عندما شخيت على العلم الاردني ... مقال قديم جديد للزميل أسامة فوزي


December 24 2014 09:45

* كتب :أسامة فوزي

مارس اذار عام 2004

   


* اعلن في الاردن عن اعتقال ستين شخصاً من مخيم الوحدات الفلسطيني معظمهم من الاولاد بتهمة حرق العلم الاردني خلال مظاهرة خرجت من المخيم  وامتلأت الصحف الاردنية الحكومية على الفور بمقالات لكتّاب وصحفيين ومرتزقة تلطم الخدود على ضيعة الوطن بسبب حرق العلم الذي هو رمز السيادة والشرف ... الى آخر هذا الموال الذي شبعنا منه والذي يختصر الوطن بخرقة من القماش صممها لنا كلوب باشا ... واجبرنا على عبادتها صباح مساء في المدارس والشوارع والحارات.... وتذكرت على الفور عندما ( شخيت ) على العلم الاردني خلال دورة عسكرية اقيمت لنا في الجامعة الاردنية وقد فعلت ذلك تمسكا بحقي في التعبير والدستور الاردني لا يمنع ذلك وتقديس قطعة القماش حق يراد به باطل وهنا في امريكا استطيع ان احرق العلم الامريكي امام البيت الابيض دون ان يقول لي احد ... تلت التلاتة كام


* حكاية العلم الاردني (المحروق) من قبل اولاد غاضبين ذكرتني بايامي الاولى في امريكا حين اقدم جاري الامريكي على رفع سارية امام بيته يعلوها علم امريكي ضخم. الناس هنا في امريكا يعيشون امّا في منازل او فلل وامّا في شقق سكنية تبنيها شركات على شكل تجمعات أو معسكرات مزوّدة بملاعب وبرك سباحة وساحات خضراء مشتركة ومواقف للسيارات يحق لجميع القاطنين فيها استخدامها وفي كل تجمع سكني تجد مكتباً لمدير التجمع او المعسكر المسئول عن التأجير والصيانة وتحصيل الاجور ... الخ.


* استئجارك لشقة او حتى شرائك لمنزل خاص بك لا يعني بالضرورة أنك اصبحت صاحب حق في ان تفعل ما تشاء بشقتك او منزلك فهناك قوانين وقواعد تنظم علاقتك بمن حولك من بشر وحيوانات  وان لم تلتزم بها من تلقاء نفسك يمكن ان تجبر على الالتزام بها من خلال القضاء والمحاكم  ... ولما حاولت قبل ايام قتل حية ضخمة وجدتها في حديقة منزلي حذرني جاري من ان هذا مخالف للقانون .. بل وعلمت ان جارا في الحي نفسه اعتقل لانه اطلق النار على تمساح وجده امام بيته لان القاعدة القانونية هنا تقول ان قتل الحيوانات البرية حتى لو كانت مفترسة ممنوع الا اذا كان قتلك لها في سبيل الدفاع عن النفس ولا يوجد ما يثبت ان الثعبان كان سيعضني او ان التمساح كان سيأكل الجار او احد اولاده !! الفر هنا في امريكا له من الحقوق اكثر مما لاي مواطن عربي في بلده .


* جاري الامريكي الذي رفع علماً امام بيته خالف احدى هذه القواعد التي لا تسمح للساكنين بنصب اعلام او "دشوش" او "انتينات" امام شققهم حفاظاً على السلامة العامة والنظافة وجمال الحي والمنطق في هذا القانون او القاعدة يقول ان اية اضافات من هذا النوع يجب ان تقر مسبقاً من قبل الادارة او من قبل الجمعية المنتخبة من السكان والتي تسمى في بعض الدول العربية باتحاد الملاك لان اضافة كهذه قد تؤثر على قيمة العقار وهذا بدوره قد ينعكس على بقية العقارات المجاورة فضلاً عن شروط السلامة ... والنظافة ... والجمال.


* الجار الذي نصب العلم دخل دورة اعلام - فيما يبدو- في الاردن وظن ان العلم مقدس وان احداً لن يجرؤ على الاحتجاج عليه او اجباره على انزاله ولكن ظنه خاب حين وجد سيارة شرطة امريكية امام منزله تخيره بين انزال العلم الامريكي فورا وخلع السارية او التفضل على السجن!!


* انا لم اسكن في شقة مستأجرة ولم اجرب بالتالي متعة رفع الاعلام فوق الاسطح مثل غيري فقد  اشتريت في الاسابيع الاولى من وصولي الى امريكا في مطلع الثمانينات منزلاً صغيرا يقع على مقربة من تجمع او معسكر من الشقق ... وكعادتنا نحن العرب بدأت عهدي الزاهر في المنزل بطرش باب الدار باللون الاخضر ربما نكاية بالقذافي او تيمناً بكتابه ... وقبل ان افرح باللون الجديد لباب داري وجدت احد الجيران على باب الدار يدق  مستفسراً عن فعلتي هذه ومحتجاً علي اللون الخرائي للباب ... يومها ظننت ان ما فعله الجار (برادة وجه) لا اكثر ولا اقل قبل ان اتلقى رسالة من محامي اتحاد الملاك ينذرني فيها باعادة طلاء الباب باللون السابق فورا والا سيقوم الاتحاد نفسه بارسال عمال للقيام بهذه المهمة على نفقتي وذكرني المحامي في رسالته  بالقوانين والقواعد التي تشترط الحصول على موافقة مسبقة على اي تغيير في الوان المنازل وابوابها.

* جرب المرور امام العمارات والشقق السكنية في اية عاصمة عربية سترى على البلكونات حبال الغسيل من كل لون ونوع .... بعض البلكونات تحولت الى اسطبلات ومزارع للدجاج والبط والوز والحمام .... العمارات اما لا لون لها او انها مطلية ببوسترات المرشيحن للمجالس البلدية او شعارات الحزب الحاكم او مقتطفات من الاغاني وبعضها يحمل عبارت سكس وشتائم .... وصور الملك الاردني - مثلا - في عمان تعلق في الواجهات والمداخل الزاما وليس اختيارا لم تكن تنافسها من قبل الا صور صدام الذي اكل خازوقا من الاردنيين ... ولما مات باسل الاسد في حادث سيارة امام مطار دمشق اجبرت العمارات والسيارات والشقق ومحلات البقالة على الصاق صور الفقيد او" الشهيد " التي تبين انها كانت تطبع في مطابع لمصطفى طلاس وتباع للناس المفلسين اجبارا بأضعاف سعرها الحقيقي في الاسواق .

*  هنا - في امريكا - اذا اردت ان تعرف معلومات تفصيلية عن سكان منزل او شقة تحتاج الى الاستعانة بمكتب تحقيقات خاصة يتقاضى منك الاف الدولارات ... وهناك - في اي عاصمة عربية - يكفي ان تقف امام اي بلكون في اي عمارة لتعرف - من حبل الغسيل - اعمار وانواع جميع القاطنين في الشقة ... يكفي ان تعد الكلاسين او الفانيلات لتعرف كم ذكر وكم انثى في تلك الشقة ... يكفي ان تتفحص اكبر كلسون معلق على الحبل لتعرف من البقع فيه ان كان رب العائلة مصاب بالتهاب في البروستاتا ام لا ... جرب المرور في احد الاسواق سترى اكوام الزبالة امام المحلات والمداخل ومنها اكوام اصبحت معلما مميزا لهذا الشارع او ذاك ... حبال التلفونات واسلاكها تتدلى مع اسلاك الكهرباء من فوقك ومن تحتك ... كلهم يشطفون محلاتهم ويكبون الاوساخ في الشارع وكلهم يؤكدون لك ان " النظافة من الايمان " ... نحن اكثر امة تتحدث عن النظافة مع اننا اوسخ سكان الارض طرا .... هنا يتحمم الواحد منا عشر مرات في اليوم لوفرة المهاء وسهولة وصولها الى بيوتنا ... وهناك يتحمم الناس في المناسبات هذا اذا وجدوا ماء يشربونه اصلا .


* اعود الى حكاية العلم الاردني المقدس فاقول ان هذا العلم هو نفسه الذي مسح به الضباط الاردنيون مؤخراتهم خلال حرب حزيران يونيو قبل ان يخلعوا ملابسهم العسكرية ويهربوا بالكلاسين  من الضفة الغربية كلها خلال اقل من 16 ساعة ولم نسمع ان ضابطاً واحداً دفعته نخوته العسكرية للدفاع عن العلم الاردني الذي داسه جنود الجيش الاسرائيلي باحذيتهم.


* لقد قرأت مذكرات المقدم "غازي ربابعة " قائد الوحدة الاردنية في القدس خلال حرب حزيران يونيو وهي المذكرات التي نشرها في مجلة (المجلة) اللندنية وفيها يصف غازي ربابعة كيف هرب هو ووحدته من القدس في اليوم الاول من الحرب دون اطلاق رصاصة واحدة ولم يكن انسحابه عسكرياً لانه خلع ملابسه العسكرية ودفنها مع الاسلحة في حفرة وهرب مع جنوده عبر النهر بملابس مدنية ركضاً وهرولة وبرر ذلك بالاوامر التي تلقاها عبر الاذاعة بالانسحاب الى الضفة الشرقية.


* نعود الى العلم الاردني (المحروق) في مخيم في مخيم الوحدات في عمان فنقول ان المعانيين ايضاً حرقوا العلم الاردني في معان ... وفعلها قبلهم الكركيون عندما احتجوا على رفع اسعار الخبز وضربوا سيارة الامير حسن بالحجارة ... ومدينة الطفيلة في جنوب الاردن حرقت العلم ايضاً مع انه ليس فيها أي مواطن من اصل فلسطيني ... ولما خرجت احدى الجامعات في اربد في مظاهرة بعد رفع الاقساط فيها ودخلت عناصر المخابرات الى حرمها وقتلت عشرات الطلبة - في اوائل الثمانينات- خرجت اربد كلها في مظاهرات حرقت العلم الاردني وداسته بالاقدام.


* حرق العلم هو تعبير بسيط ومختصر عن حالة الغضب التي يشعر بها المواطن من ممارسات حكومته ... والاولاد الذين حرقوه في مظاهرة مخيم الوحدات فعلوها بعد ان سمعوا وقرأوا ان ملكهم كان قبل يومين من مقتل الشيخ ياسين في زيارة سرية لمزرعة شارون في النقب ولأن البرلمان الاردني مخصي ولأنه لا توجد حقوق سياسية للمواطنين تنظم عمليات الاحتجاج والاعتراض ولأن الذين يحكمون في الاردن اكثرهم من الغرباء ومن غير الاردنيين ولان الملك لم يجد وزيرا للتخطيط في الاردن من بين الاردنيين فعين ابن ابراهيم البهلوان في هذا المنصب - سائق ليموزين في واشنطن من العيزرية كان نديما لسهرات الملك حسين وسجن 14 سنة في امريكا بتهمة الاحتيال على البنوك -  فان خروج مظاهرة من المخيم على رأسها نائب اردني قح (رشيدات) وخلفه اولاد مدارس وكالة الغوث يبدو امراً عادياً ومفهوماً ومسموحاً حتى لو تخللت المظاهرة عملية حرق لخرقة بالية يسمونها (العلم)!! علما بأن جميع قادة حزب العمل المعارض والذي نظم المظاهرة في مخيم الوحدات الفلسطيني هم من الاردنيين الاقحاح اي من ابناء الضفة الشرقية .


* بيان وزير الداخلية الاردني تحدث عن تجاوزات خلال المظاهرة ادت الى اعتداء المتظاهرين على اموال المواطنين وهذا كذب صراح لم تذكره وكالات الانباء ولا كاميرات الفضائيات العربية التي رافقت المظاهرة فالاولاد  الذين خرجوا بالمظاهرة في المخيم قد يحرقوا علما لكن من غير المعقول والمنطقي ان يحرقوا  منازلهم ومنازل جيرانهم للتعبير عن الاحتجاج على زيارة الملك السرية الى شارون.


* لقد حرقوا العلم ... اينعم ... وهذا حق يكفله لهم القانون الدولي لانه نوع من التعبير عن حرية الرأي  في ظل مجتمع مقموع سياسياً واقتصادياً تستأثر بخيراته عصابة تزعم انها راعية للعلم وحامية له وهي اكثر الناس احتقاراً وامتهاناً للوطن ارضاً وعلماً وشعبا .


* كله كوم ... وما اعلنه النائب الاردني حمزة منصور - وهو اردني قح وليس من اصول فلسطينية- كوم فقد صرّح النائب ان المخابرات داهمت منازل الناس في المخيم واعتقلت (رهائن ) من ابناء الاشخاص المتهمين بالخروج في المظاهرة واكد على هذا رئيس الحزب عبد المجيد ذنيبات - وهو اردني قح - ... ولا ادري ما علاقة الولد (الرهينة) بما فعله ابوه مثلاً ... لكن تصريح حمزة منصور ذكرني بما كان يشاع عن الوزير قراقوش في مصر ابان عهد صلاح الدين الايوبي والذي كان يعاقب الولد بجريرة ابيه والاخ بجريرة اخيه لذا وصفت احكامه بالقراقوشية وهو ذاته الوصف الذي يطلق هذه الايام على قرارات واحكام جلالة الملك عبدالله .... القراقوشي!!













Home Page
كتب ممنوعة
اراء حرة
صورة وتعليق
اخبار طازة
برقيات عاجلة
شروط النشر
فضائح وفضائح
خبر وتعليق
سري جدا
لصوص ظرفاء
رسائل القراء
من ارشيفنا
هذا الرجل
هذه المرأة
كتاب البورتل
كاتب وكتاب
قصائد ممنوعة
 مقالات  مميزة
كتب للبيع
ارشيف الاخبار
قصائد المقدسي
صحف عربية
الافتتاحيات
مقالات ساخنة
صبرا وشاتيلا
أسامة فوزي
ملفات الفساد
 مقالات الاولى
الكتب السعودية