الورقة الثالثة ... بالطقاق


November 07 2014 13:02

اوراق من مفكرة مواطن اردني سابق
صور من التاريخ الوجداني ( الانساني والثقافي والجغرافي ) للاردنيين
 في عمان والزرقاء
يكتبها : أسامة فوزي

الورقة الثالثة


قبل ان اكمل كتابة وريقاتي الوجدانية ارغب في ان اتوقف عند ( ايميل ) بعث به الي قاريء صوب فيه لي كلمة وردت في المقال تصويبا نحويا ( ترك كل ما في المقال من معلومات ودق بكلمة )... ولو كان القاريء امامي لضربته بالصرماية تماما كما كنت افعل في ندواتي في الاردن حين كان يتنطع جاهل للمزايدة علي بالتوقف عند كلمة هنا وكلمة هناك بحجة انها تخالف قواعد سيبويه او ما  ثبت من صحيح الدين ... انا استاذ في اللغة العربية حفظت  ( اوضح المسالك الى الفية ابن مالك  ) عن ظهر قلب وكنت خلال الدراسة في الجامعة اشرب الكتاب عنوة صباحا ومساء وفي القيلولة وقبل التبول وعند الاستنجاء .. كنت اشرب واكل واشخ سيبويه وزبرويه ليس حبا بهما وانما رغبة في التخرج والحصول على الشهادة لانها طريقي الوحيد نحو العمل والتوقف عن شراء الملابس و ( الجرازي ) الحمراء من البالات

ولاني درست العربية  في الجامعة على اصولها وبالتالي خبرت كل ما فيها من منيكات واكل خرا ... فقد اتخذت لنفسي اسلوبا في الكتابة والتعبير لا يقف امام مطبات سيبويه وزبرويه طالما ان التعبير - من وجهة نظري - يوصل المعلومة التي اريد ايصالها للقاريء .. وكنت اقول لمن لا تعجبه الفاظي وتعبيراتي واحيانا تجاوزاتي بحق اللغة و ( ما  ثبت من صحيح الدين ) كس امك ... فان تادب في مقولته كنت اضيف :   ان رايك لا اشتريه بتعريفة .. فان اعجبته كلماتي اهلا وسهلا .. وان راها خارجة فليبلط البحر ..  ومن يريد ان يزايد علي في هذا الموضوع ... بالطقاق

***

قلت اني ولدت في ( مشخة )  في الاردن اسمها ( الزرقاء ) اقامها الاتراك عند محطة للقطار الذي كان يوصل دمشق بمكة مروراَ بسوريا والاردن ( قطار الخط الحديدي الحجازي) ولم يكن في هذه (المشخة) اية معالم تذكرو حتى تؤهلها  لان تصبح (مدينة) اللهم الا ( السيل )  الذي عرف باسم سيل الزرقاء وقد سكن على اطرافه مهاجرون من الشيشان كانوا قد هربوا من حرب الابادة القيصرية في القوقاز ... واكثر المهاجرين منهم  الى شرق الاردن نزلوا في منطقتين  الاولى  ( وادي السير ) على مشارف عمان واكثر سكانها من الشركس والثانية منطقة ( السخنة )على مشارف محطة القطار في الزرقاء واكثر السكان كانوا من الشيشان

ومع ان التقارير الرسمية الاردنية زعمت ولا تزال ان مدينة الزرقاء وجدت قبل اربعة الاف سنة قبل الميلاد – جعلوها اقدم من الاهرامات المصرية – بل وتغنوا باثار الانبياء فيها ... الا ان الباحث الموضوعي – بعد ان يغادر الاردن طبعا – سيكتشف ان هذه التقارير مفبركة وكاذبة وحالها حال ( الثورة العربية الكبرى ) التي فجرها الشريف حسين جد العائلة الهاشمية – كما درسونا في الاردن – قبل ان نكتشف انها مؤامرة انجليزية للسيطرة على البلاد العربية وان مفجرها - الشريف حسين - من اصول يهودية ولمن يرغب بقراءة المزيد عن هذا اليهودي يمكنه ان ينقر على هذا الرابط لقراءة مقال قديم كتبته عن هذه الحكاية  بعنوان... الشريف اليهودي

ومع ان ابرز معالم الزرقاء التاريخية يدعى قصر شبيب و يقع  في الجهة الغربية من مدينة الزرقاء وقد شيد في العصر الروماني القديم  وكان يسمي بقاعة الزرقاء أو حصن الزرقاء، وينسب إلى الأمير شبيب المهداوي الجذامي   ... مع ذلك لم يشاهد سائح واحد في مدينة الزرقاء منذ تاسيسها عام 1902 وحتى اليوم... وظل قصر شبيب خرابة كانت   - في الستينات -  المكان المفضل عند زعران وسرسرية الزرقاء ... لنيك الاولاد الهوملس

الطريف ان بلدية الزرقاء نفسها وعندما ارادت ان تحتفل باهم معالم المدينة لم تلجأ الى حكاية ( الاربعة الاف سنة قبل الميلاد ) ولا الى ( ارض الانبياء ) وانما اكتفت باصدار بيان يتضمن خططا لتطوير اهم معلم في مدينة الزرقاء وتبين انه ( الحاووز ) ... وهو تنكر ماء ( صهريج ) بناه الانجليز عام 1923 على تلة عالية وبعيدة عن المدينة لتزويد معسكرات الجيش الانجليزي التي شيدت قرب السكة الحديد بالمياه وهو الاثر الوحيد ( المحرز ) الموجود في المدينة الى جانب ( المشخة ) التي بناها الاتراك في محطة القطار ولا تزال المشخة موجودة الى الان في شارع ( الجيش ) المحاذي لسكة الحديد ... هذا طبعا بالاضافة الى قصر شبيب الذي لم يزره حتى الساعة الا زعران المدينة .. ولغرض واحد فقط .. وهو نيك الاولاد الهوملس وعندما كانت مونة الاولاد الهوملس تنفذ او تختفي من الاسواق كان زعران المدينة ينيكون حمير بني حسن وظل هذا تقليدا تميزت به مدينة الزرقاء الى ان وصل الجيش العراقي الباسل الى مدينة المفرق الاردنية وصحراء خو قرب الزرقاء في الايام الاولى من حرب حزيران يونيو 67 ... الجيش العراقي تعرض لضربات جوية اسرائيلية منذ ان ترك معسكراته في بغداد وحتى وصلت طلائعه الى مشارف الزرقاء ولم تكن اسرائيل تحتاج الى من يدلها على اماكن وتحركات الجيش العراقي فاذاعة عمان كانت تقدم تقريرا كل ساعة عن تحركات الجيش وكان سليمان المشيني يقول في مقدمة كل نشرة اخبارية يقدمها من اذاعة عمان (  اعزائي المستمعين ...جاءنا الخبر العاجل التالي  .. دبابات الجيش العراقي  الشقيق وصلت الى حارة ابو عواد  قرب مخابز ابو علي في مدخل المفرق وتجمعت سبع دبابات في ساحة المدرسة الثانوية وهناك كتيبة دبابات ستخرج بعد نصف ساعة من مدينة الرطبة حتى تتوجه الى الجبهة ) ..ولم يكن  موشي ديان وزير  الحرب الاسرائيلي يحتاج يومها الى اكثر من جهاز راديو حتى يسمع نشرة الاخبار الاردنية ويبعث بطائراته حتى تحصد دبابات الجيش العراقي  اولا بأول بخاصة وان الاردن لم يكن يملك يومها غطاء جويا لتأمين قواته الارضية اللهم الا طائرة هوكر هنتر لا تصلح لصيد الجراد  .. وعندما اعلنت الهدنة بعد ستة ايام من بدء المعارك كان الجيش العراقي قد خسر كل دباباته وبقي المشاة فصدرت لهم الاوامر بالتخييم في مشارف الزرقاء ... وخلال عامين قضاها مشاة الجيش العراقي قرب الزرقاء لم تبقى حمارة واحدة من حمير بني حسن ( بكرا ) فقد افتض جنود العراق بكارات حمير الاردن من شماله لجنوبه واصبح الازعر الزرقاوي يبذل الغالي والرخيص من اجل الحصول على حمارة ... حتى ينيكها في قصر شبيب

الطريف ان الذين حولوا  ( مشخة الزرقاء) الى مدينة هم الانجليز واللاجئون الفلسطينيون مع ان التقارير والدراسات الحكومية تعطي هذا الشرف لعائلات شيشانية ودرزية ( فلسطينية ) وسورية ( شامية ) نزلت ( قرية الزرقاء ) قبل اللاجئين ... وفي هذا مبالغة تكذبها شهادات شيوخ الشيشان في المدينة

فقد ذكر عضو البرلمان السابق عبد الباقي جمو ( وهو شيشاني ) في احدى محاضراته ان كل الذين هاجروا من القوقاز الى الزرقاء باشراف والده وجده هم اقل من ثمانين عائلة شيشانية نزلت في اطراف ( سيل الزرقاء ) وعلى اطراف ( جناعة ) و ( عوجان ) وهذه لم تكن اصلا تعتبر من اعمال الزرقاء

الزرقاء كانت في العهد التركي مجرد قرية مهجورة تعرف في الوثائق العثمانية التركية بقرية ( قصر الزرقاء ) نسبة الى تلة تعرف بقصر شبيب ... وكانت  قرية الزرقاء تتبع قائمقام عجلون .. وتدار من قبل مختار يعينه القائمقام العجلوني ولما وصلت اعمال سكة الحديد الى هذه القرية عام 1902 بنى الاتراك محطة لا زالت موجودة الى الان لتزويد القطارات بالمياه والوقود ولتوفير ( حمامات ) يشخ فيها ( الحجاج ) الاتراك الذين يتوجهون الى مكة من تركيا كما ذكرت من قبل ولا باس من التكرار لان التكرار بيعلم الحمار

اذا جاز لنا تقسيم تاريخ المدينة الى  فترات ومراحل  – اسوة بما تفعله كتب التاريخ المدرسية في الاردن – يمكن  ان نقول ان فترة ( المشخخة ) هي المرحلة الاولى في تاريخ المدينة تبعتها هجرة العائلات الشيشانية ( الثمانين ) الى القرية وقد وضعت هذه العائلات حجر الاساس للمدينة ببناء مسجد لا زال موجودا الى الان ويعرف باسم مسجد الشيشان  ( الاسم الرسمي هو مسجد ابو بكر ) ويطل المسجد على سيل الزرقاء ويبعد كثيرا عن ( الحاووز ) وتفصله مئات الامتار عن محطة القطار

ويمكن ان نلحق بمرحلة المشخخة لجؤ عائلات درزية من فلسطين الى المدينة نزلت في منطقة الازرق تبعتها عائلات شامية ( السمان ) و ( العالم ) وغيرها ويمكن اعتبار هذه بداية للوجود الفلسطيني في المدينة وان كانت قاصرة على العائلات  الفلسطينية الدرزية ... ولعل كثيرين لا يعلمون ان الشاعر الفلسطيني سميح القاسم ولد في الزرقاء عام 1939 وهاجر مع والديه وهو طفل الى الجليل الفلسطيني ( ابوه عمل مع ابي في قوة الحدود في الزرقاء )  ... الشوام والدروز الفلسطينيون كسروا احتكار الشيشان لسيل الزرقاء ... وعلى سبيل النكاية بنى هؤلاء مسجدا على بعد امتار من مسجد الشيشان سموه مسجد عمر ... تفرعت منه مجموعة بيوت من الطين عرفت انذاك بحارة الشوام واذا كانت العائلات الشيشانية قد احتكرت الزراعة والفلاحة على اطراف السيل فان العائلات الشامية والفلسطينية الدرزية استلمت الجانب الاقتصادي والتجاري في القرية .. وكانت جميع المحلات والبقاليات وحتى دكاكين تصريف الانتاج الزراعي الشيشاني مملوكة للعرب  بخاصة دروز فلسطيين ... كان ( ابو فرحان الدرزي ) هو مختار الفلسطينيين  في مدينة الزرقاء قبل عام 1948 وظل كذلك في الخمسينات ولا زلت احتفظ بالكثير من اوراقي الشخصية التي تحمل ختم ( ابو فرحان ) باعتباره مختارا  للعائلات الفلسطينية المهاجرة من ( ترشيحا ) في الجليل المحتل  الى الزرقاء مثل عائلتنا ... وعندما اردت استخراج شهادة ميلاد وكنت في التاسعة من عمري بعثني والدي الى المختار ابو فرحان الدرزي .. فسالني : انت ابن مين بلا صغرة ؟ قلت له : انا ابن فلان .. فاخرج ختما بصق عليه  حتى يبلله قبل ان يطجه على ورقة حصلت بموجبها على الشهادة المطلوبة وللعلم فقط فان لهجة ولغة ابطال مسلسل الخربة لدريد لحام ذكرتني بلغة ولهجة ابو فرحان الدرزي

