ابو خالد·· صقر من فلسطين


November 27 2012 08:45

كتب : فهد الريماوي

اعظم مجد في العالم، هو مجد الرجال الذين لم يستسلموا (ديجول)يحدث ان تجود الحياة برجال لهم مواصفات الجبال، فهم يشبهونها في الشموخ والرسوخ والثبات، كما يشبهونها ايضاً في الوعورة والصلابة والطبيعة الصخرية الحادة

لعل القائد والمناضل الراحل "ابو خالد العملة" احد ابرز نماذج الرجل/الجبل الذي يتصف بالثبات المبدئي والنقاء الوطني الفلسطيني والقومي العربي، جنباً الى جنب مع الحدة في المواقف، والوعورة في الاختلاف، والبعد عن المهادنة والمسايرة والحلول الوسطية والهلامية

كان صنديداً عنيداً يحمل روحه على راحته، ويعشق فلسطين حد العبادة، ويستعذب الشهادة في سبيل تحريرها من النهر الى البحر، ويرفض كل الرفض ادنى تنازل عن ترابها الطهور، ويشهر سيف التصادم والتناقض والاختلاف مع سائر المتخاذلين والمرتدين والمفرطين

حين دعا الداعي ولزم الامر، لم يتردد "ابو خالد" في مغادرة الجيش العربي الاردني والالتحاق بصفوف الثورة الفلسطينية، وحين انحرفت البوصلة الفتحاوية عن جادة التحرير والكفاح المسلح لم يتردد في التمرد والانشقاق، وحين افرغت منظمة التحرير من مضمونها النضالي وسقطت في مستنقع اوسلو لم يتردد في البحث عن اطار ثوري بديل وتحالفات فلسطينية وعربية جديدة، وحين اقعده المرض ودارت عليه الدوائر لم يتردد في الانتقال من خانة المقاتل بالسيف الى خانة المناضل بالفكر والقلم

المهم ان هذا الفارس بقى قابضاً على جمر المبادئ والثوابت الى آخر يوم من حياته، وآخر نفس من انفاسه·· لم يتغير او يتبدل او ينقلب على ذاته وقناعاته، رغم غدر الزمان وتباعد الرفاق والحلفاء والاخوان، ورغم تعاسة هذه الحقبة، وتدهور منسوب القيم والمثل والاخلاق حد دخول الناس في دين الشيطان والامريكان افواجاً وامواجاً

الكثيرون احبوا هذا الرجل واكبروه وايدوه واحترموه ثائراً ومحاوراً·· مقاتلاً ومجادلاً، نظراً لانه يجمع بين قوة العزم وسعة الفهم، ويزاوج بين الالتزام العملي والاقتناع النظري او الايدلوجي، ويتوفر على محصول فكري وثقافي لا يقل عن تراثه العسكري والقتالي، ويتمتع بدرجة عالية من الكبرياء والاباء والصدق مع النفس عز نظيرها لدى الآخرين

الكثيرون، بالمقابل، كرهوا "ابو خالد" حد المقت، ونفروا منه حد القطيعة، وتقولوا عليه حد الاتهام، ووقفوا ضده حد التآمر، ليس لاسباب موضوعية، او لاعتبارات وطنية وكفاحية، او لمبررات سياسية وعقائدية، بل لحساسيات وقياسات شخصية وفئوية - في الغالب - تأسست على قاعدة الغيرة والمنافسة والعجز عن الارتقاء الى مستوى صلابته وعناده وعلو همته ووضوح مواقفه وقوة منطقه وحجته وشخصيته

كل الذين كانوا يعجزون عن مجاراته ومباراته، كانوا يحقدون عليه·· وكل الذين كانوا يتصاغرون امام هيبته وعظمته، كانوا يحاولون طعنه في ظهره·· وكل الذين تعبوا وتخاذلوا وتساقطوا على درب النضال، كانوا يهاجمونه ويتهمونه بالعدمية والتطرف والعنجهية والاستعلاء·· وكل الذين فكوا ارتباطهم بقضاياهم الوطنية والقومية، ونقلوا البنادق الى الكتف الآخر، كانوا يدمغونه بالتبعية لسوريا وايران وليبيا القذافي، رغم انه بريء من كل ما يأفكون

مشكلة "ابو خالد العملة" انه قائد كبير وفارس جريء، وكثيراً ما وقفت الاكبرية والكاريزما والشجاعة حجر عثرة في طريق اصحابها، وتحولت خلال المراحل المنحطة الى عبء ثقيل على اربابها، وجلبت لهم المصائب والنوائب والويلات وليس الامجاد والانتصارات، وألبت عليهم الخصوم والغرماء والاعداء باضعاف ما استقطبت حولهم من الانصار والاعوان والاصدقاء

لم يكن هذا الرجل الصلب والصعب باحثاً عن الشهرة والتصفيق، ولا معنياً بفن الاسترضاء والمجاملات والعلاقات العامة، ولا ساعياً وراء بريق المال والترف والعيش الرغيد، ولا مستعداً لمناقشة ادنى تنازل عن كامل التراب الفلسطيني، واية مشاريع او مواضيع او حلول وسطية بهذا الخصوص·· ففلسطين عنده وطن مقدس غير قابل للقسمة والمحاصصة والكسور العشرية·· وفلسطين عنده ام رؤوم لا يجوز التفريط بارضها وعرضها·· وفلسطين عنده قضية وطنية وقومية واسلامية لا يمثلها ويعبر عنها الا القادر على تحريرها ونفض الكابوس الصهيوني عنها

ورغم ان "ابو خالد" قد التزم البيت الفتحاوي حتى لفظ آخر انفاسه، وقاتل تحت راية منظمة التحرير الفلسطينية لاكثر من اربعين عاماً·· الا انه لم يردد شعار "يا وحدنا" ولم يتلوث بآفات الاقليمية والفلسطنة والعصبوية، بل ظل قومياً وناصرياً شديد الاعتزاز بقوميته العربية وهويته الناصرية، حتى انه اختار اسم "عبدالناصر" لاحد ابنائه، وكان يعلق صور هذا القائد الخالد في منزله ومكتبه

كان "ابو خالد" يدهشني بقدرته على المزاوجة والتشبيك بين ما هو وطني فلسطيني، وما هو قومي عربي، وما هو تقدمي عالمي·· بين انتظامه في حركة فتح، وانتمائه للمشروع القومي الناصري، واعتناقه للفكر الماركسي الاممي، ذلك لانه كان مثقفاً مبدعاً وخلاقاً يستحق الاهتمام والاحترام، فكم قضينا - هو وانا - من الساعات الطوال والحلقات المتعددة في جدل ساخن له اول وليس له آخر، وكم علمني من الدروس والعبر والملاحظات والمطالعات التي اثرت مخزوني من الوعي والخبرة والثقافة

يؤلمني رحيل هذا القائد الصادق والصديق، ويحزنني غيابه على هذا النحو الظالم وفي هذا الظرف البائس، ولعل مما يضاعف الخسارة فيه ان يتزامن رحيله مع واحدة من اكبر الخطايا والكبائر التي يقترفها "المؤتمن" على قضية فلسطين المدعو محمود عباس الذي اعلن جهاراً نهاراً اسقاط "حق العودة"، وقدم ثلاثة ارباع فلسطين هدية مجانية للعدو الصهيوني، دون ان يرف له جفن، او ترتعد له فريصة، او يخشى في الخيانة لومة لائم

كان "ابو خالد" ورفاقه في فتح/الانتفاضة اول من رصد بوادر الانحراف لدى قيادة حركة فتح، واول من شق عصا الطاعة على القيادة العرفاتية التفريطية، واول من دق ناقوس الخطر منذ مطالع عقد الثمانينات من القرن الماضي·· غير ان احداً من الفلسطينيين والعرب لم يكن يتخيل، مهما جمح به الخيال وسوء الظن، ان ينحدر "المؤتمن" على قضية فلسطين الى هذا الدرك من العمالة والفضيحة، وان تبلغ هذه القضية المركزية والتاريخية هذا المستوى المحزن من الهوان والاهمال والعبث السيريالي

رحم الله فقيدنا الغالي "ابو خالد"·· صقر فلسطين الذي عاش ثائراً لا تاجراً·· عاش مقاوماً لا مساوماً·· عاش مكافحاً ومات فقيراً كادحاً لا يمتلك من مغانم الدنيا غير اسمه الكريم وسمعته العطرة وتاريخه النضالي المجيد













Home Page
كتب ممنوعة
اراء حرة
صورة وتعليق
اخبار طازة
برقيات عاجلة
شروط النشر
فضائح وفضائح
خبر وتعليق
سري جدا
لصوص ظرفاء
رسائل القراء
من ارشيفنا
هذا الرجل
هذه المرأة
كتاب البورتل
كاتب وكتاب
قصائد ممنوعة
 مقالات  مميزة
كتب للبيع
ارشيف الاخبار
قصائد المقدسي
صحف عربية
الافتتاحيات
مقالات ساخنة
صبرا وشاتيلا
أسامة فوزي
ملفات الفساد
 مقالات الاولى
الكتب السعودية