ازمة البديل في ذكرى الرحيل


September 26 2012 17:37

كتب : فهد الريماوي

سيدي ابا خالد
من وراء ظهر الموت، ومن خلف اسوار الغياب، نهرع اليك·· نقرأ الفاتحة لروحك الطاهرة، ونذرف دمعة مملحة بلوعة الفراق، ونقف بين يدي ذكرى رحيلك خاشعين، ثم نجدل من مشاعر الشوق والحنين باقات ورد واكاليل ريحان لتتوزع في رحاب مثواك القاهري المحفوف بالوداعة والسكينة والرضوان

طال غيابك، يا ابا خالد، ناهز اثنين واربعين خريفاً داكناً وكئيباً، وسافر بنا من الشباب الى الكهولة فالشيخوخة·· ولكن القلب ما زال مضرجاً بحبك، والفكر ما زال مضبوطاً على بوصلتك، والروح ما زالت دائرة في مدار روحك، والذاكرة ما زالت حافلة بالكثير والغزير من جلائل اعمالك وروائع اقوالك

ليس شرفاً للذين عرفوك ان ينسوك، والذين عاصروك ان ينكروك، والذين وافوك ان يجافوك، والذين صفقوا لك ان ينقلبوا عليك، والذين تعلموا وتثقفوا وتدربوا في بيوتات ثورتك وصروحها ان يخونوك ويجحدوا فضل ثورة يوليو المجيدة·· ذلك لأن الوفاء والانصاف والعرفان والشكران من انبل مناقب واخلاق البشر، ولكن اغلب العربان لا يعلمون

سيدي ابا خالد
لغيابك هذا العام، او بالاحرى ذكرى غيابك، معنى جديد ومذاق آخر، فقد زال الفاسدون عن سدة الحكم المصري، ولكن جاء الحاقدون·· ذهب البيروقراطيون، ولكن وثب الظلاميون· دالت دولة العاجزين، ولكن نهضت دولة العابثين·· سقطت دكتاتورية المخابرات، ولكن قامت دكتاتورية "الجماعات"·· رحل المخلوع محمد حسني، ولكن هطل المصروع محمد مرسي

فهل اتاك، يا ابا خالد، حديث محمد مرسي، وما ادراك ما هذا المرسي انه قرصان عتيق يتربع الآن على قمة الوطن المصري، وهو علامة تعجب افرزتها صناديق الانتخابات الجاهلية، وهو سارق ثورة شعبية كانت مؤهلة لاستكمال ثورة 23 يوليو الام، وهو صنيعة اخرى من صنائع واشنطن وحارس طازج من حراس كامب ديفد، وهو كافور جديد تسلل من صفحات التاريخ الى يومنا الراهن وعصرنا الحاضر

هل تتذكر - يا ابا خالد - هجاء الشاعر المتنبي لكافور القديم حين قال

وكم ذا بمصرَ من المضحكاتِ            ولكنه ضحكٌ كالبكا

الامر ذاته ينطبق على كافور المعاصر المدعو محمد مرسي، فهو ليس اكثر من مضحكة تثير البكاء، ومسخرة تبعث على الرثاء، ومهزلة لها شكل المأساة، ودون كيشوت مأفون قادم من العصور الوسطى لاعادة عقارب الساعة المصرية الى الوراء، وخلق بيئة عصبية وتعصبية متشنجة، واطفاء انوار الفن والفكر والحداثة والابداع على ضفاف النيل، واستحضار حلقات الزار والدروشة والشعوذة في ايام الحاكم بأمر الله

سيدي ابا خالد
منذ رحيلك فقدت مصر دورها الطليعي الرائد، ورزحت تحت وطأة التهميش والتبعية، ورزئت باتفه القادة والرؤساء، وصح فيها المثل الشعبي القائل : "تبدلت غزلانها بقرود"، بدءاً بالمرتد انور السادات، ومروراً بالبليد حسني مبارك، وانتهاءً بالاخواني الموتور محمد مرسي العياط الذي استهل عهده بالتهجم على العروبة، والتحامل على سوريا، والانخراط في مؤامرة المباعدة والتصعيد العدائي بين الشيعة والسنة ولان "اول الرقص حنجلة"، كما يقال، فمن المؤكد ان الآتي على ايدي هذا العياط وربعه اعجب واغرب، فهم لا يختلفون عن اسرة البوربون الفرنسية التي قيل "انها لم تنس شيئاً، ولم تتعلم شيئاً"·· وهم صدئون محكومون بعقد تاريخية قاتلة، وهم ثأريون دأبهم الانتقام من الناصرية ومبادئها وانجازاتها، حتى انهم تقبلوا العودة الطائعة الى احضان امريكا، وجنحوا للسلم والمصالحة مع العدو الصهيوني، ولكنهم بالمقابل مازالوا يعلنون الحرب على القومية العربية، ويرفضون المصالحة او حتى المهادنة مع ثورة 23 يوليو ومنطلقاتها الوحدوية والتحررية والاشتراكية

سيدي ابا خالد
نعترف بين يدي ذكرى رحيلك، انك كنت اعلم منا بهؤلاء المتأسلمين، واحذق منا في سبر اغوارهم بدقة، وهتك اسرارهم بسهولة، وفضح مؤامراتهم وارتباطاتهم في وقت مبكر، وتضييق الخناق عليهم كي لا يعيثوا في الارض فساداً، ويهبطوا بمصر الى حضيض التخلف والسطحية، ويشغلوها بسفاسف الحجاب والنقاب وارضاع الكبير، ويدوروا بها في فلك الاستعمار والصهيونية والرجعية النفطية مبكراً، ادركت يا ابا خالد انهم ادعياء لا دعاة، ومنافقون لا مجاهدون، وشعوبيون لا عروبيون، وعشاق دنيا لا اهل دين، وطلاب حكم وسلطان لا اصحاب تقوى وايمان، وطابور خامس مهمته التضليل والتشكيك والتكفير والتحطيب في حبال اعداء العرب والعروبة، وليس نصرة الامة وخدمة قضاياها الوطنية والقومية والتقدمية القمينة بتمكينها من تبوؤ مكانها اللائق تحت الشمس

حتى النبي العربي، عليه الصلاة والسلام، الذي طالما تمسحوا باعتابه، واستظلوا براياته، وادعو الغيرة على دينه، وزايدوا على الآخرين في محبته·· لم يهبوا الى نصرته حينما تجرأ اوباش صهاينة وامريكان بالامس عليه، ولم يسمحوا للجماهير الغاضبة في بلادهم بالتعبير عن رفضها وادانتها للفيلم المجحف بحقه، بل سارعوا الى سكب الماء على مراجل الغضب الشعبي، وغض الطرف عن هذه الجريمة الآثمة والمتعمدة، وذلك ارضاءً لحليفهم وولي نعمتهم باراك اوباما الذي يخوض الآن معركة البقاء في فردوس البيت الابيض

ولكن رغم ان وصولهم الى رئاسة مصر يمثل اكثر من فاجعة، وافدح من كارثة، الا ان "رب ضارة نافعة"، وربما لن يطول الوقت حتى تتكشف، في ميدان التجربة والامتحان، حقيقتهم، وتحترق اوراقهم، وتتعرى مزاعمهم، وتتجلى نواياهم الشريرة، وتتمظهر جهالاتهم السياسية والاقتصادية والادارية والثقافية، وهو ما سيدير الدائرة عليهم، ويثير ثائرة الشعب المصري ضدهم، ويقوض الهالة الزائفة التي احاطوا بها انفسهم

سيدي ابا خالد
ستبقى الملهم والمعلم رغم طول غيابك واحتجابك، وستظل الناصرية هي المدرسة والمؤسسة والمنارة والبوصلة التي تهدي الى سواء السبيل·· سنظل نترسم خطاك، ونوالي من والاك، ونعادي من عاداك·· نساند بشار الاسد لانه من بقية فرسان القومية العربية، ونؤيد حسن نصرالله لانه محارب باسل ضد الامبريالية والصهيونية، ونصادق بوتين لان روسيا تعتبر وريثة حليفك السوفياتي القديم، ونبجل شافيز لانه دائم الاعتراف بعشقه - وهو الفنزويلي - للمعاني والمفاهيم الناصرية

اما على الجانب الآخر، فسنظل نعادي تركيا لانها ملوثة بالاطماع العثمانية، ونناهض السعودية لانها اساس البلاٌّء في سائر القضايا العربية، ونناوئ فرنسا وبريطانيا وامريكا لانها تكرر عدوان السويس عام 6591 في سوريا هذا الاوان، ونحتقر قطر التي تحولت الى قاعدة للنفوذ اليهودي والجيوش الامريكية، خلافاً لنضالاتك ومعاركك التي انصبت منذ بواكير ثورة يوليو على اجلاء القوات البريطانية عن ارض مصر والاردن والعراق وعدن

وفيما يتصاغر المدعو محمد مرسي امام التاريخ، ويتنازل عن دور مصر المعتاد في اصلاح ذات البين العربي، ويتآمر مع تركيا لسفك الدم السوري ومنع المصالحة الوطنية·· نستذكر بكل الفخر والاعتزاز نجدتك العاجلة لسوريا حين طاولتها التهديدات التركية في عقد الخمسينات، ثم وقفتك الحازمة التي تليق بك وبالشقيقة الكبرى مصر، لانهاء الصراع الاردني - الفلسطيني في فتنة ايلول، وكان ذلك آخر جهدك القومي وعهدك بالحياة·· رحمك الله













Home Page
كتب ممنوعة
اراء حرة
صورة وتعليق
اخبار طازة
برقيات عاجلة
شروط النشر
فضائح وفضائح
خبر وتعليق
سري جدا
لصوص ظرفاء
رسائل القراء
من ارشيفنا
هذا الرجل
هذه المرأة
كتاب البورتل
كاتب وكتاب
قصائد ممنوعة
 مقالات  مميزة
كتب للبيع
ارشيف الاخبار
قصائد المقدسي
صحف عربية
الافتتاحيات
مقالات ساخنة
صبرا وشاتيلا
أسامة فوزي
ملفات الفساد
 مقالات الاولى
الكتب السعودية