عطية زاهدة
attiyah_zahdeh@hotmail.com
Blog Contributor since:
04 October 2013

كاتب من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
يقيناً، للذكرِ مِثْلُ حظّ الأنثييْنِ تعني أن حظ البنت مثل حظ الابن بالتمام والكمال

 جاء في كتاب "النحو الوافي" للعلّامة عباس حسن: {ليس من المثنّى الحقيقيّ ما يدل على جمعٍ أو اسم جمع}(ج1/ص109، ط3، دار المعارف بمصر)

هذا القول يعني أن اللفظ الذي يكون مثنّىً ويجيء دالّاً على اسم جمع أو على جمع، لا يكون قد ورد على أنه مثنّى حقيقيّ مكوّن من فرديْن متوافقيْنِ متماثليْنِ، أيْ: لا يكون فرداه أحدُهما عدلَ الآخرِ، وبعبارة أخرى: لا يكون أحدُ الفرديْنِ فوقَ الآخر، لا يكونُ سِيَّهُ. وعلى هذا فإن مثل هذا المثنّى الذي لا يكون من فرديْن متوافقيْن، لا يكون أحدُ فرديْه فوقاً للآخر، لا بدّ أن يكون مكوّناً من فرديْنِ مختلفيْنِ صيغ المثنّى من تغليبِ أحدهما على الآخر لسبب ما. ولا ريْب أن مثل هذا المثنّى هو مثنّى مجازيٌّ تغليبيٌّ، ومن ذلك مثنّى "الأبوان"؛ حيث تم تغليب الأب على الأمّ.

فهل ينطبق القول السابق للعلّامة عباس حسن على لفظ "الأنثييْنِ" الوارد في قول الله تعالى: "للذكرِ مثلُ حظّ الأنثييْن"؟

نعم، تنطبق قاعدة{ليس من المثنّى الحقيقيّ ما يدل على جمعٍ أو اسم جمع}على لفظ "الأنثييْنِ" الوارد في قول الله تعالى: "للذكرِ مثلُ حظّ الأنثييْن"- فكيف يتمّ هذا الانطباق؟

لقد جاء بعد جملةِ "للذكرِ مثلُ حظّ الأنثييْن"- جاء قول الله تعالى: "فإنْ كنّ نساءً فوقَ اثنتيْنِ"، ومما لا ريْب فيه أن الضمير في "كنّ" يرجع على لفظ "الأنثييْنِ" حسماً وجزماً، وبالتالي، فإنّ "الأنثييْن" وهو لفظ مثنّىً قد جاء دالّاً على "نساء"، ولمّا كان لفظ "نساء" اسم جمعٍ أو هو جمع، فإنّ لفظ "الأنثييْن" في جملة: "للذكرِ مثلُ حظّ الأنثييْنِ" قد جاءَ للدلالة على مثنّىً غيرِ حقيقيٍّ، أيْ جاء ليدلّ على مثنّىً مجازيٍّ تغليبيٍ مكوّنٍ من فرديْنِ أحدهما ليس عدلَ الآخر، أيْ: جاء لفظ "الأنثييْن" ليس للدلالة على أنثييْنِ اثنتيْنِ متماثلتيْنِ جنسيّاً، بل للدلالة على فردينِ أحدهما أنثى، والفرد الآخر هو ولدٌ ليس ذكراً. فمن هو الولد الذي يكون جنسيّاً لا هو أنثى ولا هو ذكر؟

هو حتماً الولد الخنثى. ولا ريْبَ أن مجيءَ "للذكرِ" في سياق تعداد الأولاد هو قرينةٌ على أن تعدادهم في "للذكرِ مثلُ حظّ الأنثييْن" قد جاء على أساس التعريف بهم جنسيّاً، على أساس أن يكون تعدادهم مستغرقاً كلّ أجناسهم، وهذه الأجناس منحصرةٌ في الذكر والأنثى والخنثى.

وبناءً على ما سبق، فإنّ كلمة "الأنثييْن" تكون في قول الله تعالى: "للذكرِ مثلُ حظّ الأنثييْن" قد جاءت تعبيراً عن مثنّىً تغليبيٍّ مؤلّفٍ من الأنثى والخنثى حيث تمّ في صياغته بتغليب الأنثى على الخنثى؛ إذ إن الأنثى هي الأكثر والأظهر، وهي أحد الزوجيْنِ المجعوليْنِ من البشر الأول، وأمّا الخناث فعددها أقلّ كثيراً، وهي أفراد في حكم الشذوذ عن الطبيعيّ. ونلاحظ أن لفظ "الأنثى" ولفظ "الخُنثى" على ميزانٍ واحدٍ، وبينهما تقاربٌ لفظيٌّ؛ وبذلك كانت الأنثى أحقّ وأوْلى بأن تُغلّب في المثنّى المجازيّ المراد منه الأنثى والخنثى.

 

 وعند التدقيق في قول الله تعالى: "فإنْ كنّ نساءً فوق اثنتيْنِ" فإننا نجد أنّ اعتبارَ العلماءِ لكلمة "فوق" أنها تعني: أكثرَ أو أزيدَ، هو اعتبار واهنٌ يجعل القرآن غيرَ بليغ، وأنه يلغو ويحشو؛ إذ إنه لو أراد الله سبحانه أن يكون المرادُ عدداً من النساء أكثرَ من اثنتيْنِ لجاءَ القول هكذا "فإن كنّ نساءً" دون عبارة "فوقَ اثنتيْنِ" أو حتى لقامَ باستعمال لفظ "أكثر" بدلاً من "فوق".

 حقّاً، إنّ لفظَ "الأنثييْنِ" قد جاء في جملة "للذكرِ مثلُ حظّ الأنثييْن" دالّاً على مثنّى تغليبيٍّ بمعنى: الأنثى والخنثى، وليس بمعنى أنثييْنِ اثنتيْنِ متوافقتيْن. وهناك أدلّةٌ أخرى مؤيّدة لهذه الدلالة، علاوة على قاعدة{ليس من المثنّى الحقيقيّ ما يدل على جمعٍ أو اسم جمع}. ومجموعُ هذه الأدلةٍ يؤدّي إلى أن كلمة "كنّ" في "فإن كنّ نساءً فوقَ اثنتيْنِ" قد جاءت بمعنى: صرْنَ. وضمير الجمع المؤنّث قد يأتي في اللسان العربيّ المبينِ راجعاً إلى المثنّى، وهذا واضحٌ في قولِ اللهِ تعالى:  "... لا تسجدوا للشمسِ ولا للقمرِ واسجدوا للهِ الذي خلقهنّ..." (فصلت: 37).

أجل، إن لفظ "الأنثييْن" من دون أن يكون مرتبطاً بسياقٍ، أو من غير أن يقترن بقرينة، فإنه يحتمل الدلالة إمّا على مثنّىً حقيقيٍّ وإمّا على مثنّىً مجازيٍّ تغليبيٍّ.

حسناً، إن السياق والقرائن في قول اللهِ تعالى: "يوصيكُمُ اللهُ في أولادِكم للذكرِ مثلُ حظّ الأنثييْن فإنْ كنّ نساءً فوقَ اثنتيْنِ فلهنّ ثلثا ما تركَ وإن كانتْ واحدةً فلها النصفُ"  يجزمان أنّ لفظ "الأنثييْنِ" قد جاء في جملة "للذكرِ مثلُ حظّ الأنثييْن" دالّاً على مثنّىً تغليبيٍّ. وعلى هذا فإن رجوع الضمير في "كنّ" على لفظ "الأنثييْن" مع الاقتران بـ "فإنْ كنّ نساءً فوقَ اثنتيْنِ" حيث لا يستقيم مجيء "فوق" بمعنى: أكثر- إن السياق والقرائنَ يوصلان إلى أن كلمة "كنّ" قد جاءت بمعنى: صرنَ.

وإذا كان اعتبار "فوقَ" في الآية الكريمة بمعنى: أكثر، لا يستقيم مع اللسان العربي المبين، فهل هناك معنىً آخرُ لكلمة "فوق" يجعل "فإن كنّ نساءً فوقَ اثنتيْن" قولاً مستقيماً مع اللسان العربيّ المبين؟

نعم، إن كلمة "فوق" واردةٌ في سياق الحديث عن العدد، فلا بدّ أن يكون المعنى الآخرُ مرتبطاً بالعدد. وبالفعل، فقد ورد في لغة العرب معنى آخرُ لكلمة "فوق" مرتبطٌ بالعدد وهو: "عِدلُ"؛ فعبارة "فوقُ الشيء" تفيد: عِدْل الشيء، ما يعادله، ما يكافئه، أو قلُ: ما هوَ مثلُهُ مساواةً، ما هوَ سيُّهُ (زَيُّهُ بالعاميّة)، أو حتّى ما هو قدُّهُ.

وعلى ما سبق ينشأ هذا السؤال: ماذا صرن "الأنثيان" بعدَ أن كنَ أنثى وخنثى، بعد أن كنّ فرديْنِ مختلفيْنِ، بعد أن كانت إحداهما ليست فوقاً للأخرى، بعد أن لم يكنّ نساءً فوقَ اثنتيْنِ؟

الجواب: صرنَ "نساءً فوق اثنتيْنِ"، صرنَ إحداهما فوقاً للأخرى، صرنَ فوقاً لاثنتيْنِ، صرنَ متعادلتيْنِ متوافقتيْنِ، صرنَ إحداهما مثلَ الأخرى مساواةً، صرنَ سيّيْنِ (إحداهما "زيْ" الثانية "بالزّبط")!، فهما اثنتان فقط، بنتان فقط.

فمَن هنّ التي صرنَ سيّيْنِ، مَن هنّ التي صرنَ اثنتيْنِ متوافقتيْنِ متماثلتيْنِ؟

هن "الأنثيان" المذكورتان مع الذكر في "للذكرِ مثلُ حظّ الأنثييْن"، هن "الأنثيان" اللتان يجري التعريف بحظّ الواحدة منهما لأجل التعريف بحظ الذكر.

فكم هو مجموع حظّيِ الأنثييْن الاثنتيْن المتماثلتيْنِ؟

هو ثلثا ما ترك الوالد. فيكون حظّ الواحدة منهما هو الثلث.

فكم حظ الذكر الذي معهما؟

حظّه هو الثلث؛ لأن التركة حسابيّاً مهما كانت مكوّناتها ومفرداتها هي واحدٌ صحيح.

فما هي النتيجة؟

النتيجة التي يعنيها قولُ اللهِ تعالى: "