الفترة الثانية في حياة المدينة يمكن تسميتها بالمرحلة الانجليزية ... فقد كانت فلسطين وبلاد الشام تحت امرة المندوب السامي الانجليزي وكانت الادارة العسكرية للجيش البريطانية تتخذ من ( صرفند ) في فلسطين مقرا لها  . وفي عام 1926 قررت بريطانيا بناء معسكرات لجيشها في مناطق امنة وبعيدة ومتوسطة الابعاد مع الاحتفاظ بمقر القيادة في ( صرفند ) ووقع الخيار على قرية الزرقاء .. فقد كانت شبه خالية من السكان ... وتشقها سكة حديد توصل  دمشق بمكة ... وتقع على طرفها منطقة الازرق التي توصل الزرقاء بالحدود العراقية كما انها قريبة من دمشق ... وهذا ما كان ... وظهر ( معسكر الزرقاء ) الذي ولدت فيه ... وكانت قيادات المعسكر القادمة من ( صرفند ) مكونة من عائلات الضباط الانجليز وعائلات الفلسطينيين العاملين في الجيش البريطاني وابرزها عائلات النابلسي و المختار وابو جميل ... وغيرها ... ووصل احد ابناء هذه العائلات ( سليمان النابلسي ) في مطلع الخمسينات الى منصب رئيس وزراء في الاردن .. واضطرت عائلته الى الهجرة الى سوريا بعد سقوط الحكومة واتهام النابلسي بالتخطيط لانقلاب على الملك وكان من بين المهاجرين الى سوريا شقيقه سعيد النابلسي ( ابو باهر ) الذي اصبح ابنه باهر من اعز اصدقائي والاطرف ان ابن عم باهر ( فارس سليمان النابلسي ) اصبح وزيرا في الاردن في عهد وزارة ابو الراغب وجاء من يقول لي ان فارس هو الذي كان وراء منع موقع عرب تايمز في الاردن  الذي صممه اصلا لنا باهر النابلسي

 المرحوم باهر النابلسي ( ابو وسيم )  الذي توفي في سبتمبر 2011 في دبي كان شاعرا معروفا في الامارات قبل ان ينقل مقر اقامته الى قطر ثم الى القاهرة فدبي التي توفي فيها وكان باهر متعدد المواهب .. فالى جانب خبرته في تجارة السيارات ( كان مديرا لوكالة السيارات الامريكية في الشارقة التي يمتلكها الشيخ عبد العزيز القاسمي )  ثم مديرا عاما لوكالة سيارات سيتروين في القاهرة وقبلها مديرا لوكالة سيارات لادا في القاهرة ... عمل ايضا كمدير لشبكة ( نسيج)  السعودية  من خلال مكاتب فتحها باهر  لنسيج في عمارات العبور في القاهرة وهو في الحقيقة الذي اسس هذا الموقع في القاهرة قبل ان تنقل ادارته الى السعودية .. وتتنكر ادارته تماما لفضل باهر النابلسي ودوره حتى انها لم تنشر نبا وفاته

المرحلة الانجليزية ونشؤ معسكر الزرقاء كانت الولادة الحقيقة للمدينة التي انفصلت عن قائمقامية عجلون .. وتأسس فيها اول مجلس بلدي ترأسه شيشاني ... واصبحت بلدية الزرقاء مقطوعة للشيشان ( كان مساعده من عائلة المحادين ) قبل ان ينحسر نفوذ الشيشان بوفاة رئيس البلدية قاسم بولاد الشيشاني ( صاحب الصورة ) وتولي صديقي الشاعر البدوي والوزير السابق في حكومة الملك العسكرية ( ابراهيم صايل ) رئاسة البلدية التي الت لاحقا الى عشيرة ( الغويرية ) وهي عشيرة تنتمي الى منطقة الحاووز ... التي تسمى باسم العشيرة ايضا

انا لم اكن من جيل مرحلة ( المشخخة ) اي مرحلة التأسيس لان عائلتنا لم تكن قد هاجرت الى الزرقاء بعد .. انا محسوب على المرحلة الانجليزية لان والدي عمل وهو شاب في ( قوة الحدود ) في صرفند اولا .. ثم انتقل الى الزرقاء ليعمل كاتبا في سلاح التموين  عام 1941.. واكبر اشقائي ولد عام 1942 في الزرقاء .. لذا لم نحسب من ضمن اللاجئين الفلسطينيين الذين وفدوا الى الزرقاء بعد نكبة فلسطين عام 1948 رغم ان والدي شارك في حرب فلسطين وكان في ( ترشيحا ) عند اندلاع القتال وهاجر مع سكان القرية الى لبنان القريبة ( بنت جبيل ) قبل ان يقرر العودة الى الزرقاء في حين توزع سكان ترشيحا بين مخيمات لبنان ( برج البراجنة تحديدا ) والمخيمات السورية ( النيرب ) و ( حندرات ) في ريف حلب

الانجليز الذين بنوا معسكر الزرقاء بمقرات لكتائب المدفعية والمشاة واللاسلكي والتموين والمشاغل وخلافه .. اقاموا ايضا منازل للضباط والجنود .. وكانت منازل الضباط اشبه بضاحية انجليزية فاخرة بمنازل بنيت على الطريقة الانجليزية وبعضها كان يسقف بالقرميد الاحمر واحيطت المنازل بحدائق مسورة بالحجر الابيض زرعت فيها مئات الاشجار المثمرة ... هذه الضاحبة الانجليزية الرائعة  التي كان يمكن تحويلها الى معلم سياحي ( بدلا من الحاووز ) جرفها الملك عبدالله بعد ان باعها للامير خالد بن سلطان .. وقيل انه خسرها لاحد شركاء الامير في لعبة طرنيب

احد ابناء الضباط السابقين في الاردن من ابناء هذا الحي نشر قبل سنوات شريط فديو على شبكة يوتوب بعد ان زار خرائب البيت الذي ولد فيه قبل تجريف المنزل .. وهذا هو الرابط لهذا الفديو

http://www.youtube.com/watch?v=-9ZCvZ0rA6s



لم يسكن كل العسكر في المعسكر ... الكثير من الضباط والجنود سكنوا في  القرية التي اصبحت مدينة الامر الذي ادى الى ظهور حي سكني ملاصق لدير اللاتين ( قرب المقبرة ) عرف باسم حي الضباط  وبنى حابس المجالي قائد الجيش عمارة ضخمة على مدخل المنطقة سرعان ما تحولت الى مقر لدائرة المخابرات وادى هذا التمدد للعسكر خارج المعسكر الى ظهور عشوائيات مترامية بدأت تعرف باسماء ساكنيها .. فهذا حي معصوم وذاك حي الغويرية  وهذا  وادي الظليل  وهذه منطقة بيرين وغيرها ... وبدأنا نرى في الشوارع ( زبالين ) من التابعية الباكستانية سكنوا في جبل مقفر ومهمل اسمه ( الجبل الابيض ) .. وبعد زواج الامير حسن من الباكستانية ( ثروت )  عام 1968 حصل الزبالون الباكستانيون على الجنسية الاردنية  .. وعلمت ان الجبل الابيض اصبح الان من المناطق الراقية وغالية السعر في الزرقاء

حتى بدايات المرحلة الانجليزية لم يكن في الزرقاء ( بدو ) ... خلافا لكل ما قيل او نشر ... عشائر بني حسن اقامت في المفرق و في خو وفي الرصيفة متجنبة الزرقاء لسبب اجهله ... ولم تدخل عشائر بني حسن الى الزرقاء وتستوطن فيها الا في منتصف الاربعينات ... واقتصر الامر على عدة عائلات من ( الزواهرة ) اتخذت من منطقة الحاووز مسكنا وصولا الى السخنة وعرفت المنطقة لاحقا باسم جبل الزهور...  واستوطنت عائلات مسيحية في المدينة وكانت اغلبها قادمة من مدينة الكرك .. وللكركيين الفضل في بناء جميع كنائس المدينة ومنها دير اللاتين ( قرب المخيم )  وقد كنت عام 1954 احد تلاميذ الحضانة في هذا الدير ( كان عمري 4 سنوات فقط )  وقد تم طردي من الدير لاني كنت اشخ كثيرا  ولم تكن تكنولوجيا البامبرز قد وصلت الى المدينة بعد لذا كانت والدتي رحمها الله تلفني ببشكير او بكيس خيش ونظرا لاني كنت اشخ كثيرا ( من باب الزهق ربما ) كانت الشخة بولا وبرازا تتسرب من الخيش فتعم الفائدة على الجميع ومنهم المدرسة ( السستر )  التي زعمت في شكواها وقرارها بطردي من الدير اني كنت اوقت عملية الشخ في حضن الراهبة  ( السستر )  كلما وضعتني الراهبة في حضنها لاطعامي

 كان باص الدير ( وهو من الباصات القديمة الجميلة التي تشبه الصندوق ويغلف جسم الباص بالفورمايكا البنية وكان الباص مملوكا للدير )  ينقلني يوميا من منزلنا في المعسكر الى الدير قرب مقبرة المخيم ومعي ابن جارنا ( عيسى جميل حتر )  الذي كان ابوه سائقا في الجيش واخته  الصغرى ( نهى ) هي الان  - كما علمت - مديرة لمكتب الامير حسن ولي العهد السابق في الاردن

 دار جارنا ابو عيسى كانت اول اطلالة لي على الدين المسيحي ... وكانت متعتنا - ونحن اطفال - ان نشارك عيسى واخواته  نهى ونورما وسمر ( امل ان تكون الاسماء صحيحة )  بتزيين شجرة الميلاد والجلوس الى ( الجدة ) للاستماع الى القصص والحكايات .. كانت جدة عيسى بثوبها  التقليدي الجميل ولفة الراس المعروفة عن مسيحيات ( الفحيص ) تقيم مع الاسرة المكونة من عيسى ووالديه واخواته الثلاث  كانت تحرص على مشاركتنا في استقبال عيد الفطر بصينية من المعمول ...  وجدة عيسى التي كنا نناديها كلنا بالجدة اول من ابتكر فن ( المصطبة )  امام البيت ... دار ابو عيسى بنوا مصطبة من الاسمنت  امام باب البيت وكانت الاسرة كلها تقعد  عصرا  على المصطبة ولان بيت ( ابو عيسى ) كان مثل بيتنا يقع في مدخل حارة الجنود على راس الشارع الذي يصل الحي بالشارع العام  وبالتالي بالسوق فان ام عيسى تحديدا كانت افضل واهم وادق مرجع لتحركات كل سكان الحارة ... ومن اجل هذا كنت احرص ان ( اخش ) الحارة من ( الشيك )  الفاصل بين المعسكر والغويرية كلما عدت في وقت متأخر من السينما .. حتى لا تصل الاخبارية الى الوالد ... فيمسيني بقتلة

