بعد فتوى اللحيدان بوجوب قتل اصحاب الفضائيات ... امراء سعوديون يسعون للتخلص من نفوذ رجال الدين


September 16 2008 21:47

 تشهد المملكة العربية السعودية هذه الأيام جولة جديدة من المواجهات التى لاتنتهى بين الليبراليين والإسلاميين والتى باتت أبرز سمات المشهد السعودى فى السنوات الأخيرة .وتحمل هذه الجولة فى خلفياتها الكثير من التحولات التى تشهدها بنية الحكم التى تتقاسمها تقليديا كل من الأسرة الحاكمة ورجال الدين من خلال اتفاق غير مكتوب يجرى العمل به منذ التحالف الأول بين الملك عبدالعزيز والشيخ محمد بن عبدالوهاب منذ ما يقرب القرن من الزمن

وتأتى المواجهة الحالية فى سياق متسارع من المواجهات جاءت على خلفية الفتوى المثيرة للجدل التى أصدرها رئيس مجلس القضاء الأعلى فى السعودية وأحد أكبر علمائها الشيخ صالح اللحيدان وأجاز فيها قتل ملاك القنوات الفضائية التى قال أنها باتت تنشر الفساد.وجاءت الفتوى فى سياق رد اللحيدان على أحد الأسئلة المتعلقة بالموضوع قائلا:"إن من يدعون إلى الفتن إذا قُدر على منعه ولم يمتنع قد يحل قتله، لأن دعاة الفساد فى الاعتقاد أو فى العمل إذا لم يندفع شرهم بعقوبات دون القتل جاز قتلهم "قضاءً". فالأمر خطير لأن الله جل وعلا لما ذكر قتل النفس قال "أو فسادة فى الأرض"، فالإنسان يقتل بالنفس أو بالفساد فى الأرض، وإفساد العقائد وإفساد الأخلاق والدعوة لذلك نوع من الفساد العريض فى الأرض

وقد تسببت الفتوى التى أطلقها رئيس مجلس القضاء الأعلى السعودى فى موجة انتقادات شديدة وجهها عدد من الإعلاميين والمثقفين السعوديين المحسوبين على التيار الليبرالى الناشط فى السعودية فيما انقسم الوسط الإسلامى بين مؤيد ومعارض للفتوى.وقد أيد الفتوى الشيخ محمد النجيمى رئيس قسم الدراسات المدنية بكلية الملك فهد الأمنية وعضو مجمع الفقه الإسلامى الفتوى واصفا إياها بالـ "رائعة"، مؤكدا فى معرض دفاعه عن الشيخ صالح اللحيدان أنه "استخدم فى حديثه منهجية عملية

وقال إن "الذين ينشرون السحر والمجون يحالون للقضاء والقاضى ينظر فى عقوبتهم ويقدرها فإذا ارتدعوا وعادوا فيها وإلا وصل الأمر قتلهم تعزيراً وهذا موضوع قضائى وقرر المعروف عند الفقهاء بأن التعزيز يبدأ بالأقل فالأشد حتى يصل للقتل" ..وذلك- كما يقول الشيخ النجيمي- ما يجعل من كلام اللحيدان "علمى صحيح مئة بالمائة لوجهين: الأول، أنه قضائي. والثاني، بأن فضيلته حدد الذين يقصدهم وهم الذين ينشرون السحر ويروجون للفساد الأخلاقى ويثيرون الشهوات

وعلى الجهة الأخرى اعترض عدد من علماء السعودية على الفتوى واعتبر الشيخ عبد المحسن العبيكان، المستشار بوزارة العدل وعضو مجلس الشورى السعودى أن "هذه الفتوى ستدعم فئة الإرهاب وأنها جاءتهم على طبق من ذهب ليستغلها أفراد الفئة الضالة فى التحرك لتجنيد شبابنا لإزهاق الأنفس وتفجير المحطات ومواقع ملاك هذه القنوات"..كما رفض الشيخ عائض القرنى أحد المنتمين للتيار الجديد فى الفكر السلفي، فتوى اللحيدان مؤكدا فى برنامجه التى تبثه قناة الـmbc أن فتوى العالم" ليست رأى نبى "، مشيرا إلى وجود الكثير من علماء السعودية الرافضين للفتوى مثل الشيخ "صالح الفوزان

ومن جانبه، طلب الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ مفتى عام السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء" مزيداً من الوقت لاستيضاح الأمر".وعلى صعيد التداعيات التى أثارتها الفتوى ركزت وسائل الإعلام السعودية على ما اعتبرته محاولة من الشيخ اللحيدان للتراجع عن فتواه المثيرة للمشاكل من خلال مقابلة مع التلفزيون السعودي، قال فيها إنه يقصد فى حديثه عن ملاك المحطات الفضائية أن "يقتلون بعد أن يمنعهم الحاكم فى المرة الأولى وإن لم ينتهوا يتم رفع القضية عليه من الجهات المخصصة لذلك ثم تتم المحاكمة على شكل دعوى بين طرفين ومن ثم يتم تدقيق الحكم. وقال إن تدقيق الحكم واعتماده درجات" مؤكدا أن فتواه كانت مخصصة لقنوات السحر والشعوذة

وتأتى فتوى اللحيدان بعد سلسلة من الانتقادات أدلى بها كبار العلماء السعوديين لطبيعة ماتقدمه وسائل الإعلام السعودية التى تصدر وتبث من الخارج وتعود ملكيتها فى الغالب لأفراد من الأسرة الحاكمة ومقربين منها حيث انتقد فى وقت سابق مفتى السعودية الشيخ عبد العزيز آل الشيخ المسلسلات التركية التى تبثها أحد القنوات السعودية واصفا إياها" بالخبيثة والانحلالية والضالة وغير الإسلامية

وقد استعرت نار الحرب على الصحف الورقية والالكترونية بين المؤيدين للتيار الليبرالى الصاعد فى السعودية والموالين للمؤسسة الدينية التى باتت عرضة لانتقادات دائمة بسبب مواقفها تجاه العديد من القضايا كقيادة المرأة للسيارات إضافة إلى الانتقادات الحادة التى توجه بين الحين والآخر لتصرفات هيئة الأمر بالمعروف التابعة لها إلى جانب اتهامها محليا ودوليا بالتشجيع على نشر التطرف والإرهاب وإصدار الفتاوى المشجعة على ذهاب الشباب العربى للقتال فى العراق وأفغانستان وقد كان" اللحيدان" نفسه موضع هجوم من قبل وسائل الإعلام الغربية التى تناقلت تسجيلا صوتيا له قالت إنه يحفز الشباب السعودى للذهاب إلى العراق و "الجهاد"، وهو الأمر الذى عرض القيادة السعودية غير مرة لمواجهة الكثير من الضغوطات الغربية بغرض تضييق الخناق على التيار الأصولى فى المملكة والحد من نفوذه التقليدى فى المؤسسات الرسمية وخصوصا التعليمية منها وهى الضغوطات التى لاقت هوى فى نفس الكثير من الأمراء المنتمين للجيل الجديد والذين يدعون سرا وعلانية من خلال قنواتهم وصحفهم المعروفة لفك الارتباط الذى ظل قائما منذ دخول الملك عبدالعزيز للرياض فى العام 1902 وتأسيس المملكة العربية السعودية فى العام1932م على إثر تحالف معروف بين المؤسسة الدينية والقبلية والذى حافظ عليه دوما الأمراء التقليديين الذين عاصروا مرحلة التأسيس وظلوا ملتزمين ببنوده غير المعلنة والتى تعطلى الكثير من الامتيازات لرجال الدين من المنتمين للفكر السلفى الذى كان ولازال الوحيد المسموح بتداوله فى أروقة الدولة السعودية منذ إنشائها

ويرى الكثير من المراقبين أن سبب الهجوم المتواصل على رجال الدين فى السعودية فى السنوات الأخيرة يأتى كنتيجة لما يشبه التمرد الشبابى داخل الأسرة الحاكمة فى السعودية على بنود هذا التحالف الذى يرون أنه بات يشكل عبئا عليهم ولايرون حاجة لبقائه بعد أن تجاوز الظروف والأسباب التى كان قائما من أجلها وقد أتت المطالبات من قبل بعض المثقفين الليبراليين فى السعودية مؤخرا لتغيير رموز العلم السعودى كمحاولة للإعلان صراحة عن وجوب إنهاء دور المؤسسة الدينية التى يشير العلم السعودى لدورها فى إقامة الحدود الشرعية والجهاد اللذان يمثلهما رمز السيف

وقد صدرت معظم الحملات التى قادها مثقفون ليبراليون من خلال منابر الإعلام المرئى والمقروء التى تعود ملكيتها فى الغالب لأمراء شباب بدأوا يعلنون صراحة عن امتعاضهم من سطوة ونفوذ المؤسسة الدينية وهو الأمر الذى ربما يفسر حملة الهجوم التى قادها خلال الفترة الماضية عدد من أكبر رموز التيار السلفى فى السعودية على تلك القنوات فيما بات يمثل صراعا إعلاميا مكشوفا بين أجنحة نافذة وأخرى تبحث عن دور