Hyde Park Writer since:
13 February 2007


See more from this author...
عجائب وأسرار اللغة العربية ( 3 )

 

يبدو أن بعض الإخوة ممن يكرهون العربية والعروبة لأسبابهم الخاصة وممن ساءهم هذا الغنى الذي تتمتع به اللغة العربية سيجبرونني على الخروج قليلاً عن سياق بحثي ، من خلال دفعهم لي نحو إثبات عالمية اللغة العربية ورسالتها الإنسانية ، وسوف أفعل إن شاء الله في حدود لا تخرجني عن سياق البحث في تأثير الحروف المعجز .

   سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من هو العربي ؟ فأجاب عليه السلام : العربي من تحدث العربية . وهذا يعني أن العروبة ليست عنصرية تجمع أناساً ذوي أصول نسبية واحدة بل هي تفتح صدرها لتضم من أتقنها غير عابئة بأصله ومنشئه ، وهي في ذلك مثل الإسلام الذي يتسع للناس جميعاً على اختلاف أصولهم ومنابعهم ، وهذه هي روعة الإنسانية في الإسلام وفي العروبة ، ولو قارنا ذلك ببعض الأديان الأخرى واللغات الأخرى لوجدنا أن اليهودي مثلاً هو من ولدته أم يهودية ، ولذلك يستحيل على أي إنسان غير يهودي أن يتهوّد ، أما الإسلام والعروبة فإنهما منفتحان على الناس جميعاً ومرحّبان بدخول الجميع ، فأعظم الناس إسلاماً وأكرمهم عند الله هو أتقاهم ، وأعظم الناس عروبة هو أكثرهم إتقاناً للغة العربية . وفي ذلك يقول رسول الله صلى عليه وآله وسلم : أنا أعربكم ، ولدتُ في بني هاشم ، واسترضعتُ في بني سعد . يشير بذلك عليه السلام الى أنه اكتسب البلاغة من كونه ولد في بني هاشم واكتسب الفصاحة من كونه استرضع في بني سعد ، فأصبح أعرب العرب .

   ومن خصوصيات اللغة العربية أنك قد تجد للكلمة الواحدة معاني شتى واشتقاقات يصعب حصرها ( سآتي على مثالين منها ) ، ولكنك لا تجد فيها كلمتين اثنتين مختلفتين تحملان نفس المعنى أبداً ، فرغم أن ( الحية ) مثلاً هي ( الثعبان ) كما قد يتراءى للسامع ، ولكن انظر الفرق بينهما كما عبر عنه القرآن الكريم في تحويل عصا موسى مرة الى حيّة ومرة أخرى الى ثعبان . فنجد في سورة طه قوله عز وجل : 

 فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى

  بينما نجدها في الأعراف 107 والشعراء 32 هكذا :

فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ

فإذا علمت أن الأولى قد تحولت الى حية أثناء تكليم الله تعالى لموسى على الجبل قبيل بعثته فلم ير تحوّلها الى حية تسعى أحدٌ آخر من الناس غير موسى ، ولكن في الثانية تحولت الى ثعبان مبين أمام أعين فرعون والسحرة والناس المجتمعين ، فإذا علمت ذلك علمتَ الفرق بين الحية والثعبان ، فالحية اسم جنس أراد الله من خلالها أن يعلم موسى بنوع معجزته ولم يرد أن يخيفه بها ، ولكن في الثانية جعلها ثعباناً مبيناً أي نوعا مخصصاً من جنس الأفاعي ضخم الحجم ليخيف به من يراه .

  وإن جاز عند بعضهم وجود المترادفات في اللغة فإن استخدام القرآن الكريم للعربية أثبت أن لا مترادفات في اللغة أبداً . فلا يمكن بحال من الأحوال استبدال كلمة مكان كلمة أخرى دون الإخلال بالمعنى الدقيق المقصود .  والأمثلة على ذلك لا تكاد تحصى . بل إن الدقة العظيمة في استخدام الضمائر لا يمكن أن تأتي على هذه الصورة إلا من بلاغة تفوق بلاغة البشر ، انظر الى هاتين الآيتين لترى كيف استخدمتا ضمير النصب بالتبادل ثم انظر السبب في ذلك وتعجب :

وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ... الأنعام 151

 

وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ .... الإسراء 31

 

الآية الأولى في الأنعام تخاطب آباءً فقراء وتنهاهم عن قتل أولادهم لسبب الفقر ( من إملاق ) ، ولذلك قالت لهم ( نرزقكم وإياهم ) .

والآية الثانية في الإسراء  تخاطب آباءً أغنياء وتنهاهم عن قتل أولادهم خوفاً من الفقر المتوقع ( خشية إملاق ) ولذلك قالت لهم ( نرزقهم وإياكم ) .

  وهاكم مثالين آخرين عن اشتقاق المعاني المختلفة من مادة أصيلة واحدة ، الأول من الفعل الماضي عَدَنَ ومعناه أقام في المكان إقامة طويلة أو خالدة لنجد أن :

العَدْنُ : مصدر الفعل مثل الضرْب والأكـْل ، ومنها اشتقت صفة الجنة بأنها جنة عدْن ، أو مكان الإقامة الدائمة والخالدة .

عدَن : مدينة في اليمن آهلة بالمقيمين فيها منذ دهور طويلة .

المعادن : عناصر موجودة في الأرض منذ حقب طويلة .

عدنان : اسم جَدٍّ للعرب يدلّ اسمه على إقامته الدائمة وأحفاده  في أرضه منذ دهور طويلة .

والمثال الثاني ما نجده في مادة جَنَنَ ( جَنَّ ) والتي يدل معناها على شيء مختفٍ عن الأبصار مثل :

جنَّ الليلُ : أسدل ظلامه على الأشياء وحجب رؤيتها .

الجـِنّ : مخلوقات محجوبة عن أعين الناس .

الجَنّة : وتصغيرها جنينة ، وهي مكان ذو أشجار كثيفة الأغصان والأوراق تحجب من يدخلها عن الأنظار .

الجنين : هو الصغير الذي في بطن أمه ومحجوب عن الأبصار .

المِجَنّ : الترس يحتجب به المقاتل ويحتمي به من ضربات خصمه .

الجَنَن : القبر ، لأنه يحجب الميت داخله .

الجَنان : القلب ، لأنه محتجب داخل الصدر .

الجنون : احتجاب العقل .

الجُنّة : الوقاية والاحتجاب عمّا يضرّ ، وفي الحديث الشريف : الصومُ جُنّة .

 

انظر الى هذه الاشتقاقات الكثيرة ذوات الأصل الواحد ، ثم حاول ترجمة معانيها الى أية لغة أخرى لتجد أن كل كلمة منها ستأخذ حروفاً مختلفة وتسمية خاصة لا علاقة لها بالأخرى . ولتكتشف أن الاشتقاق بمعناه الواسع يكاد يكون حكراً على العربية دون غيرها من اللغات .

ونستأنف بعد هذا الاستطراد ما كنا فيه من شرح معاني الحروف ، حيث انتهينا في المقالة السابقة عند الحرفين ( ب ) و ( د ) ، وسنذكر هنا الحرفين ( ب ) و ( ذ ) :

  عندما يبدأ الفعل الماضي الثلاثي بحرف الباء متلواً بحرف الذال ، فإن أغلب المعاني التي يكملها أي حرف ثالث بعدهما يدل على الكثرة والسعة وكبر الحجم والعلو :

 

بذح : يقال تبذح السحابُ أي أمطر ( وفيها معنى الكثرة والسعة ) .

بذخ : يقال بذُخ وتبذخ الرجلُ أي ارتفع وتكبّر وعظم شأنه فهو باذخ وبذيخ ، ويقال : شرف باذخ أي عالٍ ، وجبال بواذخ أي شامخة ( علو ) . والبذّاخ هو المتكبّر .

بذر : يقال بذرَ الحَبَّ أي زرعه في الأرض ، والبذرُ هو ما يزرع في الأرض وهو كذلك النسل ( وفي المعنيين كثرة وتكاثر ) . والتبذير هو الإسراف في الإنفاق ( كثرة وسعة ) . ويقال أيضاً ( ذهبوا شَذرَ بَذرَ) أي تفرقوا في كل جهة ( سعة ) . ويقال : بذرَ العِلمَ أي نشره ( سعة ) . والتِبْذارُ هو كثير الكلام ، والبَذيرُ هو النمام ، وفيهما ( كثرة ) .

بذل : البذلُ هو العطاء والكرم ( كثرة وسعة ) .

بذم : البذمُ هو الحزم وقوة التحمّل وجودة الرأي والمروءة ( كثرة وعلوّ همة) .

 

وأتقدم بخالص الشكر والامتنان الى الإخوة الكرام الذين يتفاعلون مع ما أكتب ويشجعونني على المضي قدماً في كتابة المزيد .

وما دام الإخوة القراء الكرام يرونه شيقاً فللحديث بقية إن شاء الله تعالى .

 


تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز