إحلال وإبدال.. توافد اليهود الغرباء ونزوح المسيحيين الاشقاء


November 18 2013 10:30

    كتب : فهد الريماوي

لم تعد علامات التعجب، وامارات الاستغراب، ومؤشرات الدهشة والاستهجان قادرة على ممارسة وظائفها، ومزاولة اشغالها ومهماتها، بعدما تراكمت عليها الغرائب العربية، واثقلت كواهلها المصائب الاسلامية التي ما فتئت تتدفق من كل حدب وصوب، وتتكاثر ذاتياً وآلياً كما تتكاثر الاوبئة والطواعين. ورغم ان هذه الغرائب والعجائب تند عن العد، وتتجاوز كل حد، مثل حز الرقاب، وبقر الصدور ونهش القلوب، والكفاح بادوات النكاح، والاستقواء بالناتو على ذوي القربى

 الا ان عملية 'الاحلال والابدال' التي تجري في المشرق العربي حالياً، بين اليهود الوافدين والمسيحيين العرب المغادرين، تتصدر كل ما عداها من غرائب ومستهجنات، وتشكل نموذجاً صارخاً للظلم والافتئات وانكار الواقع، وتفرض ذاتها بقوة على لواقط الضمير العربي، ونوابض الوجدان الاسلامي

انظروا الى هذه المفارقة المؤلمة والمغرقة في الغرابة والشذوذ، التي تتمثل في تناوب هجرتين متعاكستين على المشرق العربي الاسلامي، حلاً وترحالاً.. نزولاً ونزوحاً.. توافداً وتشرداً.. توطيناً وتهجيراً.. زرعاً واقتلاعاً، حيث يحل البديل محل الاصيل، ويقيم الغريب مكان القريب، ويتولى الدخيل طرد صاحب الدار

انظروا كيف يلهث المشرق العربي خلف انفاسه، وتخفق بالعار والشنار دقات قلبه، وهو يرى افواج المسيحيين العرب من اهل مصر والشام والعراق يغادرون ديار آبائهم واجدادهم مكرهين، ويهيمون على وجوههم في اربعة اقطاب الارض طلباً للعيش والامان.. فيما تتقاطر كل يوم على ديارنا المستباحة قطعان اليهود والمتهودين الغرباء، وسوائب الصهاينة والمتصهينين المستجلبين والمستوردين من كل البقاع والاصقاع

أليست هذه جريمة 'احلال وابدال' جماعية فادحة يندى لها الجبين، ويكتوي بنارها الضمير، ويلتاع لهولها الفؤاد، وتختل حيالها كل القيم والمبادئ والحقوق والاخلاق الانسانية ؟؟ أليس المسيحي العربي النابت في ارضه ودياره منذ فجر التاريخ احق بها من اليهودي الاجنبي المولود في بلاد بعيدة، والمجلوب الى فلسطين وما بعد فلسطين ليخترع لنفسه وطناً، ويصطنع لقومه دولة، ويدعي انه يمارس حق العودة الى 'ارض الميعاد' ؟؟ نعم، انها جريمة سافرة وسافلة، وهي نتاج مؤامرة خبيثة ومتعددة الاطراف، حيث يساهم فيها الاعداء الصهاينة المتلهفون على تكديس اكبر تجمع يهودي في المشرق، والعملاء العرب الكبار والصغار المتحالفون مع اسرائيل سراً وعلانية، والجهلاء الوهابيون والظواهريون والقرضاويون الذين فصّلوا الدين الحنيف على مقاس جهالاتهم وضلالاتهم ومرجعياتهم التي تزين لهم كراهية الآخر المختلف، وتبرر لهم الذبح على الهوية الطائفية او المذهبية او الجهوية، دون ادنى شعور بالمسؤولية الوطنية والعلائق العروبية

ورغم ان هذه الجماعات 'المجاهدة' قد ارهقت 'لغة الضاد' بخطابها الاصولي المفعم بمفردات العداء لليهود، وتوعدتهم بالويل والثبور وعظائم الامور، باعتبارهم من 'ابناء القردة والخنازير' الذين تجرأوا على احتلال القدس، وتهويد المسجدين الابراهيمي والاقصى، واستباحة ارض الاسراء والمعراج.. الا انها، في واقع الامر، لم تقرن القول بالعمل، ولم تترجم خطابها الحماسي الى جهاد حقيقي على الارض.. فلم تطلق باتجاه الكيان الاسرائيلي رصاصة يتيمة، ولم تفجر بين ظهرانيه سيارة مفخخة، ولم ترسل الى مستوطنيه ومستوطناته السرطانية انتحارياً واحداً من مراهقيها المتعجلين لقاء الحوريات في جنان النعيم.. ربما لان الطريق ما بين الجنة وفلسطين المحتلة ليست سالكة، ولان الجهاد ضد اليهود لا يوصل الى مخادع الحوريات

عموماً، ليس غريباً على هذه المجموعات العدمية والظلامية ان تتعامى وتغض الطرف عن الهجرات اليهودية المتدفقة على فلسطين، وان تحصر 'جهادها' الطائفي داخل البيت العربي، وكفاحها المذهبي داخل الصف الاسلامي، نظراً لانها طالعة بالاساس من رحم الحركة الوهابية، وراضعة من اثدائها، وخاضعة لاحكامها وتعاليمها القاضية باولوية 'الجهاد الداخلي' ضد 'الكفار والمشركين' واتباع المذاهب والديانات المحلية الاخرى، على 'الجهاد الخارجي' ضد الغزاة والمحتلين والمستعمرين.. فالوهابية، على مدى تاريخها كله، لم تكن حركة تحرر وطني تتصدى للعدو الاجنبي، بل ظلت محض حركة فتنوية، وزوبعة تكفيرية داخلية مهمتها الاولى ارهاب المجتمعات العربية والاسلامية، وتدمير وحداتها الوطنية، وتقويض امنها واستقرارها وسلامها الاهلي والقبلي.. مستقوية في كل ذلك بالمستعمر البريطاني بادئ الامر، ثم بالامبريالي الامريكي فيما بعد، ثم بالمحتل الصهيوني في الوقت الحاضر

ومن هنا فقد تصورت هذه العصابات والجماعات الارهابية الجهولة ان الولاء الديني لا بد ان يأتي على حساب الانتماء الوطني، وان الهوية الاسلامية لا بد ان تلغي الشخصية العروبية، وان احكام الشريعة لا بد ان تتناقض مع حقوق المواطنة، وبما يعني تحويل المسيحي العربي الى ذمي ومواطن من الدرجة الثانية يعاني شظف القهر والتمييز والغربة داخل وطنه، رغم انه ليس وافداً او طارئاً على المشرق العربي يعوزه الحسب والنسب، وليس ضيفاً او متطفلاً يفتقر للجذور والارومات.. بل هو مكون عضوي مهم من مكونات امة العرب، وجزء مضيء من تراثها وتاريخها، وعمود راسخ من اعمدتها الخالدة، وفصل مشرق من فصول كتاب الحضارة والثقافة والابداع والتنوير والتجديد العربي. وعليه.. فليس من العدل او الشرف او الحكمة او المصلحة العربية والاسلامية، حشر المسيحي العربي في الزاوية الحرجة، ووضعه امام خيارين معلقمين.. فاما النزوح عنوة عن ارض آبائه واجداده الى اوروبا وامريكا وكندا واستراليا، واما الولوغ في جنون التطرف والتعصب والتصلب، والسعي للاستقواء بالغرب الاستعماري كي يساعده على الانسلاخ عن الوطن الام، والاستئثار بكانتون طائفي يعادي العرب والعروبة، ويوالي الصهاينة واسرائيلهم، شأن دويلة جنوب السودان التي ما ان اعلنت انفصالها واستقلالها، حتى كانت اسرائيل اول المبادرين للاعتراف بها، وتبادل التمثيل الدبلوماسي معها

الاسبوع الماضي التأم في بيروت 'اللقاء المسيحي المشرقي'، لغرض وضع نقاط الوجع المسيحي على حروف الشقيق الاسلامي، وتأكيد حق المسيحي في مداومة الوجود والبقاء فوق ارضه العربية.. وكم تمنيت لو ان هذا اللقاء كان اسلامياً وليس مسيحياً، كي تتولى الاكثرية المسلمة، وليس غيرها، مهمة الانتصار لاخوانها في العروبة من قوم عيسى، والدفاع عن متطلباتهم في الامن والعدل والمساواة وحرية العبادة وتكافؤ الفرص.. ذلك لان الاكثريات العاقلة والعادلة هي التي تعرف واجباتها قبل حقوقها، وتعي مسؤولياتها قبل امتيازاتها، وتدرك انه ليس حراً كل من يصادر حريات الآخرين، وليس جديراً بالعدالة او مستحقاً لها كل من يحتكرها لنفسه وينكرها على غيره. لقد تعلمنا في مدرسة التاريخ ان الحلول السلمية الناجعة والناجحة لمشاكل الاقليات الدينية والعرقية والجهوية، ليست منوطة بهذه الاقليات بالدرجة الاساس، بل محكومة - اولاً وابتداءً - بارادة الاكثريات الراشدة والمتسامحة والمبرأة من النوازع العنصرية والتسلطية والاستكبارية، والمستعدة للاعتراف بخصوصيات الاقليات وحرياتها وحقوقها في المواطنة الكاملة والعيش المشترك والمصير الواحد

ليست حماية الاقليات المسيحية العربية ورعاية مصالحها ومراعاة خواطرها وصيانة حقوقها، قضية مسيحية حتى لو بدت كذلك، وانما هي بالفعل قضية اسلامية يتضح بدلالتها عمق المضمون الحضاري والاخلاقي والديموقراطي للاكثرية المسلمة التي تتباهى دوماً بانها خير امة اُخرجت للناس، والتي لا يجوز لها ان ترضى باضطهاد المسيحي الذي يقدم عروبته على مسيحيته، ويتشبث بالعيش وسط المجتمعات العربية الاسلامية وليس المسيحية الاجنبية.. فيما ينعم بموفور الامن والامان، ذلك اليهودي العربي الذي قدم يهوديته على عروبته، وسارع بالرحيل عن المجتمعات الاسلامية الى حيث دولة الاغتصاب الاسرائيلية العنصرية !!













Home Page
كتب ممنوعة
اراء حرة
صورة وتعليق
اخبار طازة
برقيات عاجلة
شروط النشر
فضائح وفضائح
خبر وتعليق
سري جدا
لصوص ظرفاء
رسائل القراء
من ارشيفنا
هذا الرجل
هذه المرأة
كتاب البورتل
كاتب وكتاب
قصائد ممنوعة
 مقالات  مميزة
كتب للبيع
ارشيف الاخبار
قصائد المقدسي
صحف عربية
الافتتاحيات
مقالات ساخنة
صبرا وشاتيلا
أسامة فوزي
ملفات الفساد
 مقالات الاولى
الكتب السعودية