Hyde Park Writer since:
14 May 2008

محلل بشؤون السياسة والمجتمع
محاضر جامعي تاريخ العرب والإسلام بفرنسا
مدير معهد عالي للتجارة والسياحة بفرنسا
ماجستير تاريخ العصور الوسطى
ماجستير إدارة أعمال الشركات الخاصة

انقلاب، فـ..ثورة، فـ.. حركة، فـ.. استقرار للأبد

منذ ثلاث سنوات ونيف قام الجنرال علي ولد شيخ فال بانقلاب عسكري على نظام حكم الرئيس سيدي ولد معاوية، واصفا إياه بالفاسد. لم يكن أول انقلابات موريتانيا بل الرابع عشر، لكنه كان الأكثر استغرابا بالنسبة للعرب، فشعار انقلاب الجنرال فال كان :

[ انقلاب عسكري بهدف إقامة نظام ديمقراطي انتخابي حـــرّ ].

 

لم يُصدّق أيُّ محلل سياسي هذه " الحدوتة "، كون انقلابات موريتانيا ليست أكثر رُقيّـا من انقلابات بقية بلدان العالم منذ أكثر من ستة عقود : الوطن العربي، أمريكا اللاتينية و دول آسيا.

مع مرور الزمن، لوحظ استقرار سياسي حقيقي في موريتانيا، مرافقا بحركة توعية وتهيئة لتطبيق ديمقراطية انتخابية حرة، لم يحظ هذا النشاط التصريحاتي بأهمية لدى الملاحظين السياسيين. في نهاية سنة 2006، كثّف الجنرال فال تصريحاته بعزمه على إجراء انتخابات رئاسية ونيابية، انتخابات تحققت فعلا مع بداية سنة 2007 بشفافية ونزاهة، فأفرزت لموريتانيا مجلسا نيابيا ورئيسا مدنيا هو : سيدي ولد الشيخ عبد الله. والمفاجأة السارة غير المعهودة في بلاد الانقلابات هي : [ أنّ - الجنرال فال - قد سلّم السلطة شخصيا للرئيس الجديد، وتنحى نهائيا عن كرسي الحكم ! ] كم هو راق ؟

 

وهنا، بدأ المحللون والمعلقون في الوطن العربي يبدون دهشتهم، فلم يتمكنوا من تصديق " الحدوتة " رغم انتهاء مسيرتها، والتساؤلان المشروعان والمحيران كانا :

* كيف أعدّ - الجنرال فال - نفسه للتخلي عن كرسي الرئاسة ؟

* هل سيعود بانقلاب من نوع جديد أو بوساطة عسكرية أخرى ؟

أثبتت الأحداث أنه كان نزيها ومتفهما لـ /فن تسيير البلاد/، وفرحة غير مسبوقة سكنت أعماق المراقبين المهتمين بالسياسة، وكان كل واحد يردد : [ مرحبا بالانقلاب الذي يؤدي لديمقراطية حرة ونزيهة ].

 

باتت موريتانيا البلد العربي الديمقراطي الوحيد الذي يُضرب به المثل، لغياب أي تجربة من هذا النوع في بلادنا العربية [ باستثناء ديمقراطية لبنان المطبخية-التوافقية-التبعية-الطائفية-الحزبية، وحرية تعبير سياسييه النادرة التي تكاد تكون أقرب منها إلى "طق الحنك"، وللإنصاف يمكن ذكر التجربة التعددية في الجزائر منذ وصول بوتفليقة للرئاسة ].

 

مرت سنة ونيف على الديمقراطية اليانعة الموريتانية، وكنا نتابع تطورات التطبيق الديمقراطي الحر بكل فخر، لا نبدى سوى الإعجاب بالتعدد الحزبي والخلاف على أمور اقتصادية وسياسية، كما يجري في كل الدول الديمقراطية حين يختلف الحزب الحاكم مع أحزاب المعارضة. لم نُعر انتباها لوجود العسكريين، معتقدين أن الجنرال فال سيكون المثل الأعلى الذي سيحتذي به بقية العسكر، بحمايتهم لهذه الديمقراطية كـ إرث رائع، كما هو الحال بتركيا. [ حلمنا ] أن موريتانيا ستكون النموذج الذي سيتبعه العرب.

 

***

وجاءت مفاجأة أول أمس حين سمعنا ما كُدنا ننساه : [ بلاغ رقم واحد ] يُعلن أنّ محمد ولد عبد العزيز أحد الضباط المعزولين من قبل الرئيس سيدي ولد الشيخ عبد الله، قد قام بـ/ حركة تقويمية / واعتقل رئيس الجمهورية ورئيس وزرائه وشكّل مجلسا لتسيير الأمور برئاسته، تذرع الانقلابيون بأسباب سياسية وتنموية وعائلية كـ إقالة الوزارة وتشكيل وزارة جديدة، تعطيل عمل البرلمان والدستور، خلاف بين العسكريين والرئيس، خلع 4 ضباط، تغيير في مناصب الدولة، خروج 48 نائبا من الحزب الحاكم، تعيين محسوبين على الرئيس، عدم التقدم في عملية الإصلاح الاقتصادي والإنمائي... الخ

أسباب غير مقبولة في نظام ديمقراطي كافح وضحّى شعبه من أجل تحقيقه، وتركه كإرث مُجرّب مُحترف، ففي معظم الأنظمة الديمقراطية توجد انحرافات تسبق خطورتها ما ذُكر، لكنها لا تبرر خلع واعتقال رئيس ومسؤولين، بل يقوم المعارضون بـ - مواجهته داخل مجلس النواب – و بـ تنظيم مظاهرات شعبية ضد سياسته - أو بـ - عدم إعادة انتخابه بعد انتهاء حقبته المشروعة شعبيا.

 

تغيير الانحراف السياسي لا يتم عن طريق انقلاب عسكري انفجاري على قادة الوطن، بل عن طريق عمليات ديمقراطية لم يعتدْ عليها عسكريو موريتانيا، بعدْ، نظرا لحداثة التجربة غير الموروثة.

 

ردود الفعل فور عملية الانقلاب العسكري :

* في موريتانيا انقسمت القوى السياسية والشعبية لمعارضين تظاهروا بحشود كبيرة منددين بالانقلاب غير المتوقع، ولمؤيدين لقادة الانقلاب. والجميع ينادون بعودة حكم مؤسسات الدولة وتكريس الديمقراطية والدفاع عن الدستور والشرعية ؟ ! شُكّل "مجلس عسكري أعلى" وستؤلّف وزارة برئاسة الانقلابيّ العسكريّ محمد ولد عبد العزيز خلال شهرين، هدف الانقلاب المصرح عنه من قبل الانقلابيين : الحفاظ على الدستور والديمقراطية، فلم قاموا بانقلابهم ؟ الحياة الموريتانية اليومية لم تتأثر، فهي تسير بدون خلل اجتماعي.

* في الدول العربية، خاصة المجاورة : صمت حذر شبه غير مبال ؟ !

* جامعة الدول العربية أعربـت عن " قلقها " تجاه ما يحدث في موريتانيا ؟ !

* الاتحاد الإفريقي ندد بشدة بالانقلاب وأعلن عدم اعترافه بأي نظام ناتج عنه !

* الاتحاد الأوربي ندد بالانقلاب وهدد بقطع معوناته لموريتانيا.

* الأمم المتحدة أسفت لما حدث في موريتانيا ودعت إلى إعادة الحكم الدستوري والإفراج عن المعتقلين. حتى الولايات المتحدة الأمريكية قامت بتصريح تنديدي بالانقلاب، وتغيّر موقف فرنسا من تحذير ناصح خجول صادر عن وزارة الخارجية، إلى تنديد صارم من رئاسة الجمهورية.

 

من المبكر تصوّر ما سيحدث في موريتانيا، لكن بعض التساؤلات تفرض نفسها :

* لماذا لم يعلن الجنرال فال موقفه من هذا الانقلاب ؟ أهو من ورائه ؟ أم أنه سيبقى حياديا ؟

يأمل المواطن العربي بأن يكون موقف الجنرال فال هو الدفاع عن الديمقراطية التي بنا أعمدتها بفكره وعمله ونشاطه، وأن يُعبّر عن تركته بجرأة.

* أفهم العرب والموريتانيون أن خير من يدافع عن الديمقراطية هم من يمارسونها ؟

يأمل المواطن العربي أن لا يتخلى العالم الحر الديمقراطي عن تجربة نابعة من صميم شعب عربي، غير مصدرة ولا مستوردة، بالدفاع عنها عن طريق ضغط دبلوماسي سلمي على الانقلابيين، بدعوتهم بحسم وصرامة للعمل على عودة الأمور على ما كانت عليه قبل الانقلاب وتحرير المعتقلين، فـ [ لا اعتقال سياسي في بلد يزاول الديمقراطية ].

* ما سبب خجل الدفاع عن هذه الديمقراطية في كل الدول العربية ؟ إنه عدم خبرة حكامنا بالعمل الديمقراطي، فقيامه من موريتانيين لصالح شعب موريتانيا لا يعنيهم، فـ [ فاقد الشيء لا يعطيه، وجاهل الشيء يبتذله ].

 

جُرحت أول تجربة ديمقراطية حرة نبعت من بلدها لصالح شعبها في موريتانيا، ولا التئام لهذا الجرح إلاّ بعودة الأمور إلى نصابها بضغط سياسي دولي بعيد عن أيّ عنف، فعودة الديمقراطية لموريتانيا هي تثبيت لأسس وأعمدة ديمومتها.

أما [ قبول الأمر الواقع، بقبول الانقلابيين ] فسيعيد موريتانيا لزمن الانقلابات، وقد يكون آخر انقلاب، فتجارب الدول العربية بالانقلابات غنية، ويمكن التعبير عنها بـ [ انقلاب فـ... ثورة فـ... حركة ثم... استقرار أبدي، ببقاء القائد حتى تأتيه المنية ].

 

يأمل المواطن العربي الملتزم عدم وصول موريتانيا إلى آخر انقلاب يُدخلها في هذه المعادلة.


تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز