هل وصل الدور للجيش الاردني


April 20 2013 14:55

كتب : فهد الريماوي

قبل نحو سنة كتبنا في هذا المكان محذرين من خطورة المؤامرة شبه العلنية التي تحاك ضد المؤسسة العسكرية العربية، وتهدف بالدرجة الاساس الى خلخلة اركان الجيوش العربية، وزعزعة كياناتها ومكوناتها، وافراغها من مضامينها القتالية وموجوداتها التسليحية وروحها المعنوية والانضباطية. يومها وردتني ردود كثيرة من القراء حول هذا الموضوع، سواء من داخل الاردن او خارجه، او من لدن عسكريين متقاعدين او مواطنين عاديين، حيث اجمعت معظم هذه الردود على اهمية اثارة مثل هذه المسألة مراراً وتكراراً، وعلى ضرورة التنبه لما يدبر بليل للجيوش النظامية العربية تحت ذرائع وعناوين مختلفة.

هذا الاوان حان وقت التحذير مجدداً من مغبة استمرار المؤامرة اياها ضد العسكرية العربية، وتحديداً ضد الجيش الاردني الذي ما زال على قيد التماسك والاحتراف والانضباط من بين الجيوش العربية المحيطة باسرائيل، ولا سيما بعد تفكيك الجيش العراقي، واستنزاف الجيش السوري، وانهاك الجيش المصري بازمات الجبهة الداخلية وانقساماتها التي توشك ان تودي بمصر الكنانة ارضاً وشعباً ومصيراً. يستحيل على اسرائيل التي تخطط لاقامة "الوطن البديل" ذات وقت قريب او بعيد، ان تتقبل بقاء الجيش الاردني على حاله الراهن، وان تسلم بحقه في القوة والجاهزية والكفاءة القتالية، ليس لخوفها من مخاطره الهجومية التي تعرف انها محدودة للغاية وسط هذه الظروف العربية البائسة، بل لخوفها من قوته الدفاعية المؤهلة لاحباط الاطماع والمخططات العدوانية الصهيونية المتمثلة في مشروع الترانسفير والتهجير القسري لقطاعات واسعة من ابناء الضفة الغربية باتجاه الارض الاردنية.

ما زالت الذاكرة العسكرية الاسرائيلية تحتفظ بصورة الهزيمة النكراء التي مني بها جيشها في معركة الكرامة، حين اراد ان يتخطى النهر ويدنس التراب الوطني الاردني، وقد قرأنا الكثير مما كتبه القادة الصهاينة فيما بعد، عن هول المفاجأة التي كانت بانتظار جنودهم حين عبروا النهر، وظنوا ان العملية ليست اكثر من مناورة سهلة ومزركشة بالرصاص الحي. اسرائيل قد تستطيع التعاطي مع النظام السياسي الاردني بخصوص الحلول الاستسلامية والالتفافية، وقد تهدده او تغريه او تضغط عليه عبر الولايات المتحدة والدول الاوروبية، ولكنها ابداً لن تستطيع تنفيذ مؤامرة الترانسفير والوطن البديل ما دام "ابناء الحراثين" يمسكون بزناد البنادق وعنان الامور، نظراً لان ولاءهم لارضهم وقبور ابائهم واجدادهم يتقدم - ساعة الجد - على كل ولاء، ويتفوق على كل انتماء، ويولد لديهم شجاعة اضافية اين منها شجاعتهم واستبسالهم في معركة الكرامة التي اخذها القادة العسكريون على عاتقهم دون التقيد مراراً بموقف القيادة السياسية.

لكل هذا يتعين ازاحة الجيش الاردني من طريق الحلول التصفوية للقضية الفلسطينية التي غالباً ما ستتم على حساب دول الجوار العربي، بعدما عقدت اسرائيل العزم على تهويد كامل فلسطين، ودفع الكثير من ابنائها الى خارج الحدود وتشريدهم في كل ارجاء الدنيا..

فالمشكلة عند حكام اسرائيل لم تعد جغرافية، بل ديموغرافية تتعلق بمصير السكان وليس ظروف المكان. حتى الاطفال يدركون ان افضل وانجع طريقة لضرب قوة وتماسك الجيش - اي جيش - هي توريطه في حروب ليست له، ومغامرات خارج حدوده وحدود عقيدته العسكرية او القتالية، وقد سبق للجيش الاردني ان حارب اوائل عقد السبعينات من القرن الماضي ضد ثوار ظفار في سلطنة عمان، غير ان المرحوم الملك حسين سرعان ما تدارك هذه الغلطة الاستراتيجية، وقام بسحب قواته على الفور، وقبل ان تقع الفاس في الراس. قصدت ان اقول من هذه المقدمة التي طالت، ان اي تفكير - مجرد تفكير - في اقحام الجيش الاردني في اتون الازمة السورية الملتهبة، هو رجس من عمل الشيطان والامريكان واليهود، ومؤامرة لئيمة تستهدف هذا الجيش باكثر مما تستهدف الجيش السوري، ووصفة خبيثة لاستيراد عدوى الاقتتال والخراب والفوضى الدامية، بدل صدها وردها والحيلولة دون انتقالها الى الداخل الاردني.

