عطية زاهدة
attiyah_zahdeh@hotmail.com
Blog Contributor since:
04 October 2013

كاتب من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
مساواة القرآن والنبيِّ العدنان بين حظوظ الذكران وحظوظ النسوان

حسماً وقطعاً وجزماً، فإن جملةَ "للذكرِ مثلُ حظّ الأنثييْنِ" تعني أن حظّ الأنثى مثلُ حظ الذكرِ يقيناً لا ريْب فيه.

فقد جاء في كتابِ اللهِ العزيزِ الجبّارِ سبحانهُ وتعالى، في الآيةِ الحاديةَ عشرةَ من سورة النساء الكريمةِ: "يوصيكُمُ اللهُ في أولادِكُمْ للذّكرِ مِثْلُ حظِّ الأنثييْنِ...".

ومن نحوِ أربعَةَ عشرَ قرناً ونصفِ القرنِ، قمريّاً، فقد جاءَ البلهاءُ أو الخبثاءُ بتفسيرٍ لجملةِ "للذكرِ مثلُ حظّ الأنثييْنِ" بأنّها تعني أنّ حظّ الأنثى (البنت) في تركة الأبويْنِ هيَ نصفُ حظّ الذكر (البنت)، مما جعلَ الذكورَ يحسِبون أن حظّ الأنثى قد جاء على طريقة "جبر الخواطر"، لا على الندّيةِ أو أصالة الاستحقاق على قدمِ المساواة، فصالوا استعلاءً واستقواءً على نواعمِ الجنس اللطيف. وكذلك فقد جعلَ هذا التفسيرُ المقيتُ اللعينُ نفسيّاتِ ومعنويّاتِ النساءِ، عندَ قسمةِ المواريث- جعلها في الحضيض، وفي استكانة العجوز المريض؛ إذْ إنّ تفسير "للذكرِ مثلُ حظّ الأنثييْنِ" على "التنصيف"، قد ترك النساء يشعرنَ وكأنهن معثورٌ عليهنّ قربَ حاويات القمامة أو "على الرصيف"، فأصبحنَ، إلّا قليلاً منهنّ، يعتبرنَ أنّ حقوقهنّ في المواريثِ هيَ أمرٌ هامشيٌّ موكولٌ إلى مروءةِ، أو مشيئةِ، أو مزاجِ الذكورِ المشاركينَ لهنّ في التركة. وهيْهاتَ هيْهاتَ للمروءةِ أن تزورَ الذكورَ الوارثينَ في ساعةِ الاقتسامِ والالتهام: "وتأكلونَ التراثَ أكلاً لمّاً وتحبّون المالَ حبّاً جمّاً" (الفجر: 19-20) – إلّا مَنْ كان من المتقّينَ، وكان هؤلاءِ المتقّونَ نُدرةً وشذوذاً.

 أجل، إنّ الفتوى بالتنصيف من أكبر المنكر، وإنّها لَإِحدى الكُبَرِ، بل هي كبرى الجرائم الحقوقيّة في تاريخ المسلمينَ، لا بلْ إنّها أكبرُ من ذلك وأخطرُ؛ لأنّها ليست مجرّدَ ظلمٍ عظيمٍ في الحقوقِ؛ بل لأنها "جريمةٌ نكراءُ" كمِثلِ أعتى العُقوق، تهزّ حتّى أعمقِ أعماقِ الكونِ اقشعراراً واشمئزازاً، وقد تم تسويقُها باسم الإسلام على أنها لُبابُ العدلِ وقُرابُ الحقِّ، وكذلك فهي غايةُ الظلمِ؛ لأنها بهتانٌ كبيرٌ على الرحمنِ سبحانَه، وافتراءٌ خطيرٌ على رسولِه الكريمِ، عليه الصلاةُ والسلام.

فهل جملةُ "للذكرِ مثلُ حظّ الأنثييْنِ" تعني أنّ حظّ الذكرِ هوَ مثلُ حظّيْنِ اثنيْنِ لأنثييْنِ اثنتيْنِ، أم معناها أن حظّ الذكرِ هوَ مثلُ حظّ الأنثى بالتمامِ والكمالِ؟

قطعاً وحسماً وجزماً، إنّ جملةَ "للذكرِ مثلُ حظّ الأنثييْنِ" تعني بكلّ جلاءٍ وصفاءٍ ونقاءٍ أنّ حظّ الذكر وحظّ الأنثى في ميراثِ الوالديْنِ هما حظّانِ متماثلانِ. فكيفَ يتحقّقُ هذا المعنى؟

ذلكَ ما يتحقّقُ من خلال قواعد النحْوِ الراسخةِ ومنها أنّ من أساليبِ اللسانِ العربيِّ المبينِ أنّ المضافَ المفردَ إلى متعدّدٍ مجرّدٍ من قرينةٍ تعمل في تحديده عدديّاً، يفيدُ أن هذا المفردَ المضافَ إلى ذلك المتعددِ المجرّدِ من القرينة المحدّدة لعددِه، يكونُ منسوباً أو مُسنَداً إلى كلّ واحدٍ من الأفرادِ المكونينَ لذلك المتعددِ- منسوباً أو مُسنَداً إلى كلّ واحدٍ منهم على حِدة، أيْ: إنّ المفردَ المضافَ إلى لفظٍ مما يفيدُ أن هذا اللفظَ مكوّنٌ من عددٍ من الأفرادِ، كأيّ لفظً من المثنّياتِ (أمثلة: الرجلان، المرأتان، الوالدان، الشجرتان، القمران، المشرقان، الثَّقلانِ، المعلمتان .. الخ) أو كأيّ لفظٍ من ألفاظ الجمعِ، أو من ألفاظ اسم الجمع (أمثلة: الرجال، النساء، المشارق، الآباء، الأشجار، الأقمار، العالَمون، المعلّمات .. الخ)، يكون منسوباً أو مُسنَداً على حدةٍ إلى كلّ واحدٍ من أفراد المضاف إليهِ المتعدد.

توضيحات مفصّلة:

 فما هي الدلالة العدديّة في الإضافات التالية؟

1)    "حزامُ المصارعيْنِ ثمينٌ" فبأخذ الدلالة الأصلية الحقيقيّةِ للمثنّى، وهي ضمُّ أو إضافة لفظ مفردٍ إلى لفظ آخرَ مثلِه، فإنّ المرادَ من هذه الإضافة "حزام المصارعيْن" المجرّدة، هو حزامُ كلّ واحدٍ منهما على حِدةٍ، سواء كانا متفرّقيْنِ أو كانا مجتمعيْنِ، هو حزامُ هذا المصارعِ على حدةٍ، وهو حزامُ ذاك المصارعِ على حدةٍ، فإضافة "حزام" وهوَ لفظ مفردٌ إلى "المصارعيْن" وهو لفظٌ مثنّىً، لا يكون المقصودُ منها حزاميْن اثنيْنِ أحدهما لهذا المصارع والآخر لذاك المصارع، ولا أنّ المصارعيْنِ كليْهما يشتركان في امتلاكِ حزامٍ واحدٍ، وإنما المقصودُ هو مجرّدُ إسنادِ كلمةِ حزامٍ إلى كلّ واحدٍ من المصارعيْنِ على حِدَةٍ، على استقلالٍ.

2)    "ربّ المشرقيْنِ" فبأخذ الدلالة الأصليّةِ الحقيقيّةِ للمثنّى، وهي ضمُّ أو إضافة لفظ مفردٍ إلى لفظ آخرَ مثلِه فإنّ المرادَ من هذه الإضافة المجرّدة، هو ربُّ كلّ واحدٍ منهما على حدةٍ، سواء كانا متفرّقيْن أو كانا مجتمعيْنِ، هو ربُّ كلّ "مشرقٍ" منهما على حدةٍ، هو "ربُّ" هذا "المشرقِ" على حدةٍ، وهو "ربُّ" ذلك "المشرقِ" على حدة؛ فإضافة "ربّ" وهوَ لفظ مفردٌ إلى "المشرقيْنِ" وهو لفظٌ مثنّىً، لا يكون المقصودُ منها ربّيْنِ اثنيْنِ أحدُهما للمشرق هذا، وثانيهما للمشرقِ ذاك، وإلّا كان هناك ربّانِ اثنانِ لا ربٌّ واحدٌ فقط، وبذلك يحصل الإشراكُ باللهِ (سبحانه هو الواحد الأحد)، ولا أنّ المشرقيْنِ كليْهما شريكانِ في امتلاك الربّ المقصودِ، وإنما المرادُ من إضافة "ربّ" إلى "المشرقيْنِ" هوَ إسناد كلمة "ربّ" إلى كلّ واحدٍ من المشرقيْنِ على حِدَةٍ.

 3)    "قميصُ الرجالِ في الخليلِ رخيصٌ" فإنّ المرادَ من هذهِ الإضافةِ "قميصُ الرجالِ"، هوَ قميصُ أيّ رجلٍ من الرجالِ بفرديّتِهِ، وليسَ قمصاناً كثيرةً بعدد الرجالِ في مدينة الخليل، عليه الصلاة والسلام، ولا قميصاً مملوكاً على الشراكة بين الرجالِ، بين الخليليّينَ أجمعينَ.  

1)    "فستانُ النساءِ في باريسَ قصيرٌ" فإنّ المرادَ من هذه الإضافةِ "فستانُ النساءِ"، هو فستانِ أيّ امرأةٍ من النساء بفرديّتِها، هو إسنادُ لفظ "فُستان" إلى أيّ واحدةٍ من النساءِ مستقلّةً، على حِدةٍ، وليسَ فساتينَ كثيرةً بعددِ النساءِ في باريس جميعاً، ولا فستاناً واحداً مملوكاً على الشراكة بينَ الباريسيّاتِ كلِّهنّ، ثيّباتٍ وأبكاراً.

 إلى هنا ونعود للسؤاليْنِ الأوْلييْنِ السالفيْنِ أعلاهُ، حيث جاء في الثاني منهما: قطعاً وحسماً وجزماً، إنّ جملةَ "للذكرِ مثلُ حظّ الأنثييْنِ" تعني بكلّ جلاءٍ وصفاءٍ ونقاءٍ أنّ حظّ الذكرِ وحظّ الأنثى في ميراثِ الوالديْنِ هما حظّانِ متماثلانِ. فكيف يتحقّقُ هذا المعنى؟

حسناً، فإنه، أولاً، استناداً إلى القاعدة السالفة وهيَ أنّ من أساليبِ اللسانِ العربيِّ المبينِ أنّ المضافَ المفردَ إلى متعدّدٍ مجرّدٍ من قرينةٍ محدّدةٍ لعددِهِ، يفيدُ أنّ هذا المفردَ المضافَ إلى ذلك المتعدد يكونُ منسوباً أو مُسنَداً إلى كلّ واحدٍ من الأفراد المكونينَ لذلك المتعددِ- يكون منسوباً أو مسنداً إلى كلّ واحدٍ منهم على حِدةٍ، وإنّه، ثانياً، اعتماداً على التوضيحاتِ المفصّلةِ السابقة لهذه القاعدةِ نفسِها، فإنّ ما تفيدُهُ جملةُ "للذكرِ مثلُ حظّ الأنثييْنِ" من المعنى، هوَ أنّ "حظّ الذكرِ" مثلُ حظّ هذهِ الأنثى أو مثلُ حظّ تلك الأنثى، أيْ: إنّ حظَّ الذكرِ هوَ مثلُ حظّ أيّ واحدةٍ من "الأنثييْنِ"، هوَ مثلُ حظّ الواحدة وحدَها.

حقّاً، حسماً وقطعاً وجزماً، فإنّ جملةَ "للذكرِ مثلُ حظّ الأنثييْنِ" تعني بكلّ يقينٍ أنّ حظّ الأنثى هوَ مثلُ حظ الذكرِ بالتمامِ والكمالِ، وهذا هو العدلُ متلئلئاً بكلّ الجمالِ. ومَنْ لا يرى أنّ هذا هوَ الحقُّ منيراً، فلْيمُتْ بغيظِهِ لصّاً حقيراً، وإنَّ لهُ في جهنّم مقاماً وسعيراً.

من كتاب "مواريث عطية"







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز