ولذلك ترغب في زيادة نفوذها فيها من خلال توسيع قاعدتها البحرية وخاصة بعد أن صار القرم جزء من الأتحاد الروسي، فهي تشعر بالقلق والاستفزاز وتهديد لها بما يحصل من نشر رادارات الدرع الصاروخي الأطلسي في كل من تركيا وبولندا، لذلك لن تتخلى عن منطقة نفوذها في المنطقة كونه يهدد مصالحها ويعزلها ويؤثر على اقتصادها ومجالها الجيوسياسي، وهنا تبرز أهمية دور موقع سورية الجغرافي وكلاعب كبير في السياسات الإقليمية والدولية، بجانب تماسك دولاتي لمؤسسة الجيش العربي السوري العقائدي وانجازاته الميدانية المستمرة كاستثمار ميداني لفعل الطيران الحربي الروسي في السماء السورية، والذي وفّر الفرصة الكافية لتماسك القطاع العام السوري، وهى أوراق مهمة وقويه تعتمد عليها سورية ونسقها السياسي في مواجهة المؤامرة والخروج من الأزمة، بمسار سياسي وحسم عسكري لمجاميع الأرهاب المدخل.

أحسب وأعتقد أنّه ورغم كل ذلك، ما زالت العاصمة الأمريكية واشنطن دي سي تدخل في حزم جديدة من الأزمات لا حزم حلول لمتاهاتها العميقة في العالم، وخلال فترة زمنية قصيرة لا تتجاوز الست سنوات، عزّز مجلس الأمن القومي الأمريكي استراتيجية الاحتواء لجهة إضافة عنصر الاستباق، ولم تعد الإدارة الأمريكية تنتظر نشوء المخاطر والتهديدات ثم الشروع في احتوائها وفقاً لاعتبارات الأمر الواقع، وبدلاً عن ذلك فقد دفعت استراتيجية الأمن القومي الأمريكي باتجاه مفهوم تعبئة القوى والموارد السياسية والاقتصادية والعسكرية الأمريكية، وتجاوز منظومة القيم الدولية القائمة على القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، والعمل بشكل استباقي لجهة التعامل بشتى الوسائل والأساليب العسكرية وغير العسكرية مع كل ما تعتقد الإدارة الأمريكية بأنه يشكل خطراً يهدد المصالح الأمريكية.

انّ الولايات المتحدة الأمريكية ورغم ما عانته وتعانيه من أزمات سياسية واقتصادية وعسكرية، وقد لا تظهر للشخص العادي غير المتابع لمفاصل تطورات النسق السياسي الأمريكي، الاّ أنّ العاصمة الأمريكية واشنطن دي سي وبغض النظر ان كانت الأدارة التي تسيّر أعمال وتفاعلات النسق الأمريكي (ديمقراطية أو جمهورية) قد بدأت الشروع في تنفيذ مخطط السيطرة على العالم، غير مهتمة بفكرة التعددية التشاركية في قيادة العالم والحفاظ على التوازنات الأممية.

 هذا وقد تضمنت مسألة السيطرة على خطوات عملياتية تراوحت من نشر القدرات العسكرية الأمريكية في سائر أنحاء العالم، إضافةً إلى اعتبار خارطة العالم بأنها تمثل المسرح العسكري الذي يتوجب أن يتم تجهيز القوات الأمريكية على أساس اعتبارات احتمالات خوض الحرب في أي مكان منه وأي زمان، واستناداً إلى هذا المفهوم قسّم البنتاغون العالم إلى مناطق عسكرية، بحيث أصبحت كل منطقة إقليمية تقع ضمن نطاق إحدى القيادات العسكرية الأمريكية.

وتبع الخطوة السابقة مسألة أمركة الاقتصاد العالمي، وذلك عن طريق استخدام المؤسسات الاقتصادية الدولية الثلاثة الرئيسية: البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، في القيام بإدماج الاقتصادات العالمية ضمن إطار نفوذ الاقتصاد الأمريكي، على النحو الذي يتيح للاقتصاد الأمريكي وضعاً استثنائياً ومزايا اقتصادية دولية استثنائية تعزز القدرة على نقل التضخم والبطالة وانخفاض معدلات النمو وغيرها من المؤشرات الاقتصادية الكلية السلبية إلى الاقتصادات الأخرى، وبعبارة أوضح: أن يدفع الآخرون خسائر الاقتصاد الأمريكي.

وصحيح أنّه بعد الحرب الجورجية الروسية في عام 2008 م، لم تحدث المواجهة العسكرية الروسية – الأمريكية، ولكن حدثت مواجهة البروكسي بين روسيا وجورجيا، والأخيرة خاضت حرباً بالوكالة عن الولايات المتحدة الأمريكية، وقد كشفت التسريبات والحقائق أن العملية العسكرية التي نفذتها تبليسي قد تم الترتيب لها بواسطة الإدارة الأمريكية ومباركة الرئيس بوش الأبن.

فمن سورية وحدثها، الى أوكرانيا ومسألتها، بجانب ما حدث في جورجيا عام 2008 م، فانّ تحليل الوقائع والأحداث وتداعياتها، يشير بوضوح إلى أن عملية إعادة اصطفاف عسكري – أمني دولي ستحدث، وسيكون من أبرز تداعياتها صياغة معادلة جديدة لنظام (الأمن العسكري – الأمني الدولي والإقليمي) ومن أبرز الملامح المتوقعة يمكن الإشارة إلى الآتي:

تعديل نظام توازن القوى داخل مجلس الأمن الدولي على النحو الذي ستقف فيه روسيا والصين في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية التي ستجد الدعم الواضح من بريطانيا، مع احتمالات أن تعود فرنسا إلى موقفها الاستقلالي السابق داخل مجلس الأمن الدولي، مكونة(فرنسا)ما يمكن أن نسميه القوة الثالثة الدولية داخل المجلس، وذلك بما يتيح للفرنسيين المزيد من هامش حرية الحركة والمناورة داخل المجلس وذلك نكايةً بألمانيا، وهو أمر سيؤدي حدوثه إلى إنهاء التحالف الفرنسي – الأمريكي في مجلس الأمن، والذي سبق أن أسفر عن صدور الكثير من القرارات الجائرة، وعلى وجه الخصوص تلك القرارات المتعلقة بالأزمة الليبية والسورية وأزمة مالي والأزمة اللبنانية وأزمة دارفور وغيرها.

فألمانيا أقوى الأقتصاديات الأوروبية حتّى اللحظة، والهدف الان هو كيف يتم اضعاف ألمانيا اقتصاديّاً؟ فجاءت المسألة الأوكرانية كفرصة ذهبية للزج بألمانيا بتفاصيل الحدث الأوكراني، لضمان تغطية اقتصادية كبيرة تضعفه ولأعادة توجيهه من جديد نحو موسكو، والأخيرة وعبر مجتمع مخابراتها الأقتصادية والمالية وضع كافة ما لديه من معلومات وأوراق، على طاولة مجتمع المخابرات الألماني وباللغة الألمانية التي يتقنها الرئيس فلادمير بوتين.

أيضاً كما سعت وتسعى أمريكا لتعديل بنود وأجندة العلاقات عبر الأطلنطي، فخلال فترة الحرب الباردة، كانت واشنطن تقوم بدور الحامي والمدافع عن أوروبا في وجه الخطر الشيوعي – السوفيتي – النووي، وبعد انتهاء الحرب الباردة ظلت أمريكا تقوم بدور الشريك العسكري – الأمني المدافع عن استقرار أمن أوروبا، والذي أكد ذلك عملياً بتدخله في أزمة البلقان، إضافةً إلى دور الزعيم العالمي المكلف بنشر وحماية القيم الديمقراطية الليبرالية الغربية. ولكن بعد حرب جورجيا – روسيّا عام 2008م، وبعد الخديعة الغربية لموسكو في ليبيا والتي تعيش مرحلة اللاّدولة، وبعد الحرب الكونية على سورية وما زالت تستعر، وبعد تجليات الحدث الأوكراني وعقابيله عبر ضم القرم لروسيّا عبر استفتاء شعبوي نزيه وعميق أذهل الغرب، وبالرغم من التوافق الأمريكي الأوروبي حتّى اللحظة ازاء كييف وحدثها. والسؤال المطروح الآن وبتجرد: هل سيصمد جدار التفاهم الأوروبي الأمريكي هذا والذي اتخذ خطوات عملية لأطول فترة ممكنة؟ وهل ستدخل العلاقات عبر الأطلنطي، في مواجهة عاصفة الخلافات الأمريكية – الأوروبية لاحقاً، لجهة رغبة بعض الأطراف الأوروبية الرئيسية مثل فرنسا وألمانيا الوقوف موقف الحياد إزاء ما يجري على خطوط العلاقات الروسية – الأمريكية، ورغبة العديد من الأطراف الأوروبية عدم الاستجابة لطلب الولايات المتحدة المتعلق بملف توسيع حلف الناتو شرقاً، وضم جورجيا وأوكرانيا إلى عضويته، إضافة إلى عدم رغبة الأوروبيين في الاستجابة للطلب الأمريكي المتعلق بتوسيع الاتحاد الأوروبي شرقاً؟ وهل ستنتقل أوروبا من مرحلة الهجوم الى مرحلة الحياد لاحقاً ازاء ما يجري؟ وهل تستطيع أوروبا ابتلاع أوكرانيا اقتصاديّاً؟ ألا تشكل أوكرانيا باقتصادها المتهالك والمنهار قنبلة هيدروجينية في الحضن الأوروبي؟ 













Home Page
كتب ممنوعة
اراء حرة
صورة وتعليق
اخبار طازة
برقيات عاجلة
شروط النشر
فضائح وفضائح
خبر وتعليق
سري جدا
لصوص ظرفاء
رسائل القراء
من ارشيفنا
هذا الرجل
هذه المرأة
كتاب البورتل
كاتب وكتاب
قصائد ممنوعة
 مقالات  مميزة
كتب للبيع
ارشيف الاخبار
قصائد المقدسي
صحف عربية
الافتتاحيات
مقالات ساخنة
صبرا وشاتيلا
أسامة فوزي
ملفات الفساد
 مقالات الاولى
الكتب السعودية