في جذور داعش: آل سعود يقطفون الثمار


June 12 2014 22:45

    كتب : نضال نعيسة

ما يحصل اليوم في هذه المنطقة الملتهبة من العالم، من انهيار لمنظومة القيم والقوانين، وتفتيت وضرب لأسس ومرتكزات الدولة الوطنية الحديثة، لم يتأت من فراغ، وليس مصادفة، أو جديداً، و طارئاً، بل له جذوره الثقافية والإيديولوجية العميقة في المجتمعات، وحتى المنهجية السياسية والسلطوية التي سعت جاهدة للوصول، أو لإيصال المنطقة إليه

وبسبب غياب وانتفاء أية مشاريع نهضوية وتحديثية وتنويرية وعلمانية، فالكل كان يحاول، وبكل "براءة" وتحت دعاوي الحفاظ على القيم الأصيلة والتراث المجيد، العودة للماضي وللسلف الصالح (الحرامي الغازي المغتصب القاتل السارق والسابي)، لنبش تجربته السلطوية التي كان الجميع يتغنى بها ويعبــّر عن إعجابه العميق بها، ويتمنى استنساخها، علناً، وفرضها على الشعوب، ولعدم وجود أي منافس مدني وعصري وحداثي فقد حضرت بقوة كل تجارب وسيرة الماضي الدموي البائس المؤلم التعيس

 فدولة الخلافة، والدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" ليست إلا صدى وتجسيداً لمفهوم الدولة، والحكم الرشيد المعصوم، الذي غـُرز في العقل الباطن للشعوب باعتباره النسخة "البدوية" والصحراوية المثلى من الدولة الإفلاطونية الغربية "المذمومة" والتي يعتبر التشبه بها كفراً وزندقة ومروقاً من الدين، فلدينا في سلفنا الصالح "أسوة" حسنة، وأنموذجاً لا يخيب، في حكم "العبيد"، (عبيد الله)

فما تسمى بـ"الأنظمة العربية والإسلامية"، وعن جهل أو قصد، والأرجح الاثنين معاً، مع جرعة كبيرة وزائدة من التناحة والغباء المتأصل العنيد، كانت تروّج، وعلى مدى عقود طويلة، لداعش والنصرة والقاعدة وسورة "المائدة" وأخواتها وأضرابها، وتسخـّر كل إمكانيات وزارات التربية والإعلام والثقافة والأوقاف والداخلية، لهذه الغاية "النبيلة"، عبر دعواتها العلنية للخروج عن القانون وانتهاكه ورفض التجديد واحتقار وازدراء كل ما هو حديث وذلك من خلال تجميل وتمجيد الغزو والقتل والإرهاب واغتصاب الأعراض والممتلكات تحت عناوين ويافطات وتبريرات مقدسة، وتأليه وتقديس رموز و"أبطال" كل أشكال ذاك الخروج عن القانون والنظام وتصنيفه كتجربة إنسانية طليعية ملهمة وفريدة وكعبقرية خرجت من بطن الصحراء القاحل اليابس

  ونزيدكم من الشعر بيتاً، إذ كان البعض "يقبض" للترويج للوهابية الظلامية التكفيرية الإجرامية، واعتبارها حركة إصلاحية تنويرية ترمي للعودة بالدين إلى أصوله الصحيحة، كما يرد في المناهج التربوية لتلاميذ المنطقة. وفعلاً هذا الكلام صحيح من حيث المبدأ، وشرحه هو أنه حين اصطدمت الشعوب المتخلفة والبدائية بصدمة الحضارة والتنوير الغربي، ووجدت نفسها في "مؤخرة" الركب البشري، وحاولت التحرر من طغيان الفكر السلفي والانطلاق ومواكبة ثقافات العالم التنويرية العقلانية العلمانية والمنفتحة الجديدة، علمت القوى التكفيرية والظلامية الحاكمة المستبدة وكهنوتها الشائخ الهرِم أن ذلك سيقضي عليها وينهي وجودها ونفوذها ومكانتها، وبدا الأمر كعودة للمعركة العقلية والتاريخية بين الأشاعرة والمعتزلة التي انتهت كما انتهى حالنا اليوم

  وتجلى ذاك النزوع للخلاص والتحرر من الفكر الظلامي والخرافات الصحراية، بظهور حركات وأحزاب يسارية وعلمانية، وحتى أنظمة ماركسية وشيوعية في قلب المزارع الصحراوية كالسودان وعدن والعراق وجزائر بومدين وتونس بورقيبة (العلماني الأصيل)، وعـّمان (ثوار ظفار)، وحتى كابول بابراك كارمل ونجيب الله

 فكانت الوهابية لهم بالمرصاد وكانت الترياق والدواء لهذه الأنظمة والشعوب المتمردة والخارجة عن الطاعة والسيباق. وجاءت ، اليوم، لتعيد كل تلك القطعان للحظيرة إياها، حظيرة الجهل والطاعة والتخلف والفقر الحضاري والمجاعات التاريخية والحرمان من كل قبس تنويري، وترجع وترجعها زرافات وجماعات ووحداناً (سقوط مفكري اليسار أمام إغراء البترودولار)، إلى حيطان وجدران القرن السابع الميلادي حيث الجهل المعرفي والبؤس الفكري وعبادة الأوثان والحجارة والأصنام والخرافات ونشر التزمت والانغلاق والتشدد وثقافة قطع الرؤوس والإرهاب والإجرام وقمع وكبت الحريات والسطو على واغتيال العقل ، وترثيث المرأة وتسليعها، واعتبارها مجرد وعاء لتفريغ الرغبات الذكورية الحيوانية الغريزية، ويجب إخفاؤها، وفق منطق بني وهاب، وراء النقاب والخيام السوداء خوفاً من عيون المتلصصين المتطفلين والذئاب الجائعة المتربصة بها التي لم تستطع الدول الدينية تهيبهم وكبح جماحهم واتقاء شرهم وشبقهم الجنسي، واعتبار هذه "السلعة" و"البضاعة" محوراً لفقه كامل واجتهاد لا ينتهي في كيفية التعامل مع، ومعالجة قضية مصيرية ووجودية حساسة، وتبديد عمر ودهر ورهن "أمة" بكاملها وربط مصيرها وكرامتها وانتصاراتها وهزائمها بالجهاز التناسلي للمرأة "العورة" المكروهة كالكلب والحمار

  في نفس الوقت كانت ما تسمى بـ"الأنظمة العربية والإسلامية"، وهي التي تقبض على القرار المجتمعي، وعلى الجماهير المغلوب على أمرها، تحارب بضراوة وشراسة لا مثيل لها في تاريخ الشعوب كل التيارات التنويرية والعقلانية والعلمانية في المجتمع ومهرتها بالارتداد والعمالة للصهيونية، وهمشتها، وشردتها في مشارق الأرض ومغاربها، وبدت خير ظهير ونصير للمشروع الوهابي، وتركت، بذلك، الساحة مفتوحة سداحاً مداحاً، أمام التيارات والقوى الظلامية والتكفيرية لتتغلغل فياه، وتنشر فكرها وثقافتها وسلوكها

 وبعد صحوة حداثية وتغريبة وعصرية في الخمسينات والستينات، شهدتها بعض دول المنطقة، تقدمت السعودية، ومنظومة مشيخات الخليج الفارسي الخارجة لتوها من قاع التاريخ وكهوف الزمان، وبفعل صدفة جيولوجية محضة وتراكم أموال وثورات خرافية هائلة لم تعرف كيف توظفها بالتنمية ومحاربة الفقر والجوع والأمراض وتفشي الجهل والأمية في المنطقة، نقول تقدمت لتفرض نفسها وإيقاعها وطريقة عيشها وثقافتها المغلقة والمتزمتة على كافة شعوب المنطقة التي استسلمت لذلك بسبب فنظمة الفساد والإفساد والمافيات، وللافتقار لأدوات ناجعة وآليات فاعلة ومؤسساتية لمقارعة ومناهضة ومقاومة الثقافة والمد الصحراوي الذي كان يتقدم بامتياز فيما وقفت أنظمة المنطقة وشعوبها شبه عاجزة عن مقاومة ذاك الطغيان البترودولاري، وصار التشبه بـ"البدو" وعاداتهم وتقاليدهم وطريقة عيشهم ولباسهم مدعاة للمباهاة والاستفخار وادعاء "الخلاص" من لوثة اليسار والعصرنة والمركسة والفكر الحداثي والنهضوي وكل متفرعات وتلاوين التحرر من أسر الماضي البغيض

 وازدهرت تجارة الأديان وصناعة التخاريف التي تأوجت بظهور فلاسفة الهراء ووعاظ الإعجاز في ادعاء السبق البدوي لكل شعوب العالم وحضاراته وعلومه في سبر واكتشاف أسرار الكون، وتحول الإعلام الرسمي في هذه الدول إلى منابر دعوية أخرى تساهم جنباً إلى جنباً مع شيوخ السلفية التكفيرية الوهابية في نشرها وتعميمها على شعوب المنطقة التي تبرقعت بلباس الصحراء و"تدشدشت" بالأثواب القصيرة على سنة ونهج السلف الصالح رضوان الله تعالى عنهم أجمعين، وخـَوَتْ المنطقة ثقافياً وفكرياً وإيديولوجيا، وتصحرّت بيئياً وعقلياً، وضربت "ذواكرها"، وقواعد بياناتها بفيروسات الأوّلين، وتحولت تلك الجموع المقعدة والمشلولة إلى حطب يابس بانتظار شرارة من الظواهري أو أسامة بن لادن والعريفي والقرضاوي، الذين كانوا يسوّقون إعلامياً على نحو فظ وممجوج واستفزازي، ليشعلوا ناراً لا تبقي ولا تذر، ولا تبقي حجراً على حجر

 واليوم بكلمة واحدة، من شيخ جاهل شبه أمي مقمل وأجرب، قابع في جحر أو كهف في أعماق الصحراء يستطيع إلهاب وتجييش وتهييج وتحريض قطعان عصابية مهسترة مأزومة مضطربة عقلياً وسلوكياً، لا حصر، ولا أول ولا آخر لها من المخدّرين والمتشبـّعين بالثقافة التحريضية ا والأضاليل الباطلة السوداء التي كانت تلقــّم لهم، ويرضعونها، وعلى مدى سنين أعمارهم، تحت نظر وإشراف ورعاية هذه الأنظمة والحكومات، والتي كانت في حال من التذلل والتوسل والتسول والتودد المبتذل والرخيص ومحاباة ومجاراة ومغازلة والانبطاح أمام النظام الوهابي الفاجر العاهر المجرم المأجور لدوائر الغرب الصهيو-إمبريالي، طمعاً في كسب بركاته وعطاءاته ورضاه

  جاءت السعودية، اليوم، وعلى البارد المستريح، لتقطف ثمار ذلك كله، وتـُخرج "الثورات" من المساجد، ومن رحم وحضن تلك الأنظمة والحكومات التي سلمتها رقابها، والتي-أي السعودية- كانت تدعم إعمار وبناء الجوامع على نحو سخي وغير معهود، وتقدّم المليارات "الدعوية" لدول المنطقة المستهدفة اليوم جميعاً بالخطر الداعوشي والنصرواي والجهادي في سبيل الله (أمريكا وإسرائيل)، هنيئاً، و."صحتين" على قلب آل قرود المسوخ ملوك الإرهاب والإجرام وسرطان ووباء الإرهاب













Home Page
كتب ممنوعة
اراء حرة
صورة وتعليق
اخبار طازة
برقيات عاجلة
شروط النشر
فضائح وفضائح
خبر وتعليق
سري جدا
لصوص ظرفاء
رسائل القراء
من ارشيفنا
هذا الرجل
هذه المرأة
كتاب البورتل
كاتب وكتاب
قصائد ممنوعة
 مقالات  مميزة
كتب للبيع
ارشيف الاخبار
قصائد المقدسي
صحف عربية
الافتتاحيات
مقالات ساخنة
صبرا وشاتيلا
أسامة فوزي
ملفات الفساد
 مقالات الاولى
الكتب السعودية