خواطر على هامش عيد ميلاد عبد الناصر


January 23 2013 09:51

    كتب : فهد الريماوي

قبل خمسة وتسعين عاماً، تمخضت مصر فانجبت قائداً واعداً تخيرت له اسم "جمال"، واودعته اعظم الاماني واكبر الآمال، وعهدت اليه باصعب المهام والاعباء والاعمال. لم يخيب هذا "الجمال" آمال مصر واشواق العرب، بل غادر طفولته مبكراً ليلتحق بركب الشباب، ثم غادر حقول العسكرية مبكراً ايضاً ليفجر ثورة 23 يوليو التي اضاءت مصر، وايقظت الوطن العربي بأسره، وشكلت رافعة معنوية وحركية لعدة شعوب في قارات آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية.

عاش عمره ناسكاً متعبداً في محراب الثورة، وبطلاً باسلاً يغشى الوغى دون تردد في سبيل العروبة، فيعتلي صهوة الانتصار مرة، ويتجرع مرارة الانكسار مرة اخرى.. لان هذا هو قدر ابطال الاساطير الطالعين من سطور الملاحم الاغريقية، والمنذورين لتحقيق احلام الشعوب العريقة. سيرة هذا الفارس المغوار اكثر من معروفة، ولا داعي لسرد وقائعها وروائعها، ولكن ما يجدر ذكره والتركيز عليه هذا الاوان، قدرة هذا الفارس العبقرية على صناعة التقدم، والتحديق في آفاق المستقبل وليس في اطلال السلف الغابر، وتشييد مشروع نهضوي وحدوي عربي من شأنه رفع امتنا الى مصاف ارقى واغنى واقوى دول العالم.

وسط خرائب الزمن العربي الحاضر، لا بد ان تنهشنا انياب الحيرة ومخالب الاستغراب.. كيف عدنا الى الوراء من بعده ؟؟ لماذا وصلت بنا الردة الى هذا الحد ؟؟ لماذا استبحنا كل المحرمات الوطنية والمقدسات القومية والثوابت والضوابط الاخلاقية والنضالية ؟؟ ام ان هذا القائد الاسطوري كان سابقاً لعصره، وقادماً قبل اوانه، ومؤذناً في فضاء امة لم تفق من سباتها بعد ؟؟ كان ممسكاً بزمام النهضة فحسبنا ان الامة قد نهضت، وكان شديد العداء للجهالة فتخيلنا ان الرجعية قد انهزمت، وكان حريصاً على الاستقلال فتوهمنا ان الامة قد تحررت واستقلت، وكان شغوفاً بالوحدة فتصورنا ان وحدة الامة قاب قوسين او ادنى، وكان مقاتلاً في سبيل الاشتراكية فاعتقدنا ان آفات الفقر والاستغلال والاحتكار والتفاوت الطبقي قد زالت ودالت وافسحت المجال واسعاً امام قوافل الحق والخير والمساواة وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية.

ولكن.. ما ان اختطفه المنون وغادر مسرح الحياة، حتى اختلّت امتنا واعتلّت وباتت تسير على غير هدى، كأنما ضربها فجأة زلزال مدمر، وغشيها على حين غرة عمى البصر والبصيرة، ومادت بها الارض حتى اختلّت لديها كل الموازين والمقاييس والحسابات الاستراتيجية.. فهل كان "جمال" روح الامة التي همدت بعد رحيله ؟؟ هل كان عقل الامة التي فقدت الوعي وضلّت السبيل بعد غيابه ؟؟ هل كان "القاسم المشترك" لهذه الامة التي تفرقت وتمزقت بمجرد ان فارق الحياة ؟؟

لسنا من انصار "عبادة الشخصية"، او تضخيم دور القائد في التاريخ، ولكن واقع الحال العربي هو خير شاهد على دور "جمال" في استنهاض الامة، وتوحيد صفوفها، وتصويب خطاها، ورفع معنوياتها، وتعزيز ثقتها بنفسها، وتبوء مكانة محترمة بين دول وشعوب هذا الكوكب.. في حين وقع العكس، وحدث النقيض، وانطلقت غربان الخراب والارهاب والاحتراب، وضاع الامن القومي والامل الوحدوي، وانبعثت الفتن والنعرات الجهوية والعرقية والطائفية والقبلية والمذهبية، ما ان اسلم الروح ولفظ آخر انفاسه.

وعليه.. فاين كنا في عهده ؟؟ وماذا اصبحنا من بعده، يا اولي الالباب ؟؟ هل تسير امتنا بعكس بوصلة الزمان، ام تحب ممارسة التاريخ بالمقلوب، حيث ترنو الى الامس بدل الغد، والى الماضي عوض الآتي ؟؟ انظروا ما كان عليه الحال، وما صار اليه المآل.. انظروا كيف تخلت الامة عن ثوابتها، وافترقت الالفاظ عن معانيها، واغتربت الايام عن اسمائها، وانفصلت الاعوام عن تواريخها، وابتعدت المصطلحات عن مضامينها.. فالحرية تعني التبعية، والتغيير يعني التأخير، والثورة تعني الثورة المضادة، والاعلام يعني فحش الكلام، والجهاد يعني الذبح على الهوية، والمعارضة تعني الاستقواء بالاجنبي والتذيل للمراكز الاستعمارية، والثقافة تعني الارتزاق من مشيخة قطر وباقي الدويلات النفطية.

انظروا كيف اختفت اسرائيل من خرائط الاهتمام العربي العام، وكيف اصبح الصراع العربي - الاسرائيلي اثراً بعد عين، وكيف اندلع بدلاً منه صراع المذاهب والمآرب بين السنة والشيعة، وكيف بات خطباء الجوامع ابعد اثراً في الناس من اساتذة الجامعات، وكيف تقدم مشايخ الدروشة والاستلاب والتخلف والفتاوى الوهابية على رواد الفن والفكر والعلم والمعرفة والابداع. في غياب الافكار الثورية والقيادات التقدمية، انظروا كيف تنكب "الربيع العربي" جادة الصواب، فحمل لنا "ازهار الشر" بدل عناقيد الخير، ومنح الدفء لافاعي التمذهب والتكفير كي تفيق من بياتها الشتوي، واتاح للرجعيات النفطية ان تحمي ذاتها بالقاء كرة النار في ساحات الآخرين، واسبغ على امريكا صفة الراعي الامين للديموقراطية، فيما وفر لبريطانيا وفرنسا وباقي دول اوروبا العجوز فرصة معاودة استعمارها القديم وتحويل الوطن العربي الى "لعبة امم" تتقاذفها الاقدام من كل حدب وصوب.

ما علينا.. فالمناسبة هي عيد ميلاد "جمال" وليس استعراض واقع الحال، وهي مناسبة عزيزة على كل عربي شريف يعتد بعروبته، ويفتخر بقوميته، ويعتز بوحدويته وسط هذا الطوفان الهائج والمائج من التشرذم والانقسام والاختصام وافساد ذات البين العربي والاسلامي. هي مناسبة سعيدة اشرقت من اعالي النيل، وابتسامة عريضة ارتسمت على ثغر العروبة، وزغرودة عذبة انطلقت من اوتار الامل، وفرحة كبرى انداحت على اوسع مدى، وبشارة ثمينة زفتها لامتنا حوريات التاريخ. في سائر المحطات والمناسبات الناصرية، يستذكر الكثير من الشرفاء الاوفياء سيرة "جمال" العابقة بالطهر والزهد والامانة والاستقامة، ويسترجعون جملة من جلائل اعماله وروائع منجزات ثورته، من مثل الاصلاح الزراعي، والتحول الاشتراكي، ومجانية التعليم، وتحقيق الجلاء، ومقارعة الصهيونية والاستعمار، وبناء السد العالي، وتأميم قناة السويس، واطلاق آليات التنمية والتصنيع والابداع بمختلف انواعه..

غير انهم يجهلون او يتجاهلون ان جمال عبد الناصر اكبر من سيرته ومسيرته، واعظم من اعماله واقواله، وابقى من عمره ودوره، ذلك لانه كان، ولا يزال، قدوة للثائرين، وقوة مثال عابرة لكل الاجيال، ومشعل الهام خالد على مر الايام، وينبوع امل وتفاؤل مهما اشتدت الخطوب وتقاطرت المحن والفتن والاخطار. دلوني على اي قائد عربي او عالمي مضى الى رحاب ربه منذ نيف واربعين عاماً، ولكن اسمه ما زال محلقاً في آفاق الحاضر، وذكره ما زال متألقاً في حلبات الكاريزما، ورسمه ما زال معلقاً على جدران ملايين المنازل العربية، وعلى سواعد حشود المشاركين في سائر المسيرات والانتفاضات الشعبية.. تماماً كما لو انه حي يرزق ويتربع على صهوة الوجود والحضور. باختصار.. لم يكن هذا القائد الخالد رجلاً في امة، بل كان - بكل فخر - امة في رجل.













Home Page
كتب ممنوعة
اراء حرة
صورة وتعليق
اخبار طازة
برقيات عاجلة
شروط النشر
فضائح وفضائح
خبر وتعليق
سري جدا
لصوص ظرفاء
رسائل القراء
من ارشيفنا
هذا الرجل
هذه المرأة
كتاب البورتل
كاتب وكتاب
قصائد ممنوعة
 مقالات  مميزة
كتب للبيع
ارشيف الاخبار
قصائد المقدسي
صحف عربية
الافتتاحيات
مقالات ساخنة
صبرا وشاتيلا
أسامة فوزي
ملفات الفساد
 مقالات الاولى
الكتب السعودية