ما هكذا تورد الابل .... لفهد الريماوي


December 31 2012 07:45

كتب : فهد الريماوي

بين التحالف والتوظيف بون شاسع وفرق واسع.. فالتحالف توافق بين انداد يتمتعون بصفة المساواة، بينما التوظيف علاقة تمايز وتفاوت بين تابع ومتبوع، او آمر ومأمور، او طائع ومطاع. في الاحقاب والاعوام السالفة عمد نظام الحكم الى توظيف جماعة الاخوان المسلمين، وتسخيرهم لخدمة اهدافه في الداخل والخارج، لقاء بعض المناصب والمكاسب والحريات التنظيمية.. اما اليوم فقد جمح الجواد الاخواني، وتمرد على واقع الاستخدام، وبات ينشد التحالف - او حتى التقاسم - مع النظام، مدفوعاً بتأثير النجاحات المتوالية للجماعات الاخوانية في غير دولة عربية

بادئ الامر حاول النظام استرضاء اتباعه القدامى، وزيادة حصتهم من كعكة الحكم، واعادتهم بمختلف وسائل الاغراء والاحتواء الى "بيت الطاعة"، غير انهم رفعوا سقف مطالبهم وكلفة ولائهم، واوغلوا في معارضتهم حد القطيعة، وتقدموا صفوف الحراكات الشعبية التي كثيراً ما تجاوزت هتافاتها وشعاراتها كل الخطوط الحمراء والمحرمات السياسية. بعد فشل محاولات الاغراء والاحتواء، جاءت سياسات الخصومة والعداء والعين الحمراء، حيث تولت الدوائر الامنية مهمة العبث بالداخل الاخواني بغرض شق الصفوف وتسعير الخلافات.. فيما تولت دوائر القصر تقريب النخب والقوى والاحزاب اليسارية المناوئة للاسلاميين، وتأليبها عليهم، واستبدالها بهم، وتكليفها بالوظائف والادوار التي سبق لهم ان تعهدوها ونهضوا بها

من هنا جاءت الجولات الحوارية التي انعقدت مؤخراً بين الحكم وبعض النخب والشلل والتيارات اليسارية، واستهدفت، اولاً وعاجلاً، انجاح لعبة الانتخابات النيابية، وافشال المساعي والدعوات الاخوانية لمقاطعتها، فيما استهدفت، ثانياً وآجلاً، تبديل الاحصنة وتغيير الادوات المطلوبة والمعول عليها لخدمة النظام في الوقت الحاضر، لقاء ما تيسر من الوعود الاصلاحية، والامتيازات الشخصية، وحفلات العلاقات العامة والمجاملات السياسية

 اهلاً بانفتاح اهل الحكم على الاطارات الشعبية والنخبوية، وباعتماد سياسة المكاشفة والحوار بدل التدابر والقطيعة، وبالوصول الى قواسم مشتركة ونقاط التقاء وطنية جامعة.. ولكن شتان بين التوافق والتفاهم وبين التوظيف والاستخدام، او بين التنازلات المتبادلة وبين التنازل من لدن الطرف المحكوم الذي لا يلوي على شيء لحساب الطرف الحاكم الذي يستأثر بكل شيء. لعل مشكلتنا المزمنة في الاردن، وربما باقي الوطن العربي، ان الكثير من قوى المعارضة وتشكيلاتها هشة ومخاتلة وحتى انتهازية تعلن ما لا تؤمن، وتقدم الشأن الخاص على الصالح العام، وتتحين اقرب فرصة للقفز من شواطئ المعارضة الى ضفاف الحكم والسلطان، وتتسبب بالتالي في احباط الجماهير الشعبية المفجوعة، ودفعها دفعاً الى الكفر بالمعارضة والمعارضين

 قوة المعارضة تكمن في عنادها لا في عديدها.. في طرحها للفكر الارقى والبديل الافضل، لا في الرعونة والمراهقة والانبهار "بيسارية" الحكام.. في التمسك بالمبادئ والثوابت والاخلاق حتى تشكل قدوة وقوة مثال، لا في التذبذب والتقلب والتذيل ومقايضة المواقف بالوظائف.. في الالتزام الوطني الصارم مهما بلغ الثمن، لا في الاستقواء بالاجنبي على الوطن ومغادرة ساحات النضال عند اول فرصة مواتية

قيمة المعارضة تتحدد هذا الاوان في ضوء قدرتها على مصارحة الحكام بشجاعة، ومكاشفتهم في مختلف الشؤون الدقيقة والقضايا الحساسة "والمحرمات" التي كانت مناقشتها سابقاً في عداد المستحيلات.. ليس لصالح الوطن والشعب فحسب، بل لصالح هؤلاء الحكام انفسهم ودوام حكمهم واستمرار بقائهم.. فقد ولى زمن المسايرة والولاء الاعمى والخطاب المنافق، وحل محله زمن الولاء النقدي الجريء، والاخلاص الضميري المستنير الذي ينصح للحاكم ان يغير قبل ان يتغير، وينزل عند تطلعات الشعب وليس العكس

 واياً ما اختلفت الاراء في تقييم عاصفة "الربيع العربي"، فالثابت انها قد كشفت، بل فضحت - باعتراف الحكام انفسهم - بؤس الانظمة العربية وتخلفها وفسادها واستبدادها، وابتعادها عن هموم شعوبها، وحاجتها الى التغيير والتطوير والمصالحة والاصلاح.. ولو تقيض لهذه الانظمة وقوى المعارضة الاحتكام للتحاور والتشاور بمفردات الحكمة والثقة والتنازلات المتبادلة، لما سالت كل هذه الدماء الزكية، وتدخلت كل هذه القوى الاجنبية، وفقد العرب زمام الامور وبوصلة الاتجاه. انظروا الفرق بين الربيع العربي وربيع امريكا اللاتينية الذي انبلج اوائل القرن الحالي.. فهناك تم التوافق بين الحاكمين والمعارضين على الانتقال الديموقراطي عبر صناديق الاقتراع وليس دموية الصراع، كما تمخضت هذه الصناديق عن فوز الحركات اليسارية والتقدمية المناوئة لامريكا، وليس الجماعات الرجعية والاخوانية والسلفية التي سرعان ما تهادنت مع اسرائيل وهرولت نحو واشنطن

 ولعل اثمن هدية يمكن "لليسار" الاردني ان يقدمها لمثل هذه الجماعات، هي التخديم على النظام، والانخراط في الانتخابات النيابية الحالية، والانتقال من موقع المعارضة الى موضع التبعية.. تاركاً لهذه الجماعات الظهور بمظهر المعارضة الساهرة على مصالح الشعب، والمدافعة عن حقوقه وحرياته، والمصممة حد الاستماتة على تعديل الدستور وتغيير بنية النظام. ليس بالتكاذب والمجاملات والهمبكات الاعلامية والاصطفافات الموسمية بين اهل الحكم وشلل اليسار، يمكن تحجيم شعبية الاخوان، وسحب البساط من تحت اقدامهم، وانما بتجديد فلسفة الحكم وشرعيته واستراتيجيته، وقراءة المرحلة الحاضرة في ضوء استحقاقاتها، وطرح مشروع وطني وديموقراطي طموح يلبي حاجات الشعب وتطلعاته، ويثير حماسه واستعداده العالي للانخراط فيه والالتفاف حوله، ويتقدم في محتواه ومؤداه على الطروحات والمشاريع الاخوانية. هكذا فعل جمال عبدالناصر منذ منتصف عقد الخمسينات، فمن خلال مشروعه الوطني والقومي والتقدمي استطاع استقطاب اوسع قاعدة شعبية مصرية وعربية، وطرد النفوذ الاخواني من الشارع العربي بأسره، وحصر هذا النفوذ داخل جزر ودوائر مهملة ومحدودة

 وعليه.. فقد احسن الحزب الشيوعي صنعاً حين قرر مقاطعة الانتخابات، واثبت انه يساري عريق ومختلف تماماً عن هؤلاء اليساريين الجدد.. ورغم انه يلتقي في هدف المقاطعة مع جماعة الاخوان المسلمين، الا ان له رؤيته وتقديراته واسبابه المختلفة، ناهيك عن رغبته في الاحتفاظ بزمام الفعل والمبادرة وليس رد الفعل ورجع الصدى، وادراكه ان الاهداف والمواقف الوطنية السليمة والصحيحة جديرة بالاحتضان والاحترام والاعتناق حتى لو تبناها الخصوم والمنافسون













Home Page
كتب ممنوعة
اراء حرة
صورة وتعليق
اخبار طازة
برقيات عاجلة
شروط النشر
فضائح وفضائح
خبر وتعليق
سري جدا
لصوص ظرفاء
رسائل القراء
من ارشيفنا
هذا الرجل
هذه المرأة
كتاب البورتل
كاتب وكتاب
قصائد ممنوعة
 مقالات  مميزة
كتب للبيع
ارشيف الاخبار
قصائد المقدسي
صحف عربية
الافتتاحيات
مقالات ساخنة
صبرا وشاتيلا
أسامة فوزي
ملفات الفساد
 مقالات الاولى
الكتب السعودية