في الليلة الماضية طلب مني أن أساعد طالبا في تعبئة طلب الجامعة. وبدا لي ذلك الطلب كبيرا وتعبئته بحاجة لتحضير واجتهاد وعمل. بحاجة لمعرفة تخصص الطالب في الثانوية، وعلاماته وقدراته العلمية، ورغباته وأحلامه وطموحاته وأسرته، فنحن في الشرق غالبا ما تختلط تخصصاتنا برغباتنا ورغبات الأهل مع قدراتنا. فليس بالضرورة أن تعبر عن مصداقية وتعكس حقيقة، ففي ذهني طبيب أنهى دراسته محققا طموحات والده، ثم يعمل في الموسيقى الى أن حقق هجرة الى نيوزيلاندا فدرس "graphic design"منهيا حقبة رغبة الأهل، ومحلا مكانها تخصصا أقرب الى طموحاته، أو ربما مضيفا ضياعا الى ضياع!
سألت صاحب الطلب عن التخصص الذي يحب، فأجاب أنه لا يريد الا ادارة الأعمال أو الادارة العامة، وفي جامعة المدينة ذاتها. وأنه حتى لو لم يحقق رغبته فانه سيدرسها عن طريق التعليم الموازي( لمن لا يعرف هذا النوع من التعليم؛ انه الحق بالدراسة في تخصص ما، لا يحققه وجه العدالة في التنافس، فيحققه وجه المقدرة المالية، فتدفع تمنا أكبر لنفس الحاجة وتفوز بها الى أن تحين ساعة سعدك فتلاقي من يعينك باعادتك الى نظام التنافس بتخصصك الجديد الذي حلم به غيرك أيضا من غير الموسرين ولكن على رأيهم" اللي معوش ما بلزموش"، أو تكمل دراستك مستنزفا ثروتك في التخصص لأنك لم تحصل على المعدل المطلوب). لأنه أصلا سيدرس في البلد فصلا أو اثنين، حتى يتم قبوله في الولايات المتحدة الى جانب عمه، أو سيسافر الى كندا الى جانب أبناء خاله السبعة!
اذا، تعبئة الطلب ليست بحاجة الى شيء مما توهمت، فالعرض أكبر من الطلب. وتمت تعبئه أول اختيارين وبالكاد تمكنت من اقناعه بوضع اختيارين آخرين، وفي طلب الموازي وضعنا التخصص المطلوب بكل أنفة وكبرياء، فليس لأحد أن يرفض!
في محاولة مني للبحث عن الحقيقة" لعنها الله من عادة" عدت أسأل عن عمه في أمريكا، وعن أولاد خاله أو أخواله، السبعة وماذا يفعلون في كندا؟
وضع هؤلاء ليس غريبا علي فأنا أعرف صديقا فلسطينيا كان يعمل في السعودية فجمع كما كبيرا من المال، لم يعرف كيف يستثمره، الى أن نمت في رأسه فكرة الهجرة الى كندا، فكلف أحد المحامين المختصين بذلك، وبدأ بمعامالة لم ولن تنتهي، واستنفذت العمر والمال" رزق الهبل عالمجانين". ورافقها بارسال احدى بناته الى كندا لتسكن مع عائلة فلسطينية كانت معهم في السعودية، وتمكنوا من الهجرة. فتتم تعليمها الثانوي والجامعي من بعد، ولتكن نواة هجرته والأسرة الى هناك. وبالفعل أنهت تعليمها الثانوي ودخلت الجامعة، ثم التحقت بها أخت أخرى في الجامعة وتعرفت كل منهما الى شاب ودخلتا بيت الزوجية ولحق بهم الأخ ثم الوالدة ذهبت وعادت من أجل ابنتها الثالثة التي لم ترغب بطريق أخواتها، ومن أجل بيتهم في عمان، فبقيت رجل هنا وأخرى هناك. أما الوالد، فقد سافر الى ألمانيا بعد أن فشل في أكثر من مشروع تجاري في الاردن، لزيارة أخيه هناك، فبقي ولم يعد!
هذا الشاب صاحب الطلب، ينحدر من أسرة فلسطينية عريقة، هاجرت من قريتها في قضاء القدس عام 1948 تحت نيران وهمجية اليهود والمذابح التي ارتكبوها بحق الفلسطينيين ليقضوا عليهم أو يخرجوهم من بلادهم موجهين الأنظار بعيدا عن تلك المجازر بشراء الذمم والزعماء والاعلام الذي تم توجيهه صوب النازية وما فعلت بهم، مع أن حقيقة الأمر تتحدث أن ما فعله اليهود في أرض فلسطين أكثر وأشد مما فعلت النازية عبر فترة وجودها وحكمها كاملة!
جاء الجد ووالده واسرتهم الصغيرة الى عمان، المدينة الصغيرة حينها، كما كان يفعل أبناء فلسطين حينها، خاصة أبناء المناطق القريبة منها. واستوطنوا مكانا ما وبدأ الابن الأكبر( الجد حاليا) بجمع الخبيزة من حول الطرقات وبيعها للآخرين حتى جمع بعض المال فاستثمره في معمل صغير للطوب حول مدينة عمان، سرعان ما نمى وازدهر وأصبح مصانعا للبلاط والسيراميك والموزاييك والرخام، وأصبحت الأسرة في وضع مالي متميز، فأصبح الأبناء والأحفاد من هواة جمع السيارات الفارهة كما ونوعا!! الى جانب الأخوة الذين شقوا طريقهم في مجال التجارة والأعمال والتعلم، فهذا يمتلك الفنادق، وذلك أصبح طبيبا معروفا بشراء الأرض وتملكها وكأنه داخل لعبة monopoly حقيقية، وذلك مهتما بشؤون التجارة والأعمال، ومتخذا من الولايات المتحدة مكانا للاستقرار.
أما عن الأخوال فهم أيضا ينحدرون من أسرة فلسطينية عريقة. فالجد كان متعلما، وهاجر في العام1948 من مدينته في شمال فلسطين الى عمان وبدأ مشروعا تجاريا سرعان ما ازدهر وترعرع، فأصبح يمتلك المصانع المنتجة، وبقي متمسكا بالتعليم الذي لم يتخلى عنه. فأرسل أبناءه وبناته الى الجامعات في البلد الذي يستوطنه أو في الخارج. وهؤلاء الأبناء بدأوا بجمع ثرواتهم بطرق مختلفة. وأحد هؤلاء هو من بعث بأبنائه الى كندا. ربما وجد نفسه في التيه كما كان وضع صاحبي أبو الصبايا، وربما وجد أن هذا أفضل طريق للاستثمار، وربما أنه يبحث عن ملاذ أكثر أمنا لهم !!
ترى ما الذي نريد من جمع المال والثروات؟
ترى ما هي الاستراتيجية أو الخطة قريبة وبعيدة المدى لنا؟
ما الذي نريده لنا ولأبنائنا؟
هل من ارث حقيقي غير المال والدنيا؟
ان كان هناك، فما هو؟ وان لم يكن موجودا، فلماذا؟
الملاحظ هنا، أن الناس عندنا يتخبطون في حياتهم، بطريقة ما عرفوها من قبل ولا يعوها وعيا كاملا في الوقت الراهن أيضا. أحس أن الناس كانوا يعون ما يقومون به من أفعال، ولديهم خطة عامة قريبة المدى وربما خطة أو خططا أخرى بعيدة المدى، وهناك خيطا متصلا يربطها ببعضها البعض فتظهر على أنها هدفا واستراتيجية محكمة مبنية على الواقع ووفق قوانين وأسس مدروسة وليست عشوائية. ولكن طريق التنفيذ ربما قد مرت ببعض الطفرات فأصيبت بخلل ما أفقدها ترابطها ومتانتها، فحادت قليلا عن طريقها، حتى اذا ما زادت هذه الطفرات والهزات وتكالبت النوائب وزيادة التحول في الحياة الى الاتجاه المادي الصرف، جارفا اياها الى مناطق مجهولة جديدة، مضافا لكل ذلك ما أصاب الحياة في المجتمعات الحديثة لدينا من زيادة في التعلم والتغيير الذي أدى بدوره الى شيء من الاغتراب، خاصة عند الأجيال الجديدة، مما أفقدها الاتصال المباشر الحقيقي بسابقها من الأجيال، بل وأفقدها الثقة بها أحيالنا، خاصة مع تكالب الأمور على أفكار تلك الأجيال وطروحاتها البسيطة. فغالبية تلك الطروحات والأمور التي هي مدعاة للوقوف عندها كعناصر فاعلة في بناء المجتمع والفرد، هي أمور فكرية فلسفية دينية لأننا في غالبيتنا انحدرنا من أسر فقيرة في عطائها المادي للمجتمعات المحيطة بها، ولكنها غنية في عطائها الخلقي والروحي. وعندما تكالبت علينا كل النوائب وعلى رأسها التعريف الاعلامي للارهاب كما ورد الينا من أولي الأمر الجدد الذين باتوا يتحكمون بلقمة عيشنا وشربة الماء وربما بالهواء الذي نتنفس، فقد عرّفوا الارهابي بداية بأنه كل من كان في اسمه أحمد ومحمد وحسن وعلي وأسامة وعبد ال...الى آخر الأسماء العربية، فاختلط الأمر عليهم، لأنهم أدركوا أن كل أعوانهم وجواسيسهم في المنطقة يحملون هذه الأسماء، فغيروا التعريف الى أنه كل من لبس اللباس العربي، وهنا زاد اختلاط الأوراق فكثير من رجالاتهم هم من لابسي هذا اللباس وكثير من الارهابيين في نظرهم وحساباتهم، لا يلبسونه، فغيروا الى اتجاه ثالث موجهين الأنظار باتجاه التدين أو المظهر الديني، فاطلاق اللحى، أو الذهاب للمسجد، أو التحدث بهدوء في أمور دينية ودنيوية، كالوعاظ، كفيلة بتحول الأنظار والمراقبة. كل هذا حدا بالشباب الى فقدان البوصلة و أو عدم الايمان بالموروث الاخلاقي، فالأفضل لهم- بوجهة نظرهم- أن يبتعدوا عن كل وجع الرأس هذا وأن يلفتوا الأنظار الى أنفسهم على أنهم من نوعية أخرى وأنهم لا يأبهون بكل هذه الأمور، وأنهم ليسوا الا أناسا من عشاق الحياة، فلا يعنهم الدين والموروث الأخلاقيmorals في شيء، وكأنهم يريدون القول أن لا فرق بيننا وبين الشباب الغربي، وقد نسوا تماما
أن الشاب الغربي تربى بطريقة مختلفة وعاش حياة ومفاهيم أخرى غير التي عشنا. ففي حياته الجامعية كان معطاء لمجتمع أكرمه بكل العطاء الذي في الدنيا. فالدراسات والأبحاث في الجامعات والمجتمعات المرتبطة بها هي رأس وعنوان ولب وجوهر الحياة الجامعية، فكل طالب يستطيع أن يلاقي من يدعمه الدعم الكامل للقيام بدراسة أو بحث أو اجراء تجربة، ان لم يكن من الجامعة ذاتها فهناك الشركات والمصانع ودور البحث والنشر، ولا أنسى وزيرا للتعليم العالي في دولة ألمانيا الديموقراطية- قبل عودة الاتحاد- على فقرها وحاجتها في حينه، حين أعلن من التلفزيون السوري أن موازنة البحث العلمي لديه 7 مليار دولار وكان يتحدث بتواضع وخجل من الرقم، وأنه يوجه دعوة للشباب العربي أن يتفضل بتقديم أوراقه للدراسات العليا واجراء البحوث والدراسات العلمية اللازمة، فهو مرحب به كطلبة المانيا الاشتراكية في حينه. بينما الجامعات العربية كانت تستقطب الكثيرين من حملة الشهادات المزورة، وتبخل على الطالب عمل دراسة مكلفة لعدم توفر المال الكافي، بل ولعدم جدوى البحوث وفق معايير الكثير من هذه الجامعات. بل ان بعضها يتخبط في وضع خططه الدراسية حتى أن بعضها يبدو غير مجدي ولا قيمة له. كيف الأمر اذا عرفنا أن بعض الأساتذة في بعض الجامعات يدرسون ثلاث مواد مختلفة في حقل من حقول المعرفة، ويستخدمون نفس المادة العلمية في المواضيع الثلاثة، باستثناء الصفحة الأولى التي تحمل اسما جديدا حسب المادة المعنية. وكيف الأمر في جامعة من كبريات الجامعات وعندما كنت أدرس فيها لشهادة الماجستير كلفتني بدراسة مادة كنت قد درستها ذاتها وبنفس المسمى كمتطلب من متطلبات البكلوريوس وحاصل على تقدير ممتاز بها والأبلى أن مدرسها هو ذاته وهو عميد الدراسات العليا في الجامعة نفسها!! ولم تشفع لي كل توسلاتي واحتجاجي ومحاولة افهامهم، ولم يهدأ لهم بال حتى دفعت رسومها وكان أضعافا مضاعفة لما كانوا يأخذونه في الدرجة الجامعية الأولى. وعلينا أن لا ننسى أن الكثير من الاختراعات والتطوير في الآلات والمخترعات ما هو الا نتيجة من نتاج طلبة الجامعات هناك، وهنا ومع الاعتذار للكثيرين يتخرجون وما عرفوا مكان المكتبة، ولم يطوروا في معارفهم الا ما اكتسبوه من الحياة الجامعية ذاتها في أربع أو خمس سنوات، الا في بعض كليات الطب والهندسة ولبعض الطلاب فقط.
كل هذا أوقع في نفوس الأبناء شيء من الاغتراب كما قلنا وجعلهم يتخبطون في رسم استراتيجياتهم وتحديد أهدافهم، وجعلهم يرفضون الموروث الأخلاقي من مجتمع الأباء والأجداد. فأصبحوا من غير أن يدركوا غير مهتمين بالكثير من المثل والقيم وغير مكترثين حتى بذكرها. فيقنعون أنفسهم أن الانسان بما يملك من مال، فان كنت أحصل على راتب يكفني شر العوز والحاجة فهذا ممتاز فلست بحاجة لشيء آخر حتى لو كان هذا الآخر هو مساعدة فقير أو محتاج أو تقديم يد العون لقريب أو صديق، أولى به أن يحاول الحصول على عمل أي عمل من أجل سد أوده. ما حلمت به الدول والحكومات عندنا من الغاء او ايقاف تربية العيب، أوقعنا بما هو أشد فتكا وأثقل من العيب ذاته، فلم يعد لدينا واعز من ضمير أمام صيحات الآخرين واحتياجاتهم، أو أمام مناظر البؤس التي نرى، اذ تجدهم يقولون ربما كان ذلك مجرد تمثيل وليس واقعا وحقيقة، كما كان يحصل مع الآباء والأجداد مع أرتال الغجر والمتسولين الذين كانوا يمتهنون هذه المهنة، وليست حاجتهم حقيقية كما تبدو لي الصورة الآن والتي لا تقنع هذا الجيل في كثير من الأحيان. وكان مرادفا لكل هذا، ضياع الكثير من المفاهيم كالنضال والثورة ومحاربة الفساد والمحتل والوطن والعودة والعزة والحياة والكرامة، وما يرافقها عادة من أحلام الآباء والأجداد وذكرياتهم عن الوطن والقرية والمدينة والمدرسة والحقل والبيت ونسمة الهواء وطعم الماء، حتى الاعلام الوطني العربي هزء بالفلسطيني الذي كان كان يتغزل ببرتقال يافا ويعتبره غير كل برتقال العالم، كأن يقدم له برتقال يافا فلا يعرفه لأنه في حقيقة هذا الاعلام لا يختلف عن غيره في شيء، ومن يتحدثون عن أيام زمان في فلسطين يوم كان هناك طعم للبندورة والخيار لا يجدوه في خضار هذه الأيام، فاتخذت الأجيال التالية كل هذا الكلام للهزء بالفكرة ومن باب التندر بها وفي جلسات اضحاك الآخرين وما درينا أن ذلك كان يحطم معه الكثير من القيم والرموز ، ويفقد الكثير من الأشياء والكلمات والمفاهيم معانيها وقيمتها وعلى رأس كل ذلك معنى الوطن.
من هنا يرد الى ذهني تساؤلات كثيرة وعديدة حول أمور تتعلق بتصرفاتنا حيال الوطن والابناء والمستقبل والمال ومعنى كل منها. ترى مالذي تعنيه كل منها؟
لو عدنا لزمن الآباء والأجداد وحاولنا معرفة هذه المعاني لرأينا أن الوطن كان يعني لهم فلسطين عموما والبلدة التي يقطنون بها أو هاجروا منها. وعند الهجرة، خاصة الغالبية العظمى منهم الذين شرّدوا منها قصرا أو بالتخويف والترهيب، بقي تعريف الوطن هو ذاته، وكل حلمهم لم يتجاوز حد العودة اليه آجلا أو عاجلا. وكانوا يخلّفون الأبناء عزوة لهم وللوطن على حد سواء، بل ربما للوطن أكثر مما هم لهم أنفسهم. ولا يفوتني هنا الأم الفلسطينية التي قابلتهاعام 2000 في مخيم قلنديا في حفل تأبين ولدها الشهيد الثاني، وكانت تحمل بين يديها طفل في لفاعة صغيرة عمره أياما فقط، وقد كانت تعتز به على أن اسمه الأول هو نفس اسم ابنها الشهيد الأول في الانتفاضة الأولى، وهو ابن ولدها الشهيد الثاني فكان اسمه الثاني هو اسم الشهيد الثاني..وسالت على خدي دمعة فخر واكبار لهذه الأم التي لم أستطع مداراة دمعتي أمامها، فما كان منها الا أن فاجأتني وباستهجان "ليش يما بتبكي..أنا لسا عندي ست أولاد وكلهم فدوى للوطن.. ولما يستشهدوا برجع أحبل وبخلف من جديد". والمستقبل لهؤلاء هو العودة لفلسطين حتى لو كانت تلك العودة تعني المبيت بالعراء، تحت شجرة التين أو اللوز أو الزيتون، وحتى لو كان الطعام خبز وزيتون وبصل. والمال يعني لهم معونة الأسرة على سد متطلبات الحياة وتجاوز قسوتها، فهو للدواء والطعام والمدرسة والجامعة، على أبعد الحدود. فليس من حلم أحلى ولا أجمل من توفر المال الكافي لتربية الأبناء وتكبيرهم ليكونوا شهداء في سبيله أو على ثراه في المستقبل من أجل العودة الى الوطن بعد دحر الغزاة والمحتلين و"بوم الشوم".
ولكن ما معنى هذه المفردات لجيل الأبناء؟
هل تحمل نفس المعنى؟ اني لأرجو ذلك وأصلي لله وأرفع يداي ضارعا اليه أن تحمل نفس المعنى، أو على الأقل معنى قريب.
وقمة اليأس عندما أرى أمثلة ونماذج لهؤلاء فيما قدمت لمقالتي هذه من سطور.
بالنسبة لذلك الصديق الذي وجد رزقه في السفر الى السعودية وجني المال حتى أصبح لديه أكثر من حاجته بكثير، فحاول الهجرة الى كندا. وعندما لم يستطع عاد الى الأردن ليستثمر ماله في مشاريع تجارية بعد أن أوكل قضية هجرته الى محام مختص، وأرسل ابنته الى كندا برفقة أسرة فلسطينية أكثر منه حظا، وأتمت تعليمها وأحضرت أختها وتزوجتا وبقيتا هناك بالاضافة الى الأخ الذي يصغرهما، والذي ما زال يدرس بينما الأم تترد بين عمان حيث تقيم ابنتها الكبرى وبين كندا..والأب اختصر الطريق وانتظار الهجرة، فقرر زيارة أخيه في ألمانيا، فبقي في معيته وبرفقته. فالمال لم يحمل أي معنى ذو شأن، فها هو يضيعه على قضية الهجرة والانتظار الذي بات هو نفسه يعلم أن لا طائل منه، بدلالة قطع الحبل الرابط بينه وبين الهجرة والأسرة والحياة عامة بهجرته بعيدا عن الجميع الى ألمانيا.
وفي كل أحاديثنا التي كانت تجري كان يتجنب الحديث عن الوطن، بل ان الوطن كان عنده في الغالب مختلطا ما بين الأردن وفلسطين وكندا وألمانيا وربما حتى جزر الواق واق!!!
والمستقبل كان غامضا أيضا فها هو يمر من أمامه كل يوم دون أن يدرك أنه هو هو، ما يبحث عنه الجميع ويحاولون تدجينه وترويضه بما يتفق وما يجول في خاطرهم من خطط وأفكار. انه يمر مرور حبات الرمل بين الأصابع في كمشة من الرمل، دون أن يصنع شيئا، هو أو أفراد أسرته الذين ما عادوا متعاضدين في شيء!
اما الأبناء؛ ورغم أنه رزق بثلاث فتيات، كاملات الصحة والعافية والعقل، أتممن أو على وشك انهاء تعليمهن الجامعي في مجال الاعلام والادارة والكمبيوتر، وولد يدرس الهندسة، ولكن كل ذلك لا يحمل أي معنى خاص له أو للوطن، فلا يربطهم رابط بأي شيء.
والأبناء السبعة الذين وصفتهم بأبناء الخال أو الأخوال، هم أحفاد رجل وطني متعلم، الا أنه ربما فقد البوصلة في ايصال ما لديه من مفاهيم الوطن لأبنائه، وربما أنه فعل الا أن أبناءه من بعد قد فقدوا البوصلة. أو ربما أغرته الدنيا بمالها وعزها ففقد الاتصال بأغلى ما لديه من مفاهيم ومفردات ربما خوفا على الأبناء من الغول والمتغولين، فآثر أن يعنى ببقائهم، على بقاء الفكر والوطن والقيم وكل مكتنزاته من الأخلاقيات والمجردات. وما دري أنهم بذلك أصبحوا مفرغين من الداخل، بل ربما أصبحوا كالحمار المحمل ذهبا تقف الناس له ولكنهم يدركون أنه حمار. اننا من غير الوطن لسنا شيئا. قد نصبح أغنياء وملاك وأصحاب أطيان وجاه، ولكننا في لحظة نعي أننا بلا هوية، أننا لا شيء، خاصة وأن هذا الغول والمتغولين يبحثون جادين عن تغيير في القوانين يتيح لهم اعادتك من حيث أتيت، اعادتك الى ما كنت عليه عندما كنت تحسب نفسك أنك لا شيء. ان كان هذا في بلاد التقدم والحداثة فكيف هو في بلاد الأشقاء والحالمين والجيران والأخوة!
من هنا نبدأ!
انها دعوة البحث عن الحقيقة. ماذا نفعل من أجل العودة الى خط البداية؟ ماذا نفعل من أجل الوطن؟ كيف نحفظ خط العودة للوطن دون مهادنة ومساومة وبلا مواربة؟ كيف نصحح مفهوم الأبناء ولا نتركه على عاهله، وكأنهم نتيجة نزوة لحظية. ليس من طفل في الدنيا ترجى والديه أن يكون. وأطفالنا ليسوا كالآخرين، فقد ولدوا متميزين بأنهم أصحاب قضية، تميزا سلبيا وايجابيا في ذات اللحظة. فكيف نضيع عليهم لحظات التميز تلك. وكيف لنا أن نميزهم على غيرهم من أبناء فلسطين الذين قضوا في معاركهم مع العدو المباشر أوغير المباشر. أولئك الذي نذروا أنفسهم من أجل القضية وقدموا أجسادهم جسورا على درب الوطن لتمروا عليها الى هناك وليس الى الجهة المقابلة!
ماذا نفعل بالمال الذي جمعنا وحصدنا وهو مال حلال لكم، على ألا يستخدم ضد فلسطين كما نفعل في مأكلنا ومشربنا وحياتنا كل يوم. لا تدعوا الأمور والنواهي والكبائر الوطنية تهون أمامكم! ما وجدت دولة العصابات هذه الا بعد تخطيط وتفكير بكل شيء، ولمدة ممتدة من ولادتها كفكرة لأناس ليسوا أفضل منكم في شيء، الا ربما صدق الايمان بما يخططون واستعدادهم للموت في سبيله، ويعيبون عليكم القتال في سبيل الله والوطن ولستم الا مسترجعين لحقكم، وقد كانوا هم المغتصبين! خططوا لذلك وما زالوا يعملون على تحقيق قيام الدولة العبرية على وطنكم وعلى دول الجوار، رغم كل ترهات السلام التي تسمعون وكل الرسائل التي ما زالت تفقدكم موروثكم الأخلاقي الذي كنتم به تنعمون وبه تخيفونهم حد الموت، الا أن قيادتهم السياسية كانت تنتظر فناء الجيل الذي ولد منا في فلسطين وغادرها، وفناء جيلهم الذي ولد خارج فلسطين وانتقل اليها...فيكون جيل من هؤلاء لا يعرف فلسطين وجيل من أولئك لا يعرف غيرها..وخوفي أن ذلك اليوم بات قريبا، ما لم نعرف أن المستقبل لنا، وأن أبناءنا هم أبناء فلسطين وأهلها الشرعيين ، وليس ما لدينا من مال بديل لها بل وسيلة ايصالنا اليها. ما لم نعرف من أين ندخل في الوطن وكيف نعود اليه.