الورقة السادسة


November 11 2014 11:19

اوراق من مفكرة مواطن اردني سابق
صور من التاريخ الوجداني ( الانساني والثقافي والجغرافي ) للاردنيين
 في عمان والزرقاء
يكتبها : أسامة فوزي

الورقة السادسة
المكتبات في الزرقاء ونادي اسرة القلم ... الحكاية الكاملة

كانت الزرقاء في الخمسينات تتكون من شارع رئيسي هو شارع عمان الزرقاء الذي سمي ايضا بشارع الجيش  الذي يتقاطع مع شارع فيصل وهو شارع جامع الشيشان ( مسجد ابو بكر ) ويجاوره مسجد الشوام ( مسجد عمر ) وبعض المتفرعات منه مثل شارع الحسبة وشارع سينما الحمراء وشارع شامل وغيرها وعلمت  مؤخرا ان ثلاثة ارباع الشوارع الجديدة في الزرقاء سميت باسماء الملكة رانيا واقاربها وبالامانة لا ادري ان كان هناك في الزرقاء شوارع تحمل اسم ( ابو تنكة ) وهو لقب خال الملكة  الذي بدأ حياته  العملية في لندن بمطعم شاورما ولما تزوجت ابنة اخته من الامير عبدالله طار الى عمان واسس معملا لصناعة التنك ( لتعليب زيت الزيتون ) بمشاركة 21 شخصا ولما اصبحت ابنة اخته ملكة حلق للشركاء في مصنع التنك واصبح يمتلك شركة طائرات فيها كذا طائرة بوينغ ... وكانت ( الداون تاون )  في الزرقاء هي الحسبة واطرافها بما في ذلك محيط سينما الحمراء ... كان الشارع يبدا من معسكر  الزرقاء وسينما النصر التي تقع خلفها مراجيح العيد .. ثم المخيم الفلسطيني وموقف باصات عمان قبالة مكتبة الوليد لصاحبها صديقي المرحوم زكي العبد   ( ابو الوليد ) وهو من كفر راعي كما علمت ( بلديات ابو همام )  وكان العديد من شباب البلدة يعملون كفنيين مهرة في ( المشاغل ) في معسكر الزرقاء وهي دائرة فنية كان العاملون فيها - واغلبهم من الفلسطينيين - قادرون على بناء سيارة من الالف الى الياء وابن جارنا ( رمزي العظام )  عمل في هذه المشاغل وتعلم مهنة تصليح كهرباء السيارات واصبح صاحب اشهر محل لهذه المهنة في ماركا وكانت معظم تنكات الزيت وشوالات  ( التين ) واللوز التي تباع في الحسبة في الزرقاء تستورد من كفر راعي وهي بلدة صغيرة تعتبر من اعمال مدينة جنين وتتكون من مجموعة تلال خلابة المنظر وفيها كم هائل من الخضرة والبيارات ومزارع الزيتون والتين

كانت مكتبة الوليد نواة لحركة ثقافية بدات بنشر ثقافة قراءة الصحف .. كان ابو الوليد يعرض الصحف على الزجاج الخارجي واذكر اننا بعد هزيمة حزيران يونيو 1967 اصبحنا نتحلق امام مكتبة الوليد لقراءة الصحف اللبنانية التي كانت تنقل اخبار الهزيمة اولا بأول بمانشيتات تلعب بالوجدان  وتفوقت جريدة الانوار بهذا حين نشرت مثلا مانشيتا عريضا يقول ( وصول سبعين طائرة ميغ جزائرية الى مصر ) و ( عبد الناصر يهدد بضرب تل ابيب بصاروخ الظافر ) ... مكتبة ابو الوليد  في اوائل السبعينات ويتحريض مني حاولت لعب الدور نفسه الذي لعبته مكتبة ابو علي في عمان قبالة البنك العربي هو الدور نفسه الذي لعبته مكتبة مدبولي في القاهرة مع الفارق في الامكانات طبعا

كانت المكتبات في الزرقاء – باستثناء مكتبة الوليد – تهتم ببيع القرطاسية والكتب المدرسية ومتعلقات المدارس ... من دفاتر واقلام وورق تجليد ومحايات وخلافه .. وكان عادل عيسى صاحب مكتبة الشرق في سوق الحجاوي اكثر المهتمين  بهذه المتعلقات واكثر احترافا في عرضها ...وتميزت المكتبة طبعا بوجودها في اخر سوق الحجاوي المسقوف الذي كانت معظم الدكاكين فيه مخصصة لبيع الاقمشة والملبوسات وظهرت بعد سوق الحجاوي اسواق مماثلة مثل سوق احياد الا ان سوق الحجاوي ظلت له نكهته الخاصة ...  بقدمه ومحلاته وحتى نسوانه من الزبائن وزحمته .. كان السوق مزدحما بالمتسوقين ولانه ضيق كانت الزحمة توفر لنا - كمراهقين - فرصة التحرش  بالبنات وهو تحرش مؤدب يكتفي بالبصبصة وتلعيب الحواجب .. وليس تحرشا على الطريقة المصرية التي نراها هذه الايام

كانت مدينة الزرقاء تخلو في الخمسينات من المكتبات  التي لم تكن معروفة حتى في المدارس الثانوية ويمكن القول ان استاذي الشاعر الكبير خالد المحادين ( علمني اللغة العربية في مدرسة الثورة في معسكر الزرقاء ) كان صاحب فكرة فتح مكتبة عامة في المدينة تمولها  بلدية الزرقاء ووجد خالد المحادين من يدعم فكرته متمثلا في نائب رئيس البلدية وكان هو الاخر من عشيرة المحادين ( رئيس البلدية كان الشيشاني قاسم بولاد ) وتم فعلا افتتاح مكتبة عامة في مبنى البلدية  في عام 1965 ولشدة الزحام كنا نجلس على الارض لمطالعة الكتب والمجلات ... وكنا - كمراهقين - نهتم كثيرا بروايات عبد القدوس بخاصة وان طبعاتها كانت تضم صورا حميمة واذكر ان اكثر كتاب  كنا نتزاحم على استعارته كان بعنوان ( ليلة الدخلة )   ...  وتم لاحقا نقل مقر المكتبة الى مبنى خاص بها تولى ادارته صديقي وزميل الدراسة هاني المحادين  احد مؤسسي نادي اسرة القلم رغم ان اسمه - مثل اسمي - لا يذكر في الصحف ووسائل الاعلام الاردنية كلما ورد ذكر النادي الذي - وللامانة - ما كان له ان يكون لولا عرابه ومؤسسه الفعلي والحقيقي مختارنا واديبنا الكبير الشاعر سميح الشريف .. والفقرة المرفقة هنا في شكل صورة هي جزء من رسالة بعث بها سميح لي في عام 1975 وفيها حديث عن نادي اسرة القلم

بدات فكرة نادي اسرة القلم في  صيف عام 1973 بعد ان جسدناه على ارض الواقع في اطار لقاءات اسبوعية كنا نعقدها في بيوتنا بالتناوب وكان يحضرها الاصدقاء من المهتمين بالادب واذكر منهم شيخنا وعراب النادي الشاعر الكبير والصديق العزيز سميح الشريف ( ابو نبيل )  وعطاالله ابو زياد وحمودة زلوم ( وهو شاعر فلسطيني كبير من الخليل وقد علمت انه وضع عام 1994 كتابا عن مدينة الزرقاء سعيت جاهدا للحصول على نسخة منه فلم اوفق )   ويوسف ضمرة  ورياض عبد الفتاح وبسلان القرشي  واحمد عبد الحق  ومقبل المومني وعدنان علي خالد ومحمود ابو عواد  ومحمد ابراهيم لافي وابراهيم الخطيب  وحضر بعض قعداتها فايز محمود ومحمود الزيودي ( وهو مرجع في التراث البدوي الاردني ) وكان يحضر من عمان الشاعر عبد العزيز القرشي للمشاركة في بعضها ( وهو خال بدر عبد الحق )  كما حضرت بعض جلساتها شاعرة شابة اسمها على ما اذكر هيام حداد وانضمت مؤخرا لبعض القعدات تيريز حداد  ونائل ابن سميح الشريف الذي استشهد في بيروت وكان يتابع نشاطنا عن بعد رئيس البلدية ابراهيم صايل الذي كان يقرض الشعر وكان صايل وزيرا في الحكومة العسكرية التي شكلها الملك حسين قبل يومين من مجازر ايلول

اروع ما في ( القعدات ) الملاسنات والمناغشات التي كانت تقع بين سميح الشريف وعطاالله ابو زياد الذي كنا نسميه ( عطاء الله بن ابي زياد الزبيري )  ففيها زخم هائل من الثقافة والدعابة والالمام بالتراث والتاريخ والنسوان وقرض الشعر ولولا الرجلين لما تابعت المسيرة لان باقي الاعضاء لم يكونوا على هواي فقد كانت لي مجموعتي التي اختلط بها  واسهر معها وهي مجموعة من المثقفين والمتعلمين ومنهم زملاء دراسة مثل موفق المحادين وطارق الازرعي وتاج الدين عبد الحق ووليد ابو غزالة وتاج الدين العمري وتوفيق العمري ومحمد ابو صوان واديب الحافظ وصديق اخر لا استطيع ان اغفر لنفسي لاني نسيت اسمه وكان مهندسا في بلدية الزرقاء ومعظم سهراتنا كانت في بيته .. وكان يعجبني موفق المحادين - وهو يساري ملتزم - ليس فقط بثقافته وانما بترجمته  لافكاره على ارض الواقع والتزامه بها وقد دفع الكثير من امنه وراحته وسلامته بسبب ذلك واذكر انه في يوم تخرجه من الجامعة رفض استلام الشهادة من الملك حسين فحرموه منها لسنوات ... ومثله محمد ابو صوان وكان منتميا للجبهة الديمقراطية .. وكان اكثرهم اريحية وخفة دم تاج الدين العمري الذي علمت لاحقا انه اصبح ضابطا كبيرا في المخابرات ومثله زميلي في الدراسة الثانوية والجامعية جميل حميدة .. اما توفيق العمري - وكان زميلنا في الجامعة - فقد انتحر بتناول سيانيد البوتاسيوم في حادثة مثيرة يمكن ان ارويها في ورقة قادمة

كان - للامانة - بسلان قرشي صاحب فكرة تحويل القعدات الاسبوعية الى مؤسسة ثقافية مسجلة رسميا ... وكانت المشكلة  تكمن في ان عملية التسجيل تتطلب نزولا الى عمان وتقديم طلبات لجهات حكومية وامنية كثيرة بخاصة وان الاردن كان لا يزال يعاني من جراح معارك ايلول ... هذا عدا عن ان النزول الى وزارة الشباب يتطلب تفرغا ومصروفات تنقل وخلافه  ولم يكن بيننا من يمتلك المادة والوقت وحتى الجرأة للمبادرة لذا ظلت الفكرة معلقة على الرف نتغنى بها الى ان خطرت في بالي فكرة وهي الطلب من صديقي هاني المحادين الذي كان يومها امينا للمكتبة العامة في بلدية الزرقاء وكان يمتلك سيارة خاصة ان ينقلنا بمعيته الى عمان لمراجعة المسئولين وتقديم الطلب .. وهذا ما كان .. ذهبنا انا وهاني وسميح الشريف  بسيارة هاني الى وزارة الشباب وتم استقبالنا هناك من قبل طارق مصاروة الذي كنت اعرفه يوم كان مديرا لمركز الشباب في مادبا حيث التقيته في مادبا خلال رحلة جامعية قمنا بها الى المدينة باشراف استاذنا الدكتور فوزا طوقان  في عام 1971 على ما اذكر

كان استقبال طارق مصاروة لي  - والذي اتسم بالحفاوة - مفاجئا بخاصة وانه كان قد فرغ لتوه من قراءة ما كتبته عن انتحار تيسير سبول وكان تيسير زميلا له واكثر ما اثار فضول المصاروة هو ان شكلي - وكنت ابدو اصغر بكثير من عمري - لا يتناسب مع نشاطي واسمي الذي كانت تتداوله الصحف باعتباري من النقاد الادبيين والمشاغبين جدا في الوسط الثقافي ... من كان يقرأ مقالاتي النقدية يومها في الصحف الاردنية كان يعتقد اني مفتول العضلات وضخم الجثة ... يومها عرضنا الفكرة على الوزارة فطلبوا مني تقديم طلب خطي بهذا الخصوص .. وهذا ما كان .. جلست على مكتب طارق و كتبت طلبا بخطي موجها للوزير ادعوه فيه الى منحنا رخصة لانشاء ناد ثقافي اطلقنا عليه اسم ( اسرة القلم )  وانفض السامر .. ولم نسمع من الوزارة الا بعد ان جاءني هاني المحادين ليخبرني ان مسئولا في المخابرات ( مكتب الزرقاء ) سأله عن علاقته بي وبما يسمى نادي اسرة القلم فاخبره هاني ان علاقته تنحصر في انه صديقي وانه وضع سيارته تحت امرتي لنقلي الى الوزارة لا اكثر ولا اقل .. وجاءت الموافقة فعلا وبدأت  مشكلات التاسيس بخاصة واننا اتخذنا من مكتب شركة ( سميكو ) في شارع السعادة - وهي مملوكة لسميح الشريف - مقرا مؤقتا .. وبدأت عجلة التشهير بنا  وبالنادي  تدور باشراف خليل السواحري وعشيق له كان يكتب النقد اسمه ابراهيم خليل وقيل يومها ان نادي اسرة القلم اسسته المخابرات لضرب رابطة الكتاب التي اسست قبل النادي باسابيع قليلة .. بل وسالني يومها سالم النحاس عن حقيقة الامر وكان النحاس هذا يعتبر نفسه زعيما للمعارضة اليسارية للنظام مع انه كان يحتل منصبا في اوسخ مؤسسة تابعة للنظام وهي الجمعية العلمية الملكية وهي مؤسسة لا يمكن ان تعمل فيها حتى بوظيفة فراش الا بعد موافقة المخابرات والديوان الملكي  .. وتخلصا من ( وجع الراس ) وخوفا من التورط مع المخابرات وبالتالي الاساءة الى والدي الذي كان يومها يعاني الامرين من مضايقات النظام بسبب التحاق احد اخوتي بحركة فتح في لبنان  تقدمت باستقالتي خطيا وافتعلت معركة مع سميح الشريف حتى لا يبدو امر انسحابي  مبررا .. ومع ذلك بقيت - حتى بعد سفري الى الخليج - متابعا لنشاطات الاسرة وكان سميح يمدني بتطورات الوضع اولا بأول  وسميح هو عراب النادي ولولاه لما صمد النادي يومين بل واخبرني سميح يومها انه كان يقرض النادي اموالا لتغطية الايجارات والمصاريف  وقمت بنشر لقاءات صحفية وادبية مع جميع افرادها  في ملحق ثقافي اصدرناه يومها عن جريدة الفجر في ابو ظبي ( رسالة من سميح الشريف مؤرخة في 21 اذار مارس 1976 يتحدث فيها عن احوال نادي اسرة القلم )

اسرة القلم حركت الوسط الادبي الراكد ليس فقط في الزرقاء وانما في الاردن واستطعنا التسلل الى صحف اسبوعية لنشر مقالاتنا بعد ان سيطرت شلة  خليل السواحري - وكان هذا جاسوس ( مدوبل ) للمخابرات الاسرائيلية ومخابرات صدام حسين -  على الصفحات الثقافية في  جريدتي  الراي والدستور الى ان تولى صديقي عوني بدر الاشراف على صفحة الراي وتبعه الاديب الكبير فخري قعوار وكانت تلك انفراجة كبيرة اوصلتني حتى الى النشر في مجلة افكار التي كانت تصدر عن دائرة الثقافة وتحتكرها شلة السواحري ..واصبحت لاحقا صديقا  للشاعر الكبير عبد الرحيم عمر مدير الدائرة بعد ان تزاملت في الجامعة مع اخته وابنته واصبحت الاديبة الكبيرة امينة العدوان  التي كانت تعمل في الدائرة تكلفني بالكتابة لمجلة كانت  تصدر ايضا عن الدائرة وهي مجلة ( صوت الجيل )  ولا زلت اذكر اني عندما قررت الهجرة الى الخليج جاء عبد الرحيم عمر والدكتور حسين جمعة رئيس تحرير افكار  وطلال عبد الرحيم المدير الاداري في الدائرة ( وهو شقيق الطيب عبد الرحيم وابن الشاعر الكبير عبد الرحيم محمود ) وعدد من الكتاب والمثقفين الى بيتنا في الزرقاء لتوديعي

لم يكن حراكنا الادبي والثقافي في الزرقاء يجد مواكبة من قبل المكتبات الموجودة في المدينة واصحابها لذا اقمنا علاقة بكشك ( ابو علي ) في عمان واصبح ابو علي ابرز مزود لنا للكتب واخر الاصدارات وكان اول من وزع كتابي ( اراء نقدية ) وهو ( ابو علي ) الذي اقترح علي ان اغلف الكتاب في اكياس بلاستك لمنع القراء  من تصفح الكتاب ببلاش واجبارهم  على شراء نسخ منه بخاصة وان الكتاب ضم عدة فصول اشارت الى عدد كبير من الكتاب مما دفعهم فعلا الى شراء نسخ منه وكان كتابي اغلى كتاب يباع في الاسواق انذاك .. كتاب ادباء الجيل الغاضب مثلا لاستادنا الدكتور محمود السمرة كان يباع في مكتبة المحتسب بمبلغ 15 قرشا بينما كانت النسخة من كتابي تباع بدينار

مكتبات الزرقاء ركزت في مجملها على بيع القرطاسية والكتب المدرسية الجديدة والمستعملة .. وشذت مكتبة السعادة قليلا بتخصيص ارفف كثيرة لاخر اصدارت بيروت ومثلها فعلت مكتبة بسيسو وكانت المكتبات في مجملها تقع في شارع واحد مجاور لمكتب المحامي طاهر حكمت  وعرف الزرقاويون مكتبات اخرى مثل ( العودة ) و ( الحايك )  و( دار الحكمة )  ومكتبة ( القسطل ) ومكتبة ( الثقافية  وكانت هذه متطرفة وبعيدة عن ( الداون تاون ) وتقع على مقربة من قصر شبيب وكان صاحبها الوحيد من بين ملاك المكتبات المعني شخصيا بالادب والثقافة واكثر ما كانت تبيعه مكتبات الزرقاء في الستينات مجلات مثبل سمير وميكي وطرزان وتان تان تان  ومجلة طبيبك و مجلات كمال الاجسام وغيرها وكان لمجلة العربي الكويتية الصدارة لانها كانت تباع بسعر رخيص وتنشر مسابقات تدفع للفائزين بها مبالغ كانت يومها ( محرزة ) وكان الدكتور محمود السمرة نائبا لرئيس تحريرها الدكتور المصري احمد زكي .. وابتدع ابو الوليد طريقة في جذب الجمهور الى مكتبته حين كان يقص صفحات الجرائد الجديدة وخاصة اللبنانية ويعلقها على الزجاج فيتيح لنا تصفح الجرائد ببلاش ونحن وقوفا امام مكتبته

ولم يكن هناك اي نشاط للنشر في الزرقاء رغم ان في المدينة عدة مطابع منها مثلا مطبعة العتال ومطبعة فريج والمطبعة الاهلية وغيرها .. لذا كنا نلجا الى مطابع عمان لاصدار كتبنا ..واول كتاب لي طبعته في المطبعة الاقتصادية بوساطة من الدكتور فواز طوقان الذي كتب لي المقدمة وكلفتني الالف نسخة 350 دينارا اقترضت نصفها من صديقي ابراهيم الزيادنة  وبعث لي تاج الدين عبد الحق خمسين دينارا بعد ان لمها من الاصدقاء والمحاسيب وتمكنت من سد الديون خلال شهر لاني بعت سبعمائة نسخة من الكتاب خلال ثلاثين يوما

 لم تكن الكتب المدرسية مجانية وكان اغلب الطلبة يشترونها مستعملة ويلجأون الى تجليدها  وكانت هذه تجارة رائجة وبارزة تدر على المكتبات دخلا كبيرا واذكر ان كل كتبي كانت مستعملة وكنت اشتريها من مكتبة السعادة ولا زلت احتفظ بكتاب النقد والبلاغة للتوجيهي والادبي وعليه اسم وعنوان مالكه السابق وهو مواطن اردني مسيحي انهى التوجيهية قبلي بسنة اي عام 1968 من دير اللاتين الشمالي كما هو مذكور على كتابه

 كانت السنة الدراسية تبدا بطلبة اغتسلوا جيدا وتهندموا وجلدوا كتبهم المستعملة ودفاترهم ..بعد ان مهروها باسمائهم التي كانت تكتب على طوابع تلصق على الكتب والدفاتر وتكتب بالحبر الناشف الذي كان انذاك احدث موضة بعد ان هلكت السنتنا من استخدام اقلاك ( الكوبيا )  وهي اقلام تعمل بلحسها باللسان... واما ملك الاقلام وشيخها فكان انذاك قلم ( باركر ) نافسه على المشيخة قلم ( شيفرز )  ولم تكن اقلام الحبر الجاف قد انتشرت بعد ...  كنا نحافظ على الكتب والدفاتر مجلدة وجميلة وانيقة ونظيفة لمدة يومين فقط من بداية السنة الدراسية  ومع دخول اليوم الثالث كنا نمسح بها اطيازنا  ولا تنتهي السنة الا وتحولت الكتب الى كتل من الاوراق المعفنة ومع ذلك كنا - في نهاية السنة -  نبيعها ونجد من يشتريها

ولم تكن الدراسة تحلو الا بكندرة جديدة .. ومن قصر ذيله ركب لكندرته القديمة نعلا .. ومحلات ( النص نعل ) كانت منتشرة حول الحسبة وفي شارع فيصل قرب محلات كانت تبيع متعلقات العسكر من بساطير وخلافه .. ويتراوح النعل بين الجلد المستورد الفاخر .. وجلد عجلات السيارة ( الكاوتشوك ) وهو الارخص .. وهو ( نص النعل ) الذي كنت اركبه لكندرتي بمعدل عشر مرات في السنة .. كان ابو حسن ( النعال ) يركب النص فوق النص حتى اصبحت اسير على كعب زاد من طولي عشرات السنتيمترات ... كانت الاحذية في الخمسينات من الكماليات لان اكثر الطلبة الفقراء كانوا يأتون الى المدرسة  اما حفاة او بزنوبة ... وكانت اسعار الكنادر مرتفعة  والدخول الى محلات باتا كانت هيصة ودليل على الثراء ...  واحتكر تجارة الاحذية في الزرقاء الشوام وكانت محلات باتا وزعترة والبكري وهندي والعالم ( لصاحبها ابو سمير ) من اشهرها ...  محل العالم لابو سمير  كان الاكثر انتشارا لانه كان يبيع الاحذية على النوة ( بالدين ) ... وبدأ العصر الذهبي للاحذية يتلاشى بدخول مصنع الجلود في الاردن على الخط بصناعة ( الجزم ) التي كنا نلبسها في الشتاء وتتخمر فيها ارجلنا طوال النهار ولا الكيماوي السوري ومع مطلع الستينات وصلت تجارة البالات الى الزرقاء و ( طمرت ) الاسواق بأحذية امريكية وصنادل عجيبة المنظر رائعة الجودة والتفصيل وان كانت احجامها عملاقة تتناسب مع احجام الامريكيين

لم تكن هناك عناوين او ارقام محددة للمنازل او المحال ... وكان الاستدلال على البيوت يتم بالوصف الذي غالبا ما يكون طريفا .. فبيت فلان يقع في اخر الزاروبة على ايدك اليمين من ملحمة ابو طلال ... ومحل علان يقع في اخر النزلة قبل مخبز ابو زيدان .. وهكذا .. ولما استعنت بالدكتور مفيد غنيم ( وهو جراح ايطالي معروف  من اصل فلسطيني ومن مواليد المخيم في الزرقاء ومن خريجي مدرسة الوكالة في المخيم )   لتصويب بعض معلوماتي عن المدينة التي ولد وعاش فيها مثلي ..... سالته : اين كنت تسكن في المخيم ؟  كتب الي يقول : انا من مواليد المخيم وبيتنا كان يقع في صف عشرة عند الحنفيات

كانت باصات عمان الزرقاء - واشهرها باص ابو الياس - تقف قبالة صيدلية الشعب المواجهة للمخيم  وكانت الركوبة بقرشين ونصف ولم تكن سيارات السرفيس قد دخلت الخدمة بعد وكانت الرحلة الى عمان طويلة رغم ان المسافة تقل عن عشرين كيلومترا لان الطريق كان باتجاه واحد وفيه تعرجات كثيرة ومطبات كانت تؤدي احيانا الى حوادث مؤلمة .. كان هناك مكتب للسيارات الخاصة اسمه ( تكسي البريد ) يقع في مدخل المخيم ورقم هاتفه 191 وكان مملوكا لمحمود المحادين ( ابو هاني ) نائب رئيس البلدية الشيشاني قاسم بولاد .. وابنه هاني كان صديقي وقد انهينا الثانوية العامة في مدرسة الثورة .. واسسنا معا نادي اسرة القلم كما ورد اعلاه

كانت منطقة الباصات محاطة بمقاهي شهيرة يقضي فيها الشباب معظم اوقاتهم في لعب الطاولة والشدة وكان ( القينر ) اشهر طلب عدا عن الشاي والقهوة والشيشة ..  وكانت مقهى المشهراوي لصاحبها ابو زياد ( وهو من يافا )  من اشهرها ... تليها مقهى الكواكب لامين خروب ( من نابلس )  ومقهى سعيد العكرماوي  وغيرها وكانت المقاهي  في اغلبها تحتل اسطح الدكاكين ودخل لاحقا نظام المقاهي المزودة بطاولات البلياردو وتحت هذا الستار دخل القمار الى الزرقاء من اوسع ابوابه

منطقة الباصات كانت ايضا مقرا لاشهر صيدليات المدينة  مثل  صيدلية الشعب ( لصاحبها الصيدلي الترزي وهو من القدس )  والصيدلية الحديثة لمدحت درويش وصيدلية الادهم  للدكتور سميح الادهم ( وكانت بجوار موقف التكسيات الشعبية )  وصيدلية مطالقة .. وكانت هذه الصيدليات تعمل على روشيتات يصرفها عدد قليل من الاطباء منهم وابرزهم الدكتور محمد السخن ( وكان طبيبنا الخاص وغالبا ما كنا نستدعيه الى بيتنا في المعسكر وكان والده من ابرز رجالات الحركة الوطنية ) والدكتور سليم موسى والدكتور كامل حنا والدكتورة مي اليتيم ( زوجة تيسير سبول ) وكانت عيادتها في عمارة فلاح المدادحة قرب عيادة  سليم موسى والدكتور فريد عقل والدكتور امين ابو الرب والدكتور سميح الادهم والدكتور ميشيل لويس واغلب هؤلاء من الفلسطينيين .. ولم يكن في الزرقاء الا طبيب اسنان واحد هو الدكتور نزيه المزيك وشقيقه سعيد يقيم في هيوستون ( وهما سوريان كركيان )  و كانت عيادة نزيه المزيك للاسنان تقع في مدخل الحسبة في عمارة عرفت لاحقا باسم عمارة ( الرصد الثوري ) فوق دكانة عبد الرحيم وقد تعرضت العمارة الى القصف في الساعات الاولى من الاشتباكات بين الجيش الاردني والفدائيين في معركة ايلول ... الدكتور نزيه كان صديقا لوالدي ومن هنا كنا من زبائنه وقد التقيته في منتصف التسعينات عندما جاء الى هيوستون لزيارة اخيه سعيد وكانت المستشفى العسكري ( قبالة سينما سلوى ) تؤمن لاولاد العسكر علاج الاسنان ولكن كان الحفر والقلع بدون بنج .. وقدمت مستشفى الحاووز الخدمة نفسها للمدنيين .. بدون بنج ايضا .. وكان هناك شخص اسمه ( يوسف القسوس ) يرفع يافطة امام دكانه يقول فيها انه طبيب اسنان .. وبعد فترة غير اليافطة الى ( ميكانيكي اسنان ) وعمل كطبيب اسنان قريب لنا كان تمرجي اسنان وخبير تركيب اسنان في الجيش
 
كانت (الغويرية) هي اقصى المدينة من ناحية الغرب  تليها مزبلة المدينة والمصفاة وكان سكان الغويرية اغلبهم من صغار العمال والعسكر والموظفين .. وكان (الحاووز) بمثابة حجر الرحى والجادة السابعة في باريس ...  كان يقع الحاووز على تلة الغويرية التي تتفرع منها شوارع جديدة بدأت تظهر بشكل عشوائي وتتشكل حولها حارات تعرف باسم سكانها ... حارة (عبدالحق) نسبت للشيخ عبدالحق ( ابو صادق ) اشهر سكان المنطقة التي انجبت الكاتب الصحفي المرحوم بدر عبدالحق وشقيقه المحامي صادق عبدالحق والوجيه الضابط السابق صلاح عبد الحق  والصحفي الشهير تاج الدين عبدالحق واخوهم الاصغر الدكتور ( طبيب ) احمد عبد الحق ... كان منزل والدهم الشيخ عبدالحق من معالم المنطقة وفيه كانت تعقد جلسات نشطاء ومفكري الستينات مثل تيسير سبول وسليمان عرار وصادق عبد الحق .... وال عبد الحق ينحدرون من عائلة معروفة في نابلس والام كانت من عائلة معروفة في عجلون وكان شقيقها شاعرا معروفا في الاردن هو صديقي المرحوم الشاعر عبد العزيز القرشي

كان اقصى غرب الزرقاء ينتهي بعمارة السبعين ... وهي عمارة من طابقين عرفت بالسبعين لان صاحبها (حفر) على مدخل عمارته مجسماَ لسبعين ... كانت السبعين  في مطلع الستينات هي أخر الدنيا بالنسبة للزرقاء وعندما كان يقول لك احدهم انه سكن عند عمارة السبعين كنت ترد عليه : ول عليك  يا زلمة  شو سكنك  في اخر الدنيا  ... ومن بعدها صحراء تمتد حتى منطقة (السخنة) التي يسكنها الشركس والتي كانت تعتبر متنزهاَ للزرقاويين لعذوبة مياهها وكثرة اشجارها وبركها وسمكها

اما جنوب المدينة فينتهي بنادي الضباط يليه (الجبل الابيض) وكان جبلاَ مهجوراَ موحشاَ بدأت تدب به الحياة بعد زواج الامير حسن ولي العهد من الباكستانية (ثروت) حيث بدأت هجرة الباكستانيين الى المدينة للعمل كزبالين ولسبب اجهله اختاروا الجبل الابيض للاقامة فيه ... وظل هذا الجبل خرابة حتى مطلع السبعينات قبل ان يتحول  – كما علمت -  الى جاردن سيتي الزرقاء وزمالكها (نسبة لحي الزمالك في القاهرة) ...  كان نادي الضباط من معالم الزرقاء التي لا تغفلها العين واشتهر بمدخله الذي زين بصفين من اشجار السرو الضخمة ... كان النادي المقام على الطريقة الانجليزية هو مكان التسلية الوحيد لضباط المعسكر ببركة السباحة الكبيرة المقامة فيه ومطاعمه المتميزة الرخيصة التي تم تزويدها بطاولات البلياردو ... كان النادي يدار من قبل جارنا المرحوم (صدقي الكايد) الذي اسس ابنه (خلدون) اول  محل لتصليح التلفزيونات في المدينة وذلك قبل افتتاح التلفزيون الاردني واعتماد اهل الزرقاء على استقبال البث من تلفزيون دمشق ...  وكان البث يصل ضعيفا وتتم تقويته بنصب اعمدة طويلة فوق الاسطح تنتهي بانتينات لاستقبال البث وكانت الانتينات الاغلى هي المزودة بماطور يقوم بتحريك العمود باتجاه الاشارة الاقوى ولولا هذه الانتينات لما سعدنا يومها بمشاهدة مسلسلات حمام الهنا ومقالب غوار وكان الكيالي اول من بنى برجاَ هوائياَ عالياَ فوق منزله في الغويرية منذ اواخر الخمسينات لالتقاط بث تلفزيون دمشق ... وكنا يوها – كاطفال - لا نعرف سبباَ لوجود هذا النصب الفولاذي العملاق فوق ذلك المنزل والذي يوازي في طوله الحاووز الى ان ظهر جهاز التلفزيون الذي شاهدته اول مرة في معرض سوق الحجاوي  ... كان الناس يصطفون بالمئات امام المعرض لمشاهدة هذا الجهاز العجيب

بعد هزيمة حزيران وقبل مجازر ايلول انشأ الملك حسين التلفزيون الاردني واوكلت مهمة ادارته لمحمد كمال الذي كان حلقة الوصل بين الملك والاستخبارات الامريكية  بل ويقال ان محمد كمال كان مسئولاَ عن الخلية التي ينتمي اليها الملك حسين الذي عمل في الاستخبارات الامريكية بمرتب شهري وكان اسمه الكودي (مستر بيف) وظل في وظيفته كجاسوس رسمي بمرتب شهري الى ان تم تفنيشه بقرار من (كارتر) ... وتحولت الحكاية الى فضيحة حين كشف عنها في الواشنطون بوست الصحفي الامريكي ذاته الذي كشف لاحقاَ فضيحة واترجيت .. واذا كنت ترغب بقراءة المزيد عن هذا الموضوع ...انقر هنا

التلفزيون دخل اولا بيوت الفلسطينيين في المخيم قبل ان يصل حتى الى بيوت الضباط في المعسكر والسبب ان سعر التلفزيون كان مرتفعا جدا وكان الكثير من ابناء المخيم يعملون في دول الخليج بخاصة الكويت وبالتالي كانوا يملكون القوة الشرائية التي حولت اسطح المنازل في المخيم الى غابة من الانتينات

لقراءة باقي ( الورقات ) انقر هنا













Home Page
كتب ممنوعة
اراء حرة
صورة وتعليق
اخبار طازة
برقيات عاجلة
شروط النشر
فضائح وفضائح
خبر وتعليق
سري جدا
لصوص ظرفاء
رسائل القراء
من ارشيفنا
هذا الرجل
هذه المرأة
كتاب البورتل
كاتب وكتاب
قصائد ممنوعة
 مقالات  مميزة
كتب للبيع
ارشيف الاخبار
قصائد المقدسي
صحف عربية
الافتتاحيات
مقالات ساخنة
صبرا وشاتيلا
أسامة فوزي
ملفات الفساد
 مقالات الاولى
الكتب السعودية