مشخة (الزرقاء) بدأت تتحول الى مدينة عام 48 عندما وصل اليها اللاجئون الفلسطينيون بعد حرب النكبة وهذه هي المرحلة الثالثة والاهم في حياة المدينة وهي المرحلة ( الفلسطينية ) من عمر المدينة التي شكلت الملامح الحالية لمدينة الزرقاء ومن حسن حظ الزرقاء ان اللاجئين الفلسطينيين الذين قدموا اليها واقاموا  بجوار سكة الحديد باتجاه السيل ومنطقة عوجان وجناعة فيما عرف لاحقا باسم ( مخيم الزرقاء ) كانوا من سكان مدن يافا وحيفا واللد والرملة ... اي انهم كانوا من سكان المدن الفلسطينية ( الحضرية )  المعروفة خلافا للعائلات الشيشانية التي جاءت من ارياف القوقاز ومن الطبيعي ان ينقل الفلسطينيون معهم عادات وتقاليد ومهن ومهارات اهل الحضر ... فبدأت تظهر في قرية الزرقاء دور السينما والمطاعم ومحلات النجارة والحدادة واسواق الحسبة وكل ما يخطر لك على بال من حوانيت المدن ودكاكينها ومهنها  مما لم تكن تعرفه القرى الاردنية التي يغلب عليها طابع البداوة... ووجدت قرية الزرقاء نفسها فجأة موطنا  للمئات من الحرفيين المهرة القادمين من اهم وابرز واشهر المدن الفلسطينية

الفلسطينيون حولوا  الاراضي المحيطة بسيل الزرقاء الى مزارع وبيارات وبنوا شارع (السعادة) ومتفرعاته بدءا بالمعسكر وحتى قصر شبيب  واقاموا على اطراف المخيم الملاصقة لسينما (النصر) ساحة يحتفل فيها سكان الزرقاء بالاعياد واصبح الشارع الملاصق للمخيم والواصل الى المعسكر الشارع الرئيسي الوحيد الذي يربط بين الزرقاء وعمان مروراَ ببلدة عوجان وماركا والمحطة وكلها كانت قرى يسكنها البدو الرحل  حتى ان الامير عبدالله مؤسس الامارة اقام في مخيم نصبه في ماركا (في منطقة تعرف الان باسم شنلر) وكانت تقيم معه عشيقته السوداء (ناهدة) قبل ان يبني له مهندس فلسطيني قصور بسمان ورغدان على هضبة في عمان مطلة على مدرجها الروماني  وكان الامير قد وصل من معان الى عمان رغم انف حكومة شرق الاردن التي كانت عاصمتها السلط واقام عند وصوله الى عمان غازياَ في منزل شيخ الشراكسة (المفتي) قبل ان يقوم الشيخ بطرد الامير لانه تحرش ببناته

لقراءة المزيد عن الامير عبدالله وعشيقته ناهدة انقر على هذا الرابط

http://www.arabtimes.com/writer/01.htm

 

كانت الزرقاء في الخمسينات تتكون من جزئين  المدينة والمعسكر  وكانت المدينة (وسط البلد) تتمحور حول اطراف المخيم الفلسطيني فعلى مشارفه اقيمت الحسبة وسوق السمك وفتح لفلسطينيون محلات للبقالة  ومطاعم صغيرة ومحلات للحلويات والبوظة اشهرها بوظة (ابو رشيد) ودخلت (الكنافة) الى المدينة على ايدي عائلات نابلسية من دار القاضي وتعددت (المناجر) وكانت منجرة فكري المفتي اشهرها (وقد عملت فيها في مطلع الستينات صبي نجار يوم كان يديرها نبيل المفتي وكانت المنجرة تقع في الشارع الرئيسي الممتد من جامع الشيشان وحتى معسكر الزرقاء  ... كان هشام ابن فكري المفتي يدير العمل بالمنجرة في حين كان شقيقه نبيل يتولى ادارة معرض المفروشات وقد عملت في فترة الصيف عام 1964 في المنجرة ( صبي نجار ) وكان اجري خمسة عشر قرشا في الاسبوع ومع ذلك لم اتعلم من مهنة النجارة الا ( العتالة ) فقد كان عملي يتلخص في حمل العدة والمساعدة في ( عتل ) الابواب والخزائن لتركيبها في بيوت الزبائن  وكان من بينهم الدكتور كمال حماتي وقد سرقت من منزله نظارته الطبية  عقابا له لانه لم ( يبخششني ) بعد ان ساعدت في تركيب غرفة نوم جديدة له عتلت ابوابها على ظهري من المنجرة وحتى بيته ... النظارة كنت استعملها - بعد ان خلعت منها العدسات - على سبيل الفشخرة والطريف ان ايا من اصدقائي لم يتنبه الى ان النظارة .. بلا عدسات.. وبعد تخرجي من الجامعة اصبح الرجل صديقي وفي اخر زيارة قمت بها لعيادته سرقت نظارة ثانية .. وهذه المرة على سبيل المنيكة ليس الا

في عام 1952 ظهر ( سوق الحجاوي ) في شارع فيصل ... كان معلما جديدا على المدينة الصغيرة بغرفه الضيقه وسوقه المسقوفة  ... اسس السوق مواطن فلسطيني من بلدة حجة الفلسطينية اسمه عبد الرحمن حسين الحجاوي كان مثل ابي من اوائل الذين التحقوا بقوة الحدود  منذ مطلع الاربعينات ولكنه سرعان ما ترك القوة وعمل بالتجارة واصبح من اشهر تجار المدينة ومن مؤسسي ابرز جمعياتها الوطنية والخيرية ( الصورة لعبد الرحمن الحجاوي )

 سوق (الحجاوي) و منطقة (سينما الحمراء) اصبحتا (  الداون تاون ) للمدينة  حيث يكثر فيها  الجوالون والعتالون والبلطجية وكانت سينما الحمراء ومثلها سينما النصر وسينما ركس تشكل امكنة الترفيه الوحيدة في المدينة وقد بنيت في عهد الانجليز وكانت في عمارتها اشبه بدور السينما في لندن ... مداخل مزينة باقواس فكتورية وشاشات ضخمة تفتح بشكل مبهر مع بداية العروض على اضواء خافتة يليها السلام الملكي الذي كان يظهر فيه الملك حسين ولداَ  وهو يرد التحية على انغام السلام الملكي

كانت دور السينما  ( النصر والحمراء وركس )  تشكل مثلثاَ اشبه بمسطرة المنقلة يرسم حدود المدينة الناشئة ... فسينما ركس كانت على طرف مداخل منطقة (خو) التي توصل الى المفرق وسينما (الحمراء) في الوسط وينتهي المثلث بسينما (النصر) وكانت هي الافخم التي تتردد على عروضها العائلات التي يمكن وصفها بالارستقراطية

ولدور السينما في الزرقاء اكثر من حكاية سارويها في الورقة الرابعة من هذه المفكرة

لقراءة الورقة الاولى ... انقر هنا
لقراءة الورقة الثانية ... انقر هنا
لقراءة الورقة الثالثة ... انقر هنا

لقراءة الحلقة الرابعة ... انقر هنا













Home Page
كتب ممنوعة
اراء حرة
صورة وتعليق
اخبار طازة
برقيات عاجلة
شروط النشر
فضائح وفضائح
خبر وتعليق
سري جدا
لصوص ظرفاء
رسائل القراء
من ارشيفنا
هذا الرجل
هذه المرأة
كتاب البورتل
كاتب وكتاب
قصائد ممنوعة
 مقالات  مميزة
كتب للبيع
ارشيف الاخبار
قصائد المقدسي
صحف عربية
الافتتاحيات
مقالات ساخنة
صبرا وشاتيلا
أسامة فوزي
ملفات الفساد
 مقالات الاولى
الكتب السعودية