زهير الخطيب
freemanlz151@yahoo.com
Blog Contributor since:
08 May 2016



Arab Times Blogs
السلام المسلح


- "هل تمتلك سلاحاً يا صدقي زهير ؟" كسر صديقي دونالد سمث صمت طريقنا الطويل بهذا السؤال المباغت.

- "سلاحُ ههه، وما حاجتي للسلاح" قُلت ضاحكاً.

- "نعم سلاح، نصف المجتمع الامريكي مسلح وينبغي عليك حماية نفسك واسرتك"

- صدقني يا دونالد ما ان يدخل السلاح باب بيتي الامامي يخرج الامان من الباب الخلفي" ثم اردفت متسائلاً "اخبرني انت كم قطعة سلاح في منزلك"

- "اربع قطع متنوعة"

- "هل رأيت؟ في بيتك اربع قطع من السلاح ولا تشعر بالامان واشعر بالامان في بيتٍ يخلو حتى من بخاخ الكابسيسين، لم يخلق الله في اصابعنا مخالب قتالية ولا انياب فتاكة ولا في افواهنا غُدَد سُمية وإنما اجاد تسليحنا بسلاح التواصل اللغوي والتضامن الانساني، لماذا نُصر على تحويل حياتنا الراشدة الى ثكنة عسكرية؟"

- امال دونالد رأسه الى كتفه باحثاً عن عُذرٍ منطقي قائلاً "العالم سيء يا اخي زهير ولابد من الاحتراس" 

- اشعلت سيجارة وفتحت نافذة الشاحنة قليلا مُتأملا ظلام الليل الذي بدأ بلملمة نجماته مُتنحياً عن عرش السماء يُزحزحه شفق النهار واخذت نفساً حسيراً قائلاً:

- " الا ترى يا صديقي ان الاحتراس قد تحول في احيان كثيرة الى استباق، برأيك، لمَ تنتشر مشاة البحرية الامريكية والمارينز عند كل مضيق وخليج وارخبيل في العالم ؟ هل هو دفاع عن النفس في بلد تفصل المحيطات بينه وبين مخاطر العالم كُله؟ "

- "العالم مليء بالدول والجماعات الارهابية وعلى حكومة الولايات المتحدة مكافحة الارهاب والتطرف قبل ان يصل الينا" رد دونالد على سؤالي بلهجة واثقة.

- صَمَتُ قليلا صمت حائرٍ لا يدري كيف يشرح النظرية النسبية لزميل مهنة لا تكترث بالماورائيات، لكن نسمات الصباح الباردة في ذلك الطريق المُلتوي بين غابات اشجار السرو نشطت ذاكرتي قليلاً فتذكرت حواراً سابقاً دار بيني وبينه فقُلت مُتسائلاً:

- "هل ينبغي علي ان اذكرك يا اخي دونالد بانتقادك  لهتلر ومبرراته لإحتلال پولندا والتسبب بقتل ستة ملايين پولندي ؟ الم يكن هجومه على پولندا استباقياً بذريعة مخاوف المانيا العظمى من اعتداء پولندي مزعوم؟

- واتبعت مُسترسلاً:

- "الا تشعر ان تبريرك لمخاوف الولايات المتحدة من دولٍ لا تعرف انت موقعها على الخارطة خلف المحيط هو نفس تبرير هتلر؟ لماذا نتبنى تبرير هتلر حتى في علاقاتنا مع جيراننا وابناء حيّنا ومدينتنا اذن، لمَ نملأ اقبية منازلنا بمشاجب السلاح تحسُباً لاعتداء نحن نُعززه ؟"

- هز دونالد رأسه عدة مرات اثناء حديثي مُبدياً توافقه مع ما يسمع ثم إرتشف رشفة من قهوته وبادر بالقول مُتريثاً:

- "نعم، اتفق معك ان ثمة غموض وريبة يكتنفان سياسة الحكومة الامريكية الخارجية، اعلم ان قواتنا تقوم احياناً ببعض الامور السيئة في الخارج لكن الاعلام الامريكي لا ينقل لنا حقيقة ما يجري وحكوماتنا تتحدث دائما عن نشر الديمقراطية والسلام في العالم"

- "هههه السلام!" تناغمت ضحكتي مع اهتزازات الطريق لترسم لوحة ساخرة.

- "لا الوم اعلامكم ولا حكومتكم يا صديقي العزيز فلا ابلغ من المومس حين تتكلم عن الشرف وجُل المجتمع الامريكي يتلقف مايجود به الاعلام الرسمي عليه، كُل اللائمة تقع على اشباه المثقفين من المغتربين الذين تسببت حكومتكم بتدمير بلدانهم وتهجير شعوبهم".
........

لم يبرز مُناضل عربي مُغترب يحترم نفسه يفقأ عين الكذب والزيف كي يصل صوته الى مسامع صديقي الامريكي الطيب دونالد سميث و امثاله.

السلام اكذوبة اصبحنا نرددها بصدق نيابة عن الكاذب كي نبدو لائقين وما على الكاذب الا ان يراقب من مكتبه الفاخر تصديقنا واجترارنا لكذبته.

لم نكُ انا وصديقي دونالد بحاحة لداعية سلام مطرب او ممثل او لمندوب منظمة اممية عربي او امريكي كي يعلمنا التعايش بسلام وكيف يؤثِر احدنا الاخر على نفسه في مواقف عديدة.

انا المهاجر المسلم العربي الذي يُخشى مني التطرف الديني وهو الامريكي المناصر لترامب الذي يُخشى منه تطرفاً عنصرياً ضد المهاجرين.

ولم انتظر مبادرات التطبيع والتركيع العربية مع الكيان الصهيوني في تبادل التحايا ومد يد العون لجاري اليهودي ولم يمنعني اجرام الاُسر الاميرية الخليجية من مودة صديق ابني السعودي الطيب ياسر وضمه كفرد مُكرم في اسرتي.

لا يحتاج الناس لسماع دعوات حاملي جوائز نوبل للسلام الناعمة لفهم التعايش السلمي بقدر حاجة الحكومات والاعلام ومُصَنعي السلاح ومُستورديه للانصات اليهم.

ليس بالصدفة ان تعج الارض بالحروب والمشاحنات و الشكوك مادامت اكثر الدول اقتناءاً للقنابل الذرية ترفع راية السلام وليس مُستغرباً ان يُطبل لها كُل مُرتَزق عديم الاحترام والالتزام فمن خُلِق ليزحف لن يستطيع الطيران.

ناشطون مُغتربون او لا ادري ما اسميهم فهم عديموا اللون والمعنى، ربما وصوليون، يهرقون ماء وجوههم كي يحظوا بفرصة الظهور على شاشات فضائيات عالمية لطالما تسببت باثارة الكراهية واشعال الفتن بين الشعوب كي يحدثوننا عن السلام، سلامّ لا يحيد عن سياسة صناع الحروب قيد انملة.

لايترددون للحظة عن وصف شعوبهم بكل ما في قاموس الشتائم من بذاءة ليُثبتوا لإدارة القناة او للرأي العام انهم دُعاة سلام على الطراز الامريكي.

نعم يا صديقي العزيز دونالد مثل ما تفضل به:

"العالم سيء" سيء بفضل رُعاة السلام المُسلح و عبيدهم ولن تنفعنا الاسلحة الاوتوماتيكية في حماية الانسان الاحمق فينا ان تمكنوا من استغفالنا وانتزاع وعينا.

زهير مهدي
٨/٢/٢٠٢١






تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز