سيف الرحبي .... والصعود الى الجبل الاخضر


December 28 2012 21:21

يؤثث الشاعر العماني سيف الرحبي كتابه الصادر حديثا عن سلسلة "كتاب دبي الثقافية" الموسوم بـ"الصعود إلى الجبل الأخضر" بالخيال المرافق لكافة الحكايات الممتدة منذ عهد الطفولة إلى الآن، ويستذكر الشاعر صورا تتراءى له عبر مخيلته، فيبرز الجبل الأخضر بشموخه ورهبته

يقول الشاعر سيف الرحبي في مقدمة كتابه "الصعود إلى الجبل الأخضر" والصادر ضمن سلسلة "كتاب دبي الثقافية": منذ عهود طفولتنا البعيدة، في الداخل الحجري لعمان، والجبل الأخضر يسكن خيالات تلك الطفولة، الغضة ويعشش فيها، حكايات وخرافات جبالا وتلالا تتناسل في مرابضة العيبتية

ويزد الخيال تأثيثا واستطالة، ما ينفرد به الجبل الأخضر من الفواكه والأشجار التي تسمق في الخيال، وتزهو على مدار العام، تغذيها المنابع الجبلية الصافية الرقراقة… لم يكن الجبل الأخضر في تلك الخيالات الطفلة إلا ظلالا شاسعة وهوما وصورا تتراءى محلقة كالطيور والحيوانات القادمة من عصور ما قبل التاريخ لتنقض من مغاراته ومدرجاته العاصية، كالطائرات وهي تطير بسرعة الضوء إبان الحرب الأخيرة، من حكايات أهلنا الكبار

يذكر المؤلف: من "بني رواحة" التي تستوطن السهول القريبة من الجبل الأخضر، خرج الشاعر الأهم في التاريخ العماني، "ناصر بن سالم البهلاني الرواحي" "أبو مسلم"، وبهذا المنحى السلالي يكون امتدادا جينيا ليس لشعرية عنترة العبسي، وإنما للنابغة الذبياني. كنت في مطلع العمر أحفظ الكثير من أشعار "أبي مسلم"، وأنشدها بنبرة أهل "سمائل" المموسقة الفريدة، وفي مقدمة تلك الأشعار كانت "النهروانية" كان مطلعها

سميري وهل للمستهام سمير تنام وبرق الأبرقين سهير
تمزق أحشاء الرباب نصاله وقلبي بها يتك النصال فطير

ويضيف الشاعر سيف الرحبي: كان الجبل الأخضر من العائلات الجبلية الأخرى لا تتمتع بصفات المقدس وحرماته… ربما قدس بعض العمانيين في أزمنة ما قبل الإسلام الحصان الراكض في البراري أو ذلك الحالم على حواف الأملاج التي كانت تشبه الأنهار، والمروج الخضراء لكن الجبل الأخضر أسطورة، أو بالأحرى مركز الأسطورة الجبلية، فكان الجبل الأخضر تيس الأسطورة الرابض على مقربة، لكن المفلع بالغموض والسر والاحتمالات. كان بصدوعه وشغافه وأسطحه الملساء

ويتذكر المؤلف: صعوده للجبل الأخضر، قائلا: الطريق الذي حاولت صعوده لأول مرة مطلع التسعينيات من القرن الماضي، أحاول صعوده الآن مع عبد الله الرياس الرسام. كان الشقاء في الرحلة الأولى على أشده، وكانت منطقة الجبل لا يسمح بالدخول إليها إلا بتصريح كمنطقة عسكرية، ويضيف: في واحات الجبل الأخضر، أنام من غير مكيف هواء، بجوار النافذة التي تطل على شجر الرمان والتفاح

هنا لا تحتاج إلى مكيف أو مروحة، وأنت جغرافيا في قلب صيف جزيرة العرب، أو الضلع الجنوبي منها. وأتذكر "وادي منصح" فيما يشبه الطيف، تلك الأسراب من طيور القطا وهي تنزل من أعالي الوادي نحو الغيول والبرك لتشرب، مصدرة ألحانا خفيضة غامضة، توقظ الفضاء الساكن من غفلة الظهيرة السادرة، تجعل التسيم وحيدات الوادي ترقص بمرح تحرره من جهامة الأزل المتكاثف بين صخوره وشعابه

ويشير إلى قطيع ماعز يرعى بنشوة لا يعكر صفوها معكر بعد توقف الأمطار التى بقيت روائحها العطرة، أصغى إلى هسيس رعى الماعز السكران يرتفع وينخفض، ماعز الجبل الأشهب الذي لا يضاهيه جمالا ورشاقة إلا ماعز "وادي الطائيين"… لاحظت في ماعز الجبل الأخضر، أن بعض أفراد القطيع حلق شعره بطريقة لم تزده إلا بهاء وخفة كأنما حلاقته على يد حلاق محترف، وليس عفويا للاستفادة من صوفه

