Hyde Park Writer since:
05 January 2008

مظاهر التغريب في المغرب

يمثــل التغريب أحــد جوانب الأزمــة الرئيسية في إعاقــــة النهوض الاجتماعي و أحــد أهــم آليات صناعة التشويــه القيمي للأمــة الإسلامية ، و لذلك وجدنا أن مفكرين معاصرين إسلاميين قــد تـصدَّوا لبيان آفاتها المدمرة على المجتمع الإسلامي الأصيل أمــثال الأستاذ منير شفيق في كتاباته المتـنوعة خصوصا كتابيه الهامين ( تحديات الانحطاط المعاصر) و ( قضايا التنمية و الاستقلال في الصراع الحضاري ) و كتابات الدكتور محمد عمارة في مواجهته لتيار التغريب المصري ممثلة في التوجه اللائكي القابض على سلطة الإعلام و كذلك كتابات طارق البشري و الأستاذ عبد السلام ياسين في حواره مع اللائكيين المُـغرَّبين 

 و التغريب الذي يمثل تحديا حقيقيا لمستقبل مجتمعنا ليس متحيزا في مكان ما و لا نمطا عقلانيا في التفكير و إنما يــعبِّــر عن مستوى اختراق الغرب الحضاري لثلة من المثقفين و العاميين في تكوينهم العقلي و أسس تفكيرهم ، و هو بذلك يمثل أحــد أدوات تفكيك المجتمع الإسلامي في بُـناه الداخلية قصدا لزرع نمط آخر من التفكير يستمد أصوله من الحضارة المهيمنة ( نتيجة هذا التفكيك يسميه شفيق بمجتمعان تحت سقف واحد )) طبقا لمقولة ابن خلدون الشهيرة : الإنسان مولع بتقليد الغالب في زيه و شعاره و .. ، و إذا نــحن أمعنا النظر في أصحاب مشاريع التغريب أو قُــل ضحايا التغريب فإننا نجد على الفــور صنفين : - مثقفين مُــغَـرَّبين تبنوا شعارات القيم الغربية بقوالبها و جذورها الفلسفية و راحوا يبشــروا بها كما لو أنهم أصحاب مشاريع إنقاذية ، في حين ليسوا في الحقيقة إلا حملَــة نمط ثقافي تغريبي مختلف في مرجعيته عن أسس التفكير الإسلامي الأصيل ، و هـذا القطاع التغريبي استنفر كل إمكاناته الذاتية لتنزيل نموذج الخيار الغربي على حضارتنا و أراد له السيادة في شتى جوانب الحياة بدءا من نظم السياسة إلى أنماط العيش و العلاقات البينية 

 و سواء تعلق الأمــر هنا بالخيار المنقول الشيوعي الشرقي المتوحش أو الرأسمالي الغربي المستكبِــر فإن التغريب واحد و لا يستمد معاييره إلا من الأرض و التراب ، و قــد أوضح هذا الأمر و جـــلاَّهُ أكثر منير شفيق في ( الإسلام في معركة الحضارة) .... - عاميون سائرون في جوقة التغريب بما يظنون أنفسهم أصحاب رؤية ، و غالبية هؤلاء النمط من الناس ممن عايشوا أساليب العيش في الغرب فانبهروا بنظامهم و قيمهم الدهرية حتى وجدنا من يحاكي نظامهم في كل شيء ، و قــد زاد في التغريب عند هذا القطاع من الناس ما كانوا عليه في بلدانهم الأصلية من جهــل و حرمان و سوء تربية فلما قُــدِّرَ لهم معايشة الغرب في ديارهم لم يعودوا منها إلا أشباه رجال في القيم الإسلامية . و نــجن إذا أردنا أن ننظر في التغريب في وطننا المغرب لوجدنا له حضورا بارزا في أخلاق الجالية المغربية في الخارج بحيث أصبحت جاليتنا نموذجا قويا في التغريب اللغوي و الثقافي و القيمي ( بالطبع إلا من رحم الله ) و نــكاد نجزم أن أبناءنا في الخارج لم يستطيعوا أن يتغيَّــروا فالأحرى أن يُــغيِّــروا غيرهم ، و لم يقتصـر الأمــر عند حــد التقليد الأعمى لتقاليد الغرب و إنما صاروا ينتصرون لهذا النمط و يجارون في تمثيله كما لو أنهم غربيون في التفكير 

 و لقد تزايدت في السنوات الأخيرة أعداد المهاجرين المغاربة إلى الخارج و تزايدت معها أساليب الانحلال الأخلاقي و العبث و ثقافة المجون و الميوعة السلوكية و أقوال الفحش اللغوي في الطرقات و رفع أصوات الغناء في السيارات مع قيادة جنونية فضلا عن التغريب اللغوي حيث أصبح الطفل و الكبير مُــغَرَّبــا في لغة بلده و كأننا أصبحنا غثاء تنكرنا لكل شيء أصيل في تراثنا و قيمنا ، و كنتُ أتسائل دائما مع نفسي لماذا لا يتحدث أحــد من المسؤولين عندنا بهذا الداء السرطاني فيُخَـصـصَ لها جهات للتوعية و التحسيس بدل منابر الدولة التي وضعتها لإرشاد المهاجرين في الخارج ؟ لماذا لا تتحدث الأطر الجمعوية عن هذا الغزو الوبائي لمجتمعنا و تقوم ببعض المبادرات الفردية لفتح هذا الملف الغائب ؟ و أعجب لتلك الجمعيات الأمازيغية التي تزعم الحفاظ على التقاليد و اللغة و القيم و لكنها لا تتحرك قيد أنملة حينما يتعلق الأمــر بتغريب اللغة و كأنها تكيل بمكيالين في التعامل مع الثقافة .


تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز