من لطف الله بي اني رفضت عام 1973 قرار تعييني في مدرسة الامير طلال في حي معصوم الاردني


August 23 2014 00:37

من مفكرة شاهد عيان
سلسلة مقالات كتبها أسامة فوزي وعقد فيها مقارنات بين حياة الناس
 في العالم العربي وحياة الناس في أمريكا وتغطي المقالات جميع جوانب الحياة
 بدءا بالتعليم والصحة والمواصلات والسكن وانتهاء بخدمات القمامة والزبالة في كلا العالمين.

( الحلقة الرابعة )
متعة التجول في الصحراء العربية بالسيارة
من لطف الله بي اني رفضت عام 1973 قرار تعييني في مدرسة الامير طلال في حي معصوم الاردني


* عندما تكرمت عليّ المخابرات الاردنية عام 1973 بشهادة "حسن سلوك" تسمح لي بالعمل في وزارة التربية كمدرس افرزتني الوزارة للعمل في مدرسة ابتدائية اسمها "مدرسة ابو الفول" وكانت تسمى ايضاً مدرسة "حي الشيوخ"....ولكن اسمها في ملفات الوزارة وفي كتاب تعييني هو ( الليث بن سعد ) وهي تقع في حي فقير من احياء مدينة الزرقاء المتطرفة اسمه حي معصوم  وكنت مدرسا لمادة اللغة العربية للصف الثاني الابتدائي... وقد خيرت يومها بين هذه المدرسة وبين مدرسة مجاورة اسمها مدرسة الامير طلال فاخترت الليث بن سعد لاني وجدتها اقرب - مشيا على الاقدام - الى اقرب وسيلة نقل ويبدو ان هذا كان من حظي ومن ضربات القدر ايضا ... لاني لو قبلت العرض وعملت في عام 1973 في مدرسة الامير طلال  في حي معصوم لكان احد تلامذتي  في الصف الثاني الابتدائي في تلك المدرسة الطالب احمد فضيل نزال الخلايلة الذي عرف فيما بعد باسم ابو مصعب الزرقاوي .. اي والله  ابو مصعب كان عام 1973 في الصف الثاني الابتدائي في مدرسة الامير طلال في حي معصوم في مدينة الزرقاء

 كانت مدرسة الليث بن سعد ( ابو الفول )  تقع على مقربة من " مزبلة " في اطراف مدينة الزرقاء على مشارف مصفاة البترول  ومنطقة كانت تعرف انذاك باسم حي الكسارات نسبة الى شركة كانت تقوم بتكسير حجارة البناء من الجبال الصخرية المجاورة.... كانت المدرسة عبارة عن منزل شعبي من خمس غرف تم تحويله الى مدرسة ابتدائية لخدمة ابناء البدو وصغار موظفي الدولة في واحد من افقر احياء مدينة الزرقاء وهو حي معصوم .... وكنت اضطر - حتى اصل الى المدرسة -  الى التنقل بين اربع وسائل مواصلات من بينها (حمار) لان المدرسة كانت تقع على رأس تلة غير معبدة .... وكان راتبي عن هذا العمل هو 31 ديناراً في الشهر كنت اضطر الى السفر شهرياً الى مدينة " مادبا " قرب عمان لاستلامه من بنك الاردن في المدينة .... ولا زلت اجهل سبب هذا الاجراء الاداري العجيب وسبب عدم تحويل مرتبي الى بنك الاردن في مدينة الزرقاء مثلاً .... والطريف ان الوزارة كانت تعتبرني متغيباً في نهاية كل شهر بسبب اضطراري السفر الى مادبا لاستلام الراتب .... وكان هذا هو اول موضوع ناقشته مع الدكتور اسحق الفرحان بعد ذلك بسنوات .... كان الدكتور "معزوماً" على دبي للاشتراك في مؤتمر لادارة المناهج التي كنت رئيساً للاعلام فيها ... وقد كلفت يومها باستقبال الدكتور في المطار .... وفي طريقنا الى الفندق رويت له حكاية "مدرسة ابو الفول" وبنك الاردن في مادبا باعتباره كان - آنذاك- وزيراً للتربية في الاردن وسألته عن تفسير لهذا اللغز ... لغز ان تعين الوزارة موظفاً في مدينة وتحول مرتبه الى مدينة اخرى في الطرف الاخر من المملكة فسخسخ الدكتور من الضحك وقال ( اجلكم الله تياسة)!!


* بعد ثلاثة اعوام من عملي في مدرسة "ابو الفول" التي لم تكن تتسع لاكثر من مائة طفل ومع ذلك حشرتها الوزارة باكثر من خمسمائة كانت تخدمهم 3 حمامات (مشخات) لا ابواب لها .... وحنفية ماء واحدة ... وخمسة مدرسين - انا واحد منهم- كان الواحد فيهم "يطس" 33 حصة في الاسبوع بمعدل 7 حصص يومياً.... كنت اظن دائما ان المعاناة في الاردن مقصورة على ابناء المخيمات من الفلسطينيين فأذا بي اكتشف عائلات اردنية تعيش تحت حزام الفقر على اطراف المدينة ... بل واكتشفت ان مستوى التعليم الذي يتلقاه الفلسطينيون في مخيماتهم من خلال مدارس وكالة الغوث افضل بمليون مرة من التعليم الذي يتلقاه الفقراء من ابناء الاردن في مدارس لا تصلح لان تكون زرائب للحيوانات مثل مدرسة " أبو الفول " ومثل المدرسة التي تعلم فيها الزرقاوي ( مدرسة الامير طلال )  ولا زلت اذكر انعكاسات الوضع المزري على الطلبة الفقراء وذويهم ولا ابالغ حين اقول ان كل طالب من هؤلاء الطلبة كان مشروعا لزرقاوي اخر .. واخص بالذكر ولدا صغيرا من تلاميذي  اسمه ( عويد معيوف ) كان دائما على خصومة مع والده وكنت دائما  اقول لزملائي المدرسين ان هذا الولد مشروع  قنبلة سوف تنفجر بوجه والده وربما في وجوه الجميع ... تماما مثل ابو مصعب الذي لم يكمل تعليمه المدرسي ( خرج من الصف الثاني الثانوي بعد خلاف مع والده ) وعمل اجيرا في بلدية الزرقاء ثم ذهب الى افغانستان - بعد خلاف مع والده ايضا - للجهاد واصبح منظرا  للقاعدة وزعيما لها


* اقول ... بعد ثلاثة اعوام من هذا العمل الشاق قررت ترك الوظيفة واكتشفت اني لم اكن املك الخيار تماماً كما لم اكن املكه حين عملت فيها .... فالاستقالة " حق" لا حق لي ان امارسه وانقطاعي عن العمل دون استقالة سيعرضني الى السجن والى توزيع اسمي على نقاط الحدود والمطارات


* يومها زرت مبنى التلفزيون الاردني لبيع نسخ من كتابي "آراء نقدية" لمكتبته والتقيت بمدير التلفزيون الاداري فاروق الزعبي الذي كان قد قرأ الكتاب واعجب به كما عرض علي العمل في التلفزيون كمعد للبرامج الثقافية ولما قلت له ان هذا يتطلب مني العودة الى جهاز المخابرات للحصول على "حسن سلوك" والجهاز - قطعاً- لن يمنحني هذه الشهادة لان مطعم عفواً لم يعد مفتوحاً .... ضحك الرجل بخاصة بعد ان رويت له حكاية المطعم ووعد ان يتوسط لي للحصول على هذه الشهادة .... لكني لم اضيع وقتي في المحاولة وقمت على الفور بالبحث عن وسيلة للهرب من الوظيفة ومن المملكة التي قررت - فيما يبدو- حبسي - مؤبد - في مدرسة (ابو الفول) فتقدمت بطلب اجازة

*  كانت الاجازات ممنوعة ايضاً لكن تصادف ان مدير المنطقة التعليمية كان (مرضي القطامين) وهو من اقارب او اصدقاء الشاعر الاردني تيسير سبول وكان كتابي (آراء نقدية) يتناول حكاية انتحار الشاعر واسبابها وعواملها .... كان مرضي القطامين قد قرأ الكتاب واعجب به ويبدو انه فوجىء حين علم ان المؤلف يشغل وظيفة مدرس في مدرسة ابتدائية حقيرة قرب مزبلة المدينة فبعث الي بسيارته الخاصة وطلبني من مدير المدرسة الذي اغمي عليه من الخوف ظناً منه اني ارتكبت واحدة من الكبائر والا ما معنى ان يطلبني مدير المنطقة التعليمية بالاسم بل ويبعث الي بسيارته وسائقه .... ولم اكن اقل دهشة من الناظر لاني لم اكن يومها اعلم بوجود علاقة بين مدير المنطقة والشاعر الذي كتبت عنه .... وبعد تبادل التحيات في مكتبه ودردشة سريعة عما ورد في الكتاب عرض علي مرضي القطامين  ان ينقلني الى العمل في ثانوية الزرقاء اكبر مدرسة في المدينة فاعتذرت وطلبت منه - ان اراد المساعدة- ان يقبل استقالتي من العمل او ان يمنحني اجازة بدون مرتب لمدة اسبوع وقلت له صراحة اني افكر بالهرب من المملكة والاجازة ستسمح لي بالسفر عبر نقاط الحدود ... فاعتذر عن تلبية الطلب الاول لان الاستقالات ممنوعة بقرار من مجلس الوزراء وسلمني الاجازة ورجاني الا اذكر امام الاخرين اني صارحته بنيتي في الهرب .... وهذا ما كان  .. وهذه اول مرة اعترف واقر بهذا .. والقطامين الان في ذمة الله

*  وخلال اسبوع ( وكان ذلك عام 1975 ) كنت على رأس عملي في جريدة (الوحدة) الاماراتية في ابو ظبي كمدير تحرير مجلة "الظفرة" التي تصدر عنها


* عدت الى الاردن في زيارة عادية (نهاية عام 1976) وكانت تلك آخر زيارة لي للاردن .... وقد قمت بها (رغم انفي) مجازفاً باعتقالي لان اسمي (كموظف فار من الوظيفة) كان مدرجاً في قوائم الوصول على نقاط الحدود ... لكن خمسة دنانير وبطانية حلت المشكلة مع موظف الجوازات على نقطة الحدود الاردنية مع العراق  ... ومن يومها لم اذهب الى الاردن .. وقد علمت ان المدن والبشر قد تغيرا وان مدينة الزرقاء التي ولدت فيها لم تعد المدينة التي عرفتها .. فقد ردم الملك معسكرها غالذي ولدت فيه .. واصبحت العشوائيات والمزابل ( مثل جبل النظيف وحي معصوم ) من الاحياء الراقية .. وامتدت المدينة - كما قيل لي - حتى وصلت الى عمان والسخنة وخو .. ويزيد عدد سكانها - كما قيل لي - عن مليون نسمة ... ولعل هذا هو الذي دفعني الى كتابة ( مذكرات مواطن اردني سابق .. الزرقاء .. وجدانيات الزمان والمكان ) وسوف اقوم لاحقا بنشره على حلقات في عرب تايمز


* حدث هذا في صيف عام 1976 .... قررت يومها السفر الى سوريا واخترت السفر اليها عن طريق البر بسيارتي مروراً بقطر والسعودية والكويت والعراق ثم الى سوريا عبر نقطة الحدود شمال العراق في منطقة (النبك) ولم اكتشف ان نقطة الحدود السورية العراقية مغلقة منذ عشر سنوات الا عندما وقفت وحيدا على سكة الحديد الفاصلة بين القطرين العربيين اللذين يحكمهما حزب واحد.


* كانت الرحلة شاقة قمت بها تغزلا " ببلاد العرب اوطاني " ولما وصلت الى نقطة الحدود السورية العراقية المغلقة مروراً بعدة نقاط حدود عربية كفرت ببلاد الوطن .... وبالفكرة السخيفة التي جعلتني اقطع الاف الاميال في الصحراء ... وفي عز الصيف للاستمتاع "بالوطن".


* بدأت الرحلة من مدينة العين الاماراتية مكتفياً ببكرج ماء على اعتبار ان الطريق السياحي الذي يسلكه الاف الموظفين العرب العاملين في دول الخليج سنوياً لا بد وان يكون مليئاً بالاستراحات والمطاعم ومحطات الوقود وخلافه مما نراه هنا في امريكا .... وكدت اموت من الجوع لاني لم اجد طوال الطريق وحتى وصولي ابراج الكويت دكاناً واحداً يقبل ان ادفع له بالدرهم الاماراتي .


* وصلت الى نقطة الحدود الاماراتية القطرية حوالي الساعة العاشرة مساءً لاكتشف انها كانت "مغلقة" وكان على المسافرين بسياراتهم - مثلي- واغلبهم يحملون معهم عائلاتهم ان يفترشوا الارض حتى الصباح لان نقطة الحدود - على الجانبين- لم تكن مزودة باماكن للنوم (فنادق او موتيلات مثلاً) او باستراحات او بمطاعم او بحمامات .... لم يكن فيها حنفية ماء واحدة وتجربة النوم على الرمال في الصحراء وفي عز الصيف لا انصح بها خاصة عندما يكون المسافر مصحوباً بزوجته واطفاله.


* وفتحت "الدكان" ابوابها في التاسعة صباحاً ... عفواً ... اقصد "نقطة الحدود" وتبين ان النقطة عبارة عن غرفة حقيرة يجلس فيها كائن بشري لا اشتريه بقرشين كان يتحكم بخلق الله بسادية تحتاج الى جيش من علماء النفس لفهمها .... وكان يحجز جوازات البعض دون سبب اللهم الا للاستمتاع بعذابهم على نقطة الحدود .... وقد التقيت بشاب اردني نام على "النقطة" ثلاثة ايام لان شكله لم يعجب الموظف قبل ان يفرج المذكور عن جواز سفره! الغريب العجيب ان هذا الموظف السادي السافل كان فلسطينيا وليس قطريا!


* كنت احمل تأشيرة دخول الى قطر ومع ذلك قضيت خمس ساعات امام شباك الغرفة حتى يتكرم الموظف فيأذن لي بالعبور وكان العبور مشروطا بالتزام الطريق العام حتى نقطة الحدود السعودية دون لف او دوران او توقف هنا او هناك ونبهني الموظف الى ان تغيير مساري نحو الدوحة مثلاً يعرضني للاعتقال من قبل الدوريات التي تجوب المنطقة ... هو نوع من الاعتقال "الترانزيتي" الذي يمارس - كما علمت- على نقطة الحدود في رفح ايضاً.


* وصلت عصراً الى نقطة الحدود السعودية القطرية فاذا بها "اضرط" ... ولاني حملت معي - من العين- خرية لم اتمكن من تفريغها طوال تلك الرحلة لعدم وجود "مرحاض" واحد على الطريق "الدولي" الذي يربط الامارات بقطر والسعودية ولان نقطة الحدود السعودية ليس فيها هي الا خرى مكاناً للنوم او الراحة او لقضاء الحاجة ولان مثانتي قاربت على الانفجار فقد اضطررت الى "الطرطرة" واقفاً الى جانب سيارتي في الهواء الطلق مثلي مثل المئات من المسافرين الذين كانوا - مثلي- يطرطرون وكانت الحرامات والبشاكير والشراشف تستخدم كجدران عازلة تحجب النساء عن جموع المطرطرين لانهن - مثلنا- كن يطرطرن ايضاً!!


* موظف الجوازات الذي ختم جواز سفري على الحدود السعودية لم يكن جالساً في غرفة ... او في مكتب ... كان ببساطة ممداً على دكة من الخشب في وضع القيلولة ولحسن الحظ كان مستيقظاً واغلب الظن ان نقطة الحدود كانت ستغلق - مثل اختها في قطر- لو غالبه النعاس ... ونام !!


* للتذكير فقط ... لم اكن قد اكلت لقمة واحدة طوال تلك المسافة مؤملاً النفس بتناول وجبة كباب في "السعودية" بعد ان سمحوا لي بالمرور وكانت التأشيرة تنص على "المرور الترانزيتي" والمدة المتاحة لا تزيد عن 48 ساعة والتعليمات صريحة بعدم جواز الدخول الى الرياض او التوجه الى جدة ... هو دخول من الصحراء وعبر الصحراء والى الصحراء ولك ان تستمتع فقط بما تيسر من معالم سياحية على الطريق !!


* ولم تكن طبعاً على الطريق الصحراوي الطويل الذي يربط بين الحدود السعودية القطرية .... بنقطة الحدود السعودية الكويتية اية معالم ... رمال متحركة وصحراء قاحلة وحر لاهب وبعض محطات الكاز الرديئة التجهيز والغالية السعر ودكاكين صغيرة حقيرة لا تقبل الدفع الا بالريال السعودي.


* وصلت الى نقطة الحدود الكويتية في حالة يرثى لها ..... كنت جائعاً ولم اذق طعم النوم ليومين ولم تكن درجة الحرارة تسمح لي بالنوم في السيارة ولم اجد - طوال الرحلة- شجرة واحدة استظل بظلها ... كانت "النقطة" الكويتية مجهزة بحنفية ماء فشكرت الله على هذه النعمة وقررت الصبر على "القضاء والقدر" خاصة بعد ان وجدت على النقطة مئات المسافرين مثلي وقد حجزوا على النقطة بعد الاعلان عن قيام احدهم باغتيال مدير مكتب المنظمة في الكويت.


* تم الافراج عنا عصراً فتوجهنا عبر الطريق الصحراوي الى الكويت ... يومان ونصف في صحراء الامارات وقطر والسعودية دون طعام والماء الساخن الذي حملته معي لم يعد له طعماً ... والدراهم الاماراتية التي كنت احملها غير معترف بها حتى من قبل اصحاب الكازيات وكنت اضطر الى دفع مبلغ مضاعف لملء خزان السيارة بالنزين بدعوى ان الكازيات تتكرم علي بقبول الدراهم انقاذاً لحالتي الصعبة فقط وبالسعر الذي يشترطه اصحابها "للصرف"!!


* عندما بدات ابراج الكويت تلوح بالافق قررت من شدة الجوع ارتكاب حماقة الاكل قبل الدفع لوضع صاحب المطعم امام الامر الواقع واجباره على قبول الدرهم الاماراتي ثمناً للاكل وكانت مفاوضاتي السابقة مع اصحاب الدكاكين الحقيرة والقليلة على طول الطريق الصحراوي من الامارات حتى الكويت تنتهي برفض اصحابها بيعي اية مادة تؤكل لانهم كانوا يطلبون ثمناً لها ريالات سعودية ...او دولارات وانا لم اكن يومها احمل في جيبي الا الدراهم الاماراتية.


* توقفت امام كباب "ابو علي" ودلفت المطعم وانا شبه نائم لارتمي على احد المقاعد المواجهة لمكيف الهواء ... كنت كمن هرب لتوه من السجن ... اشعث الشعر ... مغمض العينين لم تلمس المياه وجهي لمدة ثلاثة ايام بلياليها ... ملتصق بدشداشتي من كثرة العرق الذي زربته ... والاهم من هذا "ميت من الجوع".... لا تنسوا انني كنت في رحلة سياحية في بلاد العرب اوطاني.


* لم ادخل مع الجرسون في اية حوارات حول نوع "العملة" التي يقبلها المطعم ... اكتفيت بطلب طبق من الكباب وآخر من الكفتة وثالث من الحمص والبابا غنوج ... والكثير الكثير من الماء المثلج واكلت - في تلك الوقعة- عن ثلاثة ايام قبل ان انادي على الجرسون متحدياً بصوت جهوري ... " يا عم قديش حسابك ولعلمك ما معي غير دراهم اماراتية"!!


* نمت تلك الليلة فوق سيارتي على مقربة من كازية كبيرة كانت مزودة بعدة حنفيات ماء متاحة للعامة وعابري السبيل ومن شدة الارهاق استغرقت في النوم - رغم الحر الشديد- ولم افتح عيوني الا في الصباح حين سطلتني اشعة الشمس الحارقة ... فتوجهت الى احد عمال الكازية لاسأله عن الطريق الدولي "السياحي" الى العراق فاشار باصبعه الى الشارع وقال " انطح القار" ... فنطحته!!


* كنت اظن ان نقطة الحدود الكويتية العراقية اكثر تطورا ان لم يكن بسبب وفرة المال الكويتي فعلى الاقل بسبب الشعارات "الحضارية" التي كان يطلقها بعثيو العراق عن الوحدة والعروبة فاذا بالنقطة اسوأ من سابقاتها ... حجزونا على النقطة حتى صباح اليوم التالي واضطررت الى القرمزة في زاوية غرفة متطرفة حتى "اعملها" والسبب طبعاً عدم وجود مرافق للراحة وبدأت - في الصباح- اجراءات المرور الطويلة عبر النقطة العراقية وكان التفتيش دقيقاً وموظف الجمارك العراقي يحاسب الركاب حتى على عدد " بوطولات " البيبسي التي يحملونها .... كنت اظن ان الدخول الى العراق سيكون البداية السعيدة للرحلة التي قمت بها بسيارتي في بلاد العرب "اوطاني" فاذا بالعراق اضرط من اخيه والاضافة الوحيدة على الطريق "الدولي" كانت تتمثل بنقاط "السيطرة" وهي دوريات عسكرية كانت توقف السيارات للتفتيش عليها ومضايقة ركابها وابتزازهم ... ثم "بائعي الثلج" وكان الثلج العراقي يذوب بسرعة ويتحول الى اللون الاحمر اذ يبدو انه كان من بواقي مياه المجاري!!


* وصلت عصراً الى بغداد العروبة وتوجهت على التو الى شارع ابو نواس لشهرته ونزلت في احد فنادقه واستعدت شيئاً من نشاطي بعد حمام ساخن ووجبة من سمك المسقوف .... كان العراقيون يعترفون بالدرهم الاماراتي ولم اجد مشكلة في صرفه!!


* لم تكن الطريق الى الشمال باتجاه الحدود السورية مملة لاتساعها ولوجود بعض المحطات والمطاعم التي يمكن التوقف فيها على اعتبار انها معالم "سياحية" ... ولم اكتشف ان نقطة الحدود العراقية السورية مغلقة منذ سنوات طويلة الا بعد ان وصلت اليها والذي اخبرني بانها مغلقة راع عراقي وجدته يستوطن نقطة الحدود ومحطة السكك الحديدية التي تحولت الى خرابة.


* سألت الراعي عن اقصر الطرق الى سوريا دون ان اضطر الى المرور عبر الاردن فاشار شمالاً الى "زاخو" وقال ان الوصول الى مدينة  حلب السورية ممكن عبر تركيا فشكرت الراعي على النصيحة "السياحية" وتوجهت الى "زاخو" فطلبوا مني تأشيرة دخول الى تركيا وقالوا ان التاشيرة لا تمنح الا من سفارة تركيا في بغداد.


* وطرقت مشوار العودة الى بغداد قاطعاً الشمال العراقي كله لاصل مساءً الى الفندق نفسه ... فنزلت فيه على امل التوجه صباحاً الى السفارة التركية التي وجدت امامها - في الصباح - طابوراً من مليون شخص فاسقط في يدي و "انبعص كيفي" وادركت انه لا بد مما لا بد منه .... اي المرور عبر الاردن وكانت معاناة الايام الثلاثة الماضية كافية لاقناعي بقبول المجازفة رغم علمي الاكيد بان اسمي مدرج على نقاط الحدود باعتباري من موظفي الدولة الهاربين او المنقطعين عن العمل!!


* عملت بنصيحة صديق مرّ بالتجربة نفسها من قبل فتسلحت بثلاثين علبة من الحلوى العراقية التي تسمى "من وسلوى" وتوجهت عصراً باتجاه الاردن ... فوصلت نقطة الحدود بعد منتصف الليل ... لم تكن العلاقات الاردنية العراقية يومها على ما يرام لذا كان عدد المسافرين براً عبر النقطة محدودا جداً ... ولم اجد في غرفة "الجوازات" الاردنية الا موظا واحدا عاجلته ببطانية وخمسة دنانير اردنية ... وعدة صناديق حلوى من "المن والسلوى" فبصم الرجل على (الجواز) ولم ينظر في ملف "المطلوبين" مكتفياً بالصيد الثمين و "البطانية" التي حملتها معي من مدينة العين.


* توقفت في الاردن عدة ايام قبل ان اتوجه الى سوريا عبر نقطة الحدود في الرمثا واكتشفت ان عمليات التشليح والبهدلة التي تعرضت لها على نقاط الحدود السابقة لا تكاد تذكر امام ما تعرضت اليه على المعبرين الاردني والسوري فالرشاوى والبراطيل التي " يكعها " المسافر على المعبرين لا ترحمه من قلة ادب الاردنيين والسوريين العاملين في النقطتين .... واكتشفت - على الطرق السورية- ظاهرة سورية مبتكرة للتشليح والابتزاز متمثلة بالدوريات الجمركية التي يمكن ان توقفك على ابواب دمشق لمساومتك على علبة الدخان التي في جيبك!!


* من يومها طلقت فكرة السفر بالسيارة عبر نقاط الحدود العربية رغم عشقي للسفر والترحال وكنت قد قرأت رواية "انا وكلبي" للكاتب الامريكي " جون شتاينبك" والتي روى فيها رحلته ومشاهداته مع كلبه عبر الولايات المتحدة الامريكية التي زارها براً بسيارته وخلصت الى ان شتاينبك كان سيطلق مهنة السفر والكتابة مثلي لو عبر نقطة حدود برية واحدة من المحيط الهادر الى الخليج الثائر.


* واستعدت هواية السفر البري بعد الاسبوع الثالث من وصولي الى امريكا حين قطعت مسافة 500 ميل بين هيوستن ودالاس بسيارتي فلم اتوقف في معابر حدودية .... ولم اضطر الى التبول في الشارع ... كانت الطريق باتجاهين مزودة باستراحات مجانية PICNIC AREA فيها حمامات انظف من حمامات اي مطار عربي ... وكانت جميع المطاعم والكازيات على الطريق مزودة بحمامات ايضاً مجانية مفتوحة للمارين وعدد المطاعم على الطريق اكثر من عدد شعر راسي ... والفنادق والموتيلات المتاحة للنوم اكثر من الهم على القلب وباسعار زهيدة .

* وعندما زارني صديق من ابو ظبي وطلب مني ان يرى مدينة لاس فيغاس بمعيتي .... اخذته اليها ومنها انطلقنا بسيارة استأجرناها من احدى الشركات الى مدينة لوس انجلوس قاطعين صحراء نيفادا الشهيرة وعابرين " وادي الموت " الذي يكثر تصويره في افلام الكابوي .... كانت الرحلة ممتعة ... ورغم اننا قطعنا الصحراء بين ولايتي نيفادا وكاليفورنيا الا اننا وجدنا على جانبي الطريق عشرات المطاعم والاستراحات والفنادق والموتيلات والكازيات .... بصراحة .... لا مجال للمقارنة على الاطلاق .

*  متعة السفر بالسيارة بين المدن والولايات على طولها ومساحاتها الشاسعة لا تعادلها متعة ولن تحتاج الى التوقف حتى تسأل عن الطرق والاتجاهات فالاشارات واضحة ودقيقة ... وخرائط الطرق تباع في جميع الكازيات والمطاعم على الطريق السريع واذا "بنشر" عجل سيارتك لا تحزن فدوريات الشرطة لا تنقطع وهي ليست مثل دوريات "السيطرة" في العراق او الدوريات الجمركية المتنقلة في سوريا ... والاسعار معروفة حتى لدى موظفي "البناشر" المتحركين على الطرق.


* متعة السفر على الطرق السريعة في امريكا بين المدن والولايات سوف تنسيك "بلاد العرب اوطاني" ... وسوف تنسيك ايضاً تجربة السفر ليس فقط عن طريق نقاط الحدود البرية العربية ... وانما ايضاً عبر مطارات العرب ... وهذه وحدها تحتاج مني الى وقفة













Home Page
كتب ممنوعة
اراء حرة
صورة وتعليق
اخبار طازة
برقيات عاجلة
شروط النشر
فضائح وفضائح
خبر وتعليق
سري جدا
لصوص ظرفاء
رسائل القراء
من ارشيفنا
هذا الرجل
هذه المرأة
كتاب البورتل
كاتب وكتاب
قصائد ممنوعة
 مقالات  مميزة
كتب للبيع
ارشيف الاخبار
قصائد المقدسي
صحف عربية
الافتتاحيات
مقالات ساخنة
صبرا وشاتيلا
أسامة فوزي
ملفات الفساد
 مقالات الاولى
الكتب السعودية