ويقول الشاعر: كان الوالد – رحمه الله – يأخذنا باستمرار إلى قرية "قيقا". بجانب طيبة أهلها وكرمهم الذي يصل حد الخرافة على جاري نمط السلوك العماني في تاريخه أتذكر "التين" الخاصية الإبداعية لطبيعة تلك القرية التي من النادر أن نجد لها مثيلا

وعن رحلته إلى تركيا، يتذكر المؤلف: في مقهى البازار الشعبي الكبير، الذي سيكون سوق الحميدية بدمشق وبعض أجزاء من خان الخليلي في القاهرة، وأسوان في مدن مغاربية وعربية، نموذج منه أو بالأحرى شبيه، على تفوق السوق التركي في المساحة والنظافة وما يتعلق بتقدم حضاري بيِّن، نلاحظه في التفاصيل والأزقة والواجهات المليئة بكل أنواع البضائع والتحف والمنسوجات الكثيرة بمختلف المستويات والأثمان… وبما أن دخول الأسواق ليست هوايتي في التسكع بل المشي فيها والتطلع بشرود

وقد أعرضت عن هذه الهواية عميقة الغور عند صنف كبير من البشر، خصوصا النساء مهما كانت مستوياتهن الثقافية والفكرية يشتركن "معظمهن" في هذه الغريزة الشرائية والنزهية، وذهبت رفيقة دربي إلى التسوق، وجلست في المقهى الواقع ضمن سلسلة قعاه، في ممرات السوق الكبير على الطاولة المصنوعة من خشب أصيل: هنا تقدم أنواع من المشروبات التراثية التركية لا تجدها في الفنادق والمقاهي الحديثة في هذه المدينة العملاقة أسطنبول

يضيف الشاعر سيف الرحبي، أجلس في المقهى ذي الكراسي الموشاة بالخرز والمحار وأنواع التحف بألوانها التي تشبه جناح الطاوس

ثمة جزر نزحت بمياهها الزرقاء
ثمة عقاعق تمرح في حقل الليلك
زهر التوليب
الساطع في حضوره واحمراره

ظهرة التوليب أو الخزامى، الإسم الأخير يذكر بشيء خبئ في النفس، ذكرى مكان تصرم عهد أو زمن مضى. هذه الزهرة كنت أراها منتشرة في ربوع هولندا تضوع بحضورها ورائحتها الآفاق، كانت زهرة التوليب، الخزامى إحدى علامات أيامي المتعاقبة في هولندا التي تمنحني وعد الجمال والرؤية، وكنت أعتقد جازما بأصلها وفصلها الهولنديين… والخزامى تشكل الجزء الأكبر من حقول تلك الزهور واقتصادها الكبير، حتى اكتشفت في أسطنبول ما يخالف ذلك، كونها ذات أصل تركي أتت بها الأقوام المترحلة من الأواسط الآسيوية وغرستها في بلاد الحلم الجميل، نمت وانتشرت واستوطنت مع أهلها القادمين. وفي رحلة العودة، يقول الشاعر سيف الرحبي، ومن نافذة الطائرة: الغيوم والسحب تتدافع بين التيارات الهوائية "درجة الحرارة خارج الطائرة 60 تحت الصفر" تتدافع الغيوم كقطعان كباش فاجأها الهياج في مراعٍ ظليلة عاصفة أخذت تسيل بين الصوف المهتز والعشب الوارف

في الخاتمة يتذكر المؤلف عبارة شعرية لليوناني "ينانيس ريوس". يقول: "على ما صنعت وما لم تصنع، الحسرة هي نفسها"، كنوع من عزاء أثر ضياع "دفترين" لي، مليئين بالكتابة والانطباعات والملاحظات، حزنت كثيرا جدا حين سألت الخطوط التي جئت على متنها أفادوني بأنهم لم يجدوا شيئا. لكن "ريتسوس" منحني بعض الهدوء والرضا، وتذكرت أن العالم المحيط ليس بحاجة إلى كتاباتنا، إنها شأن شخص ونوع من علاج لنفس مأزومة وقلقة













Home Page
كتب ممنوعة
اراء حرة
صورة وتعليق
اخبار طازة
برقيات عاجلة
شروط النشر
فضائح وفضائح
خبر وتعليق
سري جدا
لصوص ظرفاء
رسائل القراء
من ارشيفنا
هذا الرجل
هذه المرأة
كتاب البورتل
كاتب وكتاب
قصائد ممنوعة
 مقالات  مميزة
كتب للبيع
ارشيف الاخبار
قصائد المقدسي
صحف عربية
الافتتاحيات
مقالات ساخنة
صبرا وشاتيلا
أسامة فوزي
ملفات الفساد
 مقالات الاولى
الكتب السعودية