الوهابية السياسية.. محاولة للفهم


March 06 2013 22:31

    كتب : فهد الريماوي

الاخطر من الوهابية الدينية المعروفة بالتزمت والتخلف والغلظة والبدونة، هي الوهابية السياسية، او البعد السلطاني والتوظيف السياسي لها قديماً وحالياً.. فالوهابية التي وضعها، او ابتدعها شيخ متعصب ضيق الافق في القرن الثامن عشر، لم تكن محض دعوة دينية خالصة، ولا قراءة مذهبية جديدة للعقيدة الاسلامية، بقدر ما كانت توظيفاً للدين في خدمة السلطان، وتحالفاً بين صاحب السيف وحامل المصحف، او امير العشيرة النجدي محمد بن سعود، وشيخ الدعوة العنفواني محمد بن عبد الوهاب

في بلدة الدرعية توافق في ذلك الزمان - وحتى الآن - الداعية والامير على التخادم المتبادل، والتقاسم الثنائي في المهام والسلطات والصلاحيات، فاستأثر الداعية بالسلطة الدينية، فيما انفرد الامير بالسلطة الدنيوية، واندفعا معاً، باسم محاربة البدع ونشر السلفية، في اقتراف ابشع انواع الغزو والنهب والقتل ضد القبائل الاخرى في معظم ارجاء جزيرة العرب التي لم تكن قد ابتليت بعد باسم 'السعودية'. عام 1157 هجرية انعقد التحالف التاريخي (الذي ما زال قائماً حتى اليوم) بين الداعية المؤسس للحركة الوهابية، والامير المؤسس للدولة السعودية الاولى، حيث قام الاول بمبايعة الثاني على السمع والطاعة، فيما تعهد الثاني بمساعدة الاول في نشر دعوته وتعميم مذهبه.. وهو ما يعني اعطاء ما لقيصر لقيصر، وما للشيخ للشيخ، وبما احال الدرعية الى عاصمة حكم، ودار هجرة معاً

بعدما استقر الحال للشيخ الداعية في العاصمة الدرعية، امر اتباعه برفع راية 'الجهاد'، والاغارة على باقي المسلمين، حيث كرت سلسلة طويلة من المصادمات والغارات على سكان الجزيرة بدعوى انهم مشركون كمشركي الجاهلية يحل - بل يتوجب - قتالهم وسبي اموالهم ومواشيهم وكل ما ملكت ايديهم.. غير ان الاخطر والاغرب هو هدم كل الشواهد والاثار والقباب والاضرحة في مكة والمدينة وباقي الاماكن والمدائن في جزيرة العرب وسواها، بدعوى انها من وسائل الشرك والغلو في الانبياء الاولياء الصالحين، حتى ان قبور الصحابة وآل البيت لم تسلم من معاول اولئك الهدامين الذين لا يقيمون وزناً للمعالم الدينية والحضارية والتاريخية

وفيما عمدت الوهابية الى تحريم الاحتفال بالاعياد والمناسبات الاسلامية بما فيها المولد النبوي الشريف، والى تحريم معارضة الحاكم والخروج عليه تحت طائلة القتل.. فقد اباحت، مصادرة الحريات الشخصية والفردية، واطلقت طائفة من 'المطوعين' الشرسين للتدخل في ادق شؤون الناس واخص خصوصياتهم، وعقر بيوتهم، بذريعة تطويعهم بالعنف - وليس ارشادهم او هدايتهم بالحسنى -لاداء ابسط الشعائر الدينية. ومن هنا فقد تمادت الوهابية في مصادرة الحريات السياسية من خلال تحريم معارضة الحاكمين، وفي مصادرة الحريات الشخصية والدينية من خلال جهود جلاوزة 'المطوعين' الذين يجيدون اساليب القمع وليس الاقناع، والارغام وليس الافهام.. الامر الذي يفضح الحقيقة السياسية المتخلفة والمتعسفة لهذه الحركة الرجعية التي وضعت نفسها في خدمة الحكام والسلاطين، ووفرت لهم غطاءً سميكاً من القداسة الزائفة والشرعية المغتصبة.. في حين عجزت فقهياً وفكرياً عن التعمق في صلب العقيدة وجوهر الشريعة وفلسفة الايمان والتوحيد في الاسلام. ويكفي للتدليل على جهل هذه الحركة وعقم تفكيرها، وضحالة مضمونها الاصلاحي، اقدامها على هدم المشاهد والمعالم الدينية بحجة تبرك البسطاء والساذجين بها، بدل ان تلجأ الى توعية وتعليم وتبصير هؤلاء الجهلة والبسطاء بصحيح الدين، كي يكفوا عن هذه البدع والعادات الخاطئة

 الا يذكرنا هذا السلوك الوهابي الهدام بواقعة الدب الذي قذف رأس صاحبه بصخرة لان ذبابة حطت عليه؟؟ ألم يكن الاولى بالهدم هو جهل الجهلاء وامية الاميين وشعوذة المشعوذين، وليس آثار الصحابة وآل البيت، ومواضع ومواقع ومهابط الرسالة المحمدية الخالدة ؟؟ منذ بداياتها تعرضت الوهابية، بحكم اعتمادها على الشدة وابتعادها عن الرحمة والسماحة، الى الكثير من النقد والتفنيد على ايدي افاضل علماء السنة من حنابلة واشاعرة واحناف ومالكية وشافعية، كان في مقدمتهم الشيخ سليمان بن عبد الوهاب (شقيق محمد بن عبد الوهاب) الذي وضع كتاباً ضافياً في نقد دعوة شقيقه، تحت عنوان 'الصواعق الالهية في الرد على الوهابية'، حيث دمغها بالافراط في تكفير كل المختلفين معها، والتعرض لمعظم أئمة السنة بالتخطئة حيناً والاخراج من دائرة السنة حيناً آخر، وهدم الشواهد والمعالم النبوية في مكة

عام 1818 ميلادية قام ابراهيم باشا، نجل حاكم مصر محمد علي بمحاصرة الدرعية، عاصمة الدولة السعودية الاولى وتدميرها، بعدما اشتد ظلمها واتسعت حملات غزوها حتى بلغت اطراف العراق والشام وعُمان.. غير ان الحلف السعودي - الوهابي ما لبث ان اعاد، اوائل القرن الماضي، انتاج نفسه، والعمل على استعادة مملكته على يد عبد العزيز بن سعود الذي نجح، بالتواطؤ مع الانجليز، في تأسيس المملكة السعودية الثالثة والتي لا تزال قائمة، فيما كانت المملكة الثانية التي لم تعمر طويلاً قد نشأت عام 1824 وزالت على يد محمد الرشيد، حاكم حائل عام 1891

بالسيف والوهابية والتحالف مع المعتمد البريطاني بيرسي كوكس، قامت المملكة السعودية الحالية عام 1932، ولكنها ما لبثت ان استبدلت امريكا ببريطانيا التي فقدت قوتها بعد الحرب العالمية الثانية، واستغنت عن السيف لحساب النفط الذي تدفق انهاراً، بينما ابقت على التمذهب الوهابي واتخذته سلاحاً ايدلوجياً وسياسياً تقارع به الايدلوجيات العربية المناهضة من وطنية وقومية واشتراكية، وتكتسب من خلاله الكثير من المريدين والمؤيدين والدعاة والانصار في طول العالمين العربي والاسلامي وعرضهما. بالذهب الاسود والمذهب الظلامي والاسناد الامريكي، امكن للسعودية ان تصدّر التخلف الرجعي، وتلوث الوعي العربي، وتشوه العقل السياسي، وتزيف الخطاب الاعلامي، وتروج الافتاء التكفيري، وتفرخ الجماعات 'الجهادية' التي تجاهد في كل بقاع الارض باستثناء اسرائيل، وتشتري الجمع الغفير من الضمائر والاقلام والخطباء والاحزاب والهيئات والقوى الشعبية والنخبوية، ليس في الوطن العربي فحسب، بل في دول اوروبا وامريكا ايضاً

لقد اساءت الوهابية، عبر غلوها وجلافتها، للدين الحنيف، ولكنها قدمت فائدة جلى للممالك السعودية التي قامت بالسيف وما زالت قائمة على العسف والتسلط والتوارث والادعاء بالحق الالهي الذي سوغته لها، قديماً وحالياً، تلك الحركة الوهابية المفعمة بالغلظة والانغلاق، والمتماهية مع رغبات سلاطين آل سعود في اعتماد القمع بدل الاقناع، والهدم عوض البناء، والحكم باسم الشرع والدين، وليس بموجب الدساتير والقوانين والمعايير العصرية. قبل بضع سنوات قال ولي العهد ووزير الداخلية السعودي الراحل، الامير نايف بن عبد العزيز، ان جميع الحركات والجماعات التكفيرية والارهابية قد خرجت من عباءة الاخوان المسلمين.. غير ان واقع الامر ووقائع التاريخ تثبت ان هذه الجماعات والقطعان الهمجية قد خرجت تاريخياً من عباءة الوهابية، وتخرجت اساساً من دهاليز مدرسة الدرعية













Home Page
كتب ممنوعة
اراء حرة
صورة وتعليق
اخبار طازة
برقيات عاجلة
شروط النشر
فضائح وفضائح
خبر وتعليق
سري جدا
لصوص ظرفاء
رسائل القراء
من ارشيفنا
هذا الرجل
هذه المرأة
كتاب البورتل
كاتب وكتاب
قصائد ممنوعة
 مقالات  مميزة
كتب للبيع
ارشيف الاخبار
قصائد المقدسي
صحف عربية
الافتتاحيات
مقالات ساخنة
صبرا وشاتيلا
أسامة فوزي
ملفات الفساد
 مقالات الاولى
الكتب السعودية