د. محمد فؤاد منصور
m_mansour47@hotmail.com
Blog Contributor since:
01 September 2010

كاتب عربي من مصر
مقيم حاليا في الولايات المتحدة

 More articles 


Arab Times Blogs
المقابلة ( قصة قصيرة )


 

القاعة ممتلئة عن آخرها ، تفرس في الوجوه التي تبدو عليها الحيرة والقلق ، كلهم ينتظرون دورهم في مقابلة المسؤول طمعاً في الوظيفة ذات المكانة المرموقة والدخل المرتفع .. 

وحده جلس مسترخياً مطمئناً .. 

وحده الذي لايشعر بالقلق والاضطراب الذي شملهم جميعاً .. 

وحده الذي يمتلك البطاقة السحرية ..

اجتاحته نوبة من التعاطف والأسى تجاههم فبعد قليل سيعودون من حيث جاءوا .. وستكون الوظيفة من نصيبه فهو الوحيد الذي يحمل في جيبه بطاقة توصية من  صديق أبيه وزميل الدراسة لصاحب الأمر والنهي في هذا المكان المميز  .. 

أعاد تأمل الوجوه القلقة من جديد، هذه المرة بشئ من الارتياح والتشفي ، أنامله تجوس في جيب سترته ، تتحسس نعومة البطاقة التي تحمل المفتاح السري الذي سينقله من دنيا البطالة إلى عالم العاملين ذوي الدخل الثابت.

العبوس يكسو الوجوه ، علامة جيدة على كل حال ، لاأحد فيهم مطمئن لشئ .. 

لكن ... مهلاً

ثمة شاب في زاوية القاعة تشي ملامحه بالرضا ، يبتسم للفراغ أمامه ويفوح عطره في المكان .. 

اجتاحته مشاعر متباينة ، كيف لم يفطن لوجوده من قبل ؟ 

وماسر هذه الابتسامة اللزجة الملتصقة بشفتيه والتي توحي بثقة بالغة .

ملابسه تشي باليسار وعطره المميز الهادئ لابد أنه غالي الثمن ، الأناقة البادية أزعجته  فهي  لابد سترفع أسهمه عند المقابلة . 

راح يقارن بين ذلك المبتسم الأنيق وبقية الجالسين بالقاعة ، وجوه قلقة وملابس متواضعة وياقات كالحة .. 

تحسس  جيبه من جديد وراح يعتصر ذاكرته ليعيد الكلمات التي طمأنه بها صديق أبيه وصاحب البطاقة .. 

عملنا معاً في بداية حياتنا وسيتذكرني حتماً  بمجرد أن يقرأ البطاقة ..

بدأت فئران القلق تتقافز في صدره ، هذه العبارة التي لم يتوقف عندها من قبل أزعجته .

في بداية حياتنا ؟!! سيتذكرني ؟! 

ألايعني هذا أنهما لم يلتقيا منذ زمن بعيد ؟! وأنه قد لايتذكره ؟ .. كيف لم يفطن لهذا الاحتمال من قبل ؟

حاول طرد مخاوفه بإدارة الحوار المتوقع في خياله ، لابد أن يثق في استحقاقه للمنصب ومايحمله من مؤهلات ترشحه له ثم يأتي بعد ذلك دور البطاقة .. أحكم قبضته على المظروف الذي استكان فوق ركبتيه  والذي يحوي كل أوراقه وأعاد النظر ناحية الشاب الأنيق .. كيف لم ينتبه لوجوده منذ الوهلة الأولى ولماذا يجلس في زاوية القاعة قريباً من الممر الذي ينتهي بغرفة المقابلة ؟! 

هل انتوى أن يسبق الجميع ؟! 

الابتسامة مازالت عالقة بشفتيه ، وبصره موجه ناحية الممر الطويل .

فجأة لمحه يتأهب للنهوض  دون مناسبة  كأنما تلقى إشارة ما ، قام بدوره واتجه ناحية الممر ، تظاهر بالبحث عن دورة مياه في اللحظة التي غاب فيها الشاب داخل الممر ، طرقت سمعه تحية حارة من شخص خرج لتوه من غرفة المقابلة ، لم يفطنا لوجوده وقد التصق بركن بعيد داخل الممر يتصافحان . 

- كيف حال بابا . وكيف هي ماما . أمس تحدثت معهما تليفونياً .. اطمئن ، سيكون كل شئ على مايرام .. 

مد يده في جيبه من جديد ، لا ليتحسس بطاقة التوصية  الناعمة هذه المرة ، وإنما ليفركها بين أصابعه . 

 د. محمد فؤاد منصور

 

 

 

 

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز