لماذا لا نستنهض الخط الثالث ؟


August 10 2012 12:37

لماذا لا نستنهض الخط الثالث

بقلم: فهد الريماوي

ابسط تعريف للمأزق، انه فقدان حرية الاختيار، والرزوح تحت وطأة الجبر والاضطرار·هذا الاوان تنحشر بلادنا في تجويف مأزق ضيق على مختلف الاصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى النفسية والعصبية، بعد ان غامت الرؤى، وتباعدت المواقف، وتفاقمت الخلافات، وبات الكل يضيق ذرعاً بالكل، ويستهين بهيبة الدولة، ويأخذ القانون بيديه

غابت لغة الحوار، وتقلصت مساحات التفاهم، واضطربت حبال الامن، وتخلخلت عرى التحالفات والاصطفافات القديمة، واستفحلت ثقافة الغش والخداع والفساد، ووقفنا جميعاً امام الجدار المسدود، تاركين لهذا الوطن الصغير والفقير ان يتخبط في ازماته، ويقلع شوكه بيديه، ويحتار بين تسلط النظام وتسلط الاسلاميين، ويرقب بعين التحسب والقلق مسلسل الحرائق والدماء الجاري من حوله

ورغم ان هذا الوطن قد عاش جل حياته وسط الازمات والاضطرابات، وفي خضم اقليم شرق اوسطي ملبد بالمخاطر والمفاجآت والتقلبات، الا انه كان يمتلك من الحكمة والحنكة والحيوية والفاعلية ما يمكنه من الصمود والنجاة، خلافاً لحاله الراهن، وما بات عليه في الوقت الحاضر، حيث اشتدت الاعاصير والازمات، فيما تقهقرت الكفاءة والعزيمة والمهارة والقدرة على مجابهة التحديات

فيما قبل كان الحلال بيّناً والحرام بيّناً·· كان الفرز واضحاً والتمايز محدداً·· كان لدينا نظام ومعارضة·· نظام مستقر ومتماسك وقادر على اداء مهماته، وممارسة سلطاته وصلاحياته، بصرف النظر عن رأينا في ذلك الاداء وتلك السياسات والممارسات·· اما المعارضة فكانت محددة القسمات والبرامج والتحالفات، حيث ضمت الحركة الاسلامية، وجملة قوى وفصائل واحزاب وطنية وقومية ومطلبية ونقابية توافقت جميعاً حول قواسم مشتركة سياسياً واقتصادياً·· داخلياً وخارجياً

اما الآن فقد اختلطت الاوراق، وتفاقمت الاوضاع، وتبدلت الخرائط، واختلت موازين القوى، وتعاكست الادوار والمواقف·· فلا النظام قادر على تجاوز ذاته، وتجديد ادواته وخياراته، واستعادة قوته وسلطته وشعبيته·· ولا المعارضة قادرة على فرض ارادتها، والحفاظ على وحدتها، والاستفادة من الحراك الشعبي الذي استغرق جملة اشهر وكان من المفترض ان يصب في طاحونتها

ليست استقالة حكومة الخصاونة المباغتة، واستنكاف طاهر المصري رئيس مجلس الاعيان، وتحفظ عبد الاله الخطيب رئيس الهيئة المستقلة للانتخابات، واعتراض عدد من رجالات الدولة السابقين على قانون الصوت الواحد، الا شكلاً من اشكال الانقسام في مؤسسة الحكم، وجانباً من جوانب المأزق الذي ينحشر فيه النظام·· وليس تعالي الحركة الاسلامية على حلفائها من باقي قوى المعارضة، وافتراقها عنهم بشدة حول الاحداث السورية، الا ضربة قاصمة لوحدة هذه المعارضة، وخروجاً سافراً على قواسمها المشتركة، وانشطاراً حاداً في صفوفها التي اتخذت صيغة فسطاطين مختلفين : الحركة الاسلامية من جهة، والاحزاب والحركات الوطنية والقومية واليسارية من جهة اخرى

وعليه، فلم يعد الفرز واضحاً والتمايز محدداً كما كان في الوقت السابق، وانما اضطربت الحسابات والاجندات السياسية، وتضاربت خطوط الطول والعرض في خرائط الائتلاف والاختلاف، فباتت الحركة الاسلامية التي تعارض الحكم حول بعض القضايا الداخلية، تصطف الى جانبه في عدد من المواقف الخارجية، فيما باتت باقي قوى المعارضة التي تلتقي مع الحركة الاسلامية حول جملة من الموضوعات الداخلية، تقف موقفاً مناقضاً ومناهضاً لها بخصوص بعض المسائل الخارجية، وفي مقدمتها المـسألة السورية

غير ان توافق النظام والاسلاميين حول الاوضاع السورية، وانخراط الطرفين في الحلف التركي - الامريكي - الخليجي المعادي لسوريا، لم يؤديا الى توفير الثقة المتبادلة بين هذين الطرفين، وتضييق شقة الخلاف حول التعديلات الدستورية وقانون الانتخابات النيابية بينهما، نظراً لتطلع الاسلاميين الى المشاركة الحقيقية - وليس الشكلية او الهامشية- في الحكم، مقابل توجس النظام من مطامح الاسلاميين في دور البديل، وليس الشريك فقط، ولا سيما ان بعض جماعات الاسلام السياسي التي وصلت سدة الحكم في مصر وتونس وليبيا، قد اثبتت بالتجربة الملموسة استعدادها الكامل للتعاون مع امريكا، والتهادن مع اسرائيل، والالتزام بالمنهج الرأسمالي، والمباعدة بين السنة والشيعة

ومن هنا فقد استقر في عقل النظام، ان اية تنازلات اضافية سوف يقدمها، لن تؤدي الى تفريج كربته وتوسيع نطاق شعبيته، وانما سوف تصب في صالح الحركة الاسلامية المتربصة به، والمتأهبة لمغالبته ليس على صعيد قواعده الداخلية فحسب، بل وتحالفاته الامريكية وتفاهماته الاسرائيلية ايضاً·وهكذا فقد ضاق المأزق كثيراً، ووقعت الفأس في الرأس، والعقدة في المنشار، وبات السؤال الجوهري الذي يفرض ذاته على كل اردني قادر على الاجتهاد، وغيور على الصالح الوطني العام، هو : ما العمل ؟؟ وما هو السبيل للخروج من حمأة التسلط والتفرد والدكتاتورية، سواء دكتاتورية النظام الحاضرة، او دكتاتورية الاسلاميين المنتظرة

مؤكد ان الاجابات عن هذا السؤال الوجودي لن تكون سهلة او عاجلة، ولكن اقربها الى الفهم والاستحضار، هو بناء "الخط الثالث" الذي يتوسط المسافة بين النظام والحركة الاسلامية، ويضم كافة القوى والقواعد الشعبية والوطنية والقومية والتقدمية، ويعيد احياء جذور واصول ونضالات الحركة الوطنية الاردنية، وفقاً لما كانت عليه طوال عقود النصف الثاني من القرن الماضي، وقبل ان يجهز عليها النظام، ويوفر للحركة الاسلامية فرصة وراثتها والقيام مقامها

قد يبدو هذا الخيار صعباً، ولكنه بالقطع ممكن وليس مستحيلاً، فالجمر الوطني ما زال متقداً تحت الرماد ولا يحتاج بالدرجة الاولى الا لشخصيات قيادية حازمة وقوية لا تخشى النظام، ولا تتذيل للحركة الاسلامية·· ولنا في المرشح الرئاسي المصري الناصري، حمدين الصباحي، خير قدوة واسوة وقوة مثال، بعدما اثبت بحصوله على ستة ملايين صوت انتخابي، ان الروح الوطنية والناصرية لم تمت رغم كل اعمال القهر واعوام القمع على يد نظامي مبارك والسادات، وان الشعب المصري ليس كتلة صماء عمياء تتوزع بين عسكر النظام البائد، وجماعات الاسلام السياسي والسلفي

صدقوني اننا قد اخطأنا كقوى وعناوين وطنية وقومية ويسارية، حين ارتضينا، اوائل عقد التسعينات، التحالف مع الحركة الاسلامية، والرهان على شراكة نضالية متينة معها، واشهد ان الدكتور يعقوب زيادين، امين عام الحزب الشيوعي آنذاك قد جاءني متذمراً من هذا التحالف، ومحذراً من عواقبه وسلبياته، وراغباً في انسحاب حزبه وحزبين آخرين من لجنة التنسيق العليا لاحزاب المعارضة التي تهيمن عليها جبهة العمل الاسلامي، غير انني بذلت جهداً ضارياً ومستميتاً لثنيه عن هذا القرار، واقناعه بضرورة الصبر والتحمل لانجاح هذه "التجربة التاريخية والاستراتيجية الرائدة"·· وليتني ما فعلت، فقد اثبتت الايام ان هذا المناضل العريق كان اكثر مني خبرة وبصيرة













Home Page
كتب ممنوعة
اراء حرة
صورة وتعليق
اخبار طازة
برقيات عاجلة
شروط النشر
فضائح وفضائح
خبر وتعليق
سري جدا
لصوص ظرفاء
رسائل القراء
من ارشيفنا
هذا الرجل
هذه المرأة
كتاب البورتل
كاتب وكتاب
قصائد ممنوعة
 مقالات  مميزة
كتب للبيع
ارشيف الاخبار
قصائد المقدسي
صحف عربية
الافتتاحيات
مقالات ساخنة
صبرا وشاتيلا
أسامة فوزي
ملفات الفساد
 مقالات الاولى
الكتب السعودية