هي وصفة ملعونة كنا نتوقعها، وسنبقى نتوقع مثيلات لها ما دمنا نضع ايدينا على قلوبنا خوفاً على جيشنا وامننا الوطني ونسيجنا الاجتماعي وسلامة جبهتنا الداخلية.. وما دمنا نعلم علم اليقين ان استهداف الوطن الاردني اسرائيلياً وامريكياً سوف يبدأ باغتيال قوته العسكرية وقدراته الدفاعية.. فقد تعلمنا من الامس القريب ان ضرب وحدة الجيش السوداني واستنزاف قوته في الحرب الاهلية قد سبق تقسيم السودان وانفصال جنوبه عن شماله، وان قرار الحاكم الامريكي بريمر بحل الجيش العراقي في وقت مبكر قد مهد السبيل لاستقلال الكيان الكردي وقيام نظام المحاصصة وتناحر المحافظات السنية والشيعية في بلاد الرافدين، وقل مثل ذلك او اكثر عما يجري اليوم في ليبيا واليمن بعد اسقاط جيشيهما، وفي سوريا غداً اذا جرى اسقاط جيشها وتفكيكه لا سمح الله.

وفقاً لكل القواعد والقياسات الاستراتيجية، ليس للاردن ادنى مصلحة في زج جيشه طرفاً في الصراع الدائر بسوريا، وسنداً لكل الحسابات الوطنية والذاتية البحتة - دعك من الحسابات القومية - سيخرج الاردن خاسراً من هذا المعمعان في كل الاحوال، سواء انتصر الجيش السوري او العصابات المسلحة التي تقاتله.. ففي حال انتصار هذه العصابات سوف يتحقق تقسيم سوريا وتغول الجماعات الاخوانية والتكفيرية التي ستضع الاردن نصب عينيها، وتعتبره دار حرب يتعين تحطيمها لكي يسهل ضمها الى مشروع دولة الخلافة في العراق والشام الذي بشرتنا به مؤخراً.. واذا كان فينا من يستهجن مثل هذا القول ويستغربه ويستبعده، فليس عليه الا ان يعود بذاكرته الى ما قبل عامين فقط، ليدرك ان ما كان مستحيل الحدوث في سوريا آنذاك قد اصبح الآن امراً واقعاً ومسربلاً بالدماء.

اما في حال انتصار الجيش العربي السوري، وانهزام العصابات المسلحة ومعها حلفاؤها الذين هبوا الى نصرتها وبضمنهم الجيش الاردني فلسوف تضطرب الاحوال الاردنية تمام الاضطراب، وتتفاقم الازمات والانقسامات والاصطفافات الى اقصى حد، ولن تنفعنا حينذاك اموال الخليج وعواطف امريكا واوروبا، لان الطريق ستغدو سالكة تماماً امام تصفية القضية الفلسطينية، واقامة الوطن البديل في اردن لن يكون آمناً ولا مستقراً، بل سيكون ملعباً لكل التناقضات والتناحرات الاهلية والاقليمية والصهيونية.

مجرم بحق الاردن اولاً، ومتآمر على شعبه وترابه ثانياً، ومتواطئ ضد جيشه وامنه ووحدته الوطنية ثالثاً، كل من يفكر - مجرد تفكير - في توريط جيشنا خارج حدوده، وتحميله فوق طاقته، وتسخيره لغير الدفاع عن الكيان الاردني فقط.. فما دامت اسرائيل الباغية لا تريد الانخراط في الاحداث السورية عسكرياً مخافة صواريخ دمشق وانتقام حزب الله، وما دامت تركيا الحاقدة لا تقوى هي ايضاً على مهاجمة سوريا تحت وطأة الحسابات الروسية والايرانية المعروفة.. فهل نحن في الاردن مؤهلون للتورط لان على راسنا ريشة ؟؟

 وهل يمكن للصواريخ السورية التي تشل اسرائيل وتغل يدها، ان تتحول في سماء عمان الى العاب نارية وفراقع صوتية اذا اضطرت دمشق لاعتماد "خيار شمشون" ؟؟ لو لم يكن العقل السياسي الاردني مقيداً في حريته وارادته، ومرتهناً للعصا الامريكية والجزرة الخليجية، لكان قد ادرك بكل سهولة ان مصلحة الاردن الذاتية وامنه الوطني يكمنان في وقوفه الواضح والحازم الى جانب القيادة السورية التي تخوض معركة المصير العربي باسره، وتحول دون اعادة عقارب الساعة العربية الى العصر المغولي، وتبعد عن الاردن اشباح الوطن البديل ودولة الخلافة على حد سواء.













Home Page
كتب ممنوعة
اراء حرة
صورة وتعليق
اخبار طازة
برقيات عاجلة
شروط النشر
فضائح وفضائح
خبر وتعليق
سري جدا
لصوص ظرفاء
رسائل القراء
من ارشيفنا
هذا الرجل
هذه المرأة
كتاب البورتل
كاتب وكتاب
قصائد ممنوعة
 مقالات  مميزة
كتب للبيع
ارشيف الاخبار
قصائد المقدسي
صحف عربية
الافتتاحيات
مقالات ساخنة
صبرا وشاتيلا
أسامة فوزي
ملفات الفساد
 مقالات الاولى
الكتب السعودية