عطية زاهدة
attiyah_zahdeh@hotmail.com
Blog Contributor since:
04 October 2013

كاتب من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
بالتأكيدِ والتشديدِ: حظّ البنت يساوي حظّ الابنِ هوَ أمرُ القرآنِ المجيدِ

 لا ريْبَ ولا غرْوَ أنّ النحْوَ العربيّ بقواعدِهِ، هوَ مِسبارُ المعاني في النصوصِ العربية، حتّى نصوصِ القرآنِ الكريم نفسِه، وهوَ، بالتأكيدِ، مِكشافُ ما يرمي إليه الكلامُ ويبغي إيصالَه للعقلِ والاستيعابِ، وذلك بفهمِهِ فهماً مؤصّلاً مفصلاً بيّناً غيرَ ذي عِوَجٍ، متّصلاً بأساليبِ اللسانِ العربيِّ المبينِ مما هو فصيحٌ بليغٌ. فالنُّحاةُ هم في الحقيقةِ "جواهرجيّةُ وصيارفة" الكلام.

 وفي زيارةٍ لقاربي إلى "حاملة طائرات" العلّامة "عباس حسن"، فقد جئتُك منها باقتباسٍ عظيمٍ على تصرُّفٍ مني توضيحيٍّ بسيطٍ: ((إنّ الأصلَ في المثنّى هوَ أنْ يدلَّ على اثنيْن حقيقةً/اثنتيْنِ، إلّا أنّ من أساليب العرب أنهم قد يأتون بالمثنّى بحيثُ يكونُ ظاهرُهُ التثنيةَ، في حين يكونُ المرادُ منه الجمعَ الدالَّ على أكثرَ من اثنيْن/اثنتيْنِ، وذلك بشرطِ وجودِ قرينةٍ)) (النحو الوافي، ج1/ص 143، ط3، دار الكتب المصريّة).

فماذا عن هذا الاقتباس المتصرّف فيه تطبيقاً على "الأنثييْنِ"؟

فهل ينطبق هذا الأسلوب المذكور على مجيء لفظ "الأنثييْنِ" الواردِ في الجملةِ الشريفة: "للذكرِ مثلُ حظّ الأنثييْنِ"؟

لا ريْبَ أنه سينطبقُ عليه إذا ما تحقّقَ الشرطُ الذي هوَ وجودُ قرينةٍ على احتمالِ أن يكونَ المرادُ من لفظ "الأنثييْنِ" جمعاً من النساءِ أو الإناثِ، أو قل: من البناتِ، جمعاً هوَ أكثرُ منَ اثنتيْنِ.

 أجل، إن هذا الشرطَ لمتحقّقٌ متوافرٌ. فكيف أو أين حصل هذا التحقُّقُ أو توافر؟

لقد جاء قولُ اللهِ تعالى: "يوصيكُمُ اللهُ في أولادِكُم" جاء سابقاً لجملةِ "للذكرِ مثلُ حظّ الأنثييْنِ"، مما جعلَها تُعتبرُ تفصيلاً لما في جملة "يوصيكم اللهُ في أولادِكم" منَ الإجمالِ.

 حسناً، لقد جاءت كلمة "أولادكم" بدلالةٍ مجملةٍ مما يفسح المجالَ لاحتمال أن يكون المقصودُ منها الجمعَ من النساء؛ إذ قد يكون أولادُ الإنسانِ المتوفّى أو مَنْ حضرَهُ الموتُ- قد يكون جميعُهم من النساء: ثلاثاً أو أربعاً أو أكثرَ، أو قد يكون له ولدٌ ذكرٌ وثلاثُ بناتٍ أو أكثرُ من ثلاثٍ، وقد يكون له جمعٌ من البنينَ وجمعٌ من البنات، وقد يكون له بنتٌ وابنٌ، وقد يكون وحيدَ الولدِ ... الخ. وبما أن الحكم المتمثّلَ في "للذكرِ مثلُ حظّ الأنثييْنِ" هو حكمٌ عامٌ في توريث أو إعطاءِ الأولاد، فإنّه يترتبُ على ذلك أن يكون معناه مستوعباُ لكلّ الاحتمالات الممكنة التي تتعلّقُ بالأولادِ، سواء من حيثُ الأجناس أو من حيث الأعداد. وعلى هذا، فإن مجيء لفظ "أولادكم" هو قرينةٌ على احتمال أن يكون المرادُ من لفظ "الأنثييْن" المرتبطِ بالذكرِ، هوَ جمعاً من النساءِ يكنّ ثلاثاً أو أزيدَ من ثلاثٍ. وكذلك فإنه بربط "يوصيكُمُ اللهُ في أولادِكُم للذكرِ مثلُ حظّ الأنثييْنِ" بكلٍّ من الآية 7: "لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا"، وبالآية 176 من سورة النساء:  "يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" يكون من الممكن  تقديرُ "رجالاً ونساءً" بعد لفظ "أولادكم" هكذا ((يوصيكم اللهُ في أولادِكُم – رجالاً ونساءً- للذكرِ مثلُ حظّ الأنثييْنِ". وبهذا نجد قرينةً أخرى على احتمال أن يكون المرادُ من "الأنثييْنِ" جمعاً من النساءِ، وبخاصّةٍ أن نونَ النسوة، وهيِ في الأصل ضميرٌ للجمعِ المؤنّثِ، قد تأتي بحيث يكون مرجعُها مثنّىً أو له دلالةٌ على التثنية حقيقةً، وذلك كما في قولِ الله تعالى: "لا تسجدوا للشمسِ ولا للقمرِ واسجدوا للهِ الذي خلقَهُنّ" (فصلت: 37).

 حقّاً، فإنَه نظراً لتوافر أكثر من قرينةٍ على أنّ لفظَ "الأنثييْن" في جملةِ "للذكرِ مثلُ حظّ الأنثييْنِ" يحتمل أن يفيدَ جمعاً من النساءِ عددُهن أكثر من اثنتيْنِ ـ فإنَ هذا الاحتمالَ نفسَه هوَ بدورِهِ ما يفتحُ المجالَ لاحتمالِ أن يكونَ المعنى المرادُ من "الأنثييْن" هوَ تكرارَ لفظ "الأنثى" من غير حصرٍ، أيْ: يكون معنى "للذكرِ مثلُ حظّ الأنثييْنِ" هو: ((للذكر مثلُ حظّ الأنثى من بعِد الأنثى))، أيْ: للذكر مثلُ حظّ الإناث، أيْ: للابنِ مثلُ حظّ أيّ بنتٍ من البناتِ. وقد يأتي المثنّى في لسان العرب المبينِ مقصوداً به تكرارُ المفردِ منه تكراراً أكثرَ من مرّتيْنِ.

فما هي الخلاصة لكلّ ما سبق؟

الخلاصةُ هي أن جملةَ "للذكرِ مثلُ حظّ الأنثييْنِ" يمكن أن تُفهمَ على أيِّ احتمالٍ من الاحتمالات الثلاثةِ التاليةِ:

((للذكرِ مثلُ حظّ الأنثى)).

((للذكرِ مثلُ حظّ الأنثى والأنثى)) والمعنى هوَ:{للذكرِ مثلُ حظّ كلِ واحدةٍ من الأنثييْنِ}أو [للذكرِ مثلُ حظّ هذه الأنثى أو تلك الأنثى].

((للذكرِ مثلُ حظّ الإناثِ)).

علماً بأن الأسماءَ المفردَ والمثنّى والجمعَ تتبادلُ دلالاتِها العدديّةَ، فكلُّ واحدٍ منها يمكن أن يأتيَ للتعبير عن دلالةٍ كلّ واحدٍ من الآخريْنِ.

وهذا الفهمُ يقودُ إلى تأكيدِ نتيجةٍ واحدةٍ، وهيَ أنّ حظّ أيّ ذكرٍ منَ الأولادِ الوارثينَ، هوَ مثلُ  حظّ أيّ أنثى وارثةٍ معه لنفس التركة.

  ولا ريْبَ أنّ "الذكر" في "للذكر"، هوَ اسمُ جنسٍ، ويجوزُ عند إيرادِ اسمِ الجنسِ أنْ يُقصدَ به أيُّ عددٍ من أفراد ذلك الجنس، وهذا الجوازُ بحقّ الإفادةِ العدديّةِ لاسمِ الجنس، يجعلُ أنّ المرادَ من "للذكرِ" هوَ: أيُّ ذكرٍ من الذكورِ مهما كان عددُهم في الأولاد.

أجل، إنّه حسب أساليبِ العربِ وقواعدِ النّحوِ الأصيلةِ الراسخةِ، فإنّ هناك وجهاً بأن يكون المعنى الصافي الوافي الكافي الشافي لجملةِ "للذكرِ مثلُ حظّ الأنثييْنِ" هوَ: أن حظّ البنتِ هوَ مثلُ حظّ الابنِ، مماثلةَ مساواةٍ بالتمام والكمال.

 وأخيراً، تذكيراً، لقد تمّ أعلاهُ مناقشةُ قولِ اللهِ تعالى " "يوصيكُمُ اللهُ في أولادِكُمْ للذكرِ مثلُ حظّ الأنثييْنِ"، مناقشتُه على الوجهِ الذي يرى أنّ "الأنثييْن" هوَ لفظٌ دالٌّ على مثنّىً حقيقيٍّ، أيْ: على مثنّىً غيرِ تغليبيٍّ. وأمّا مناقشتُه على الوجه الآخرِ الذي يرى أن لفظ "الأنثييْن"هوَ مثنّى تغليبيٌّ مؤلّفٌ من الأنثى والخنثى، فقد نوقِش في غير موضعٍ أو في غير مقالٍ. ولقد ثبت من ذلك أنّ حظّ الذكرِ هوَ مثلُ حظّ الأنثى أو مثلُ حظّ الخنثى. والقرآنُ الكريمُ حمّالُ أوجُهٍ حسبَ أساليبِ اللسانِ العربيِّ المبينِ وقواعدِ النّحوِ فيهِ.

من كتاب "مواريث عطية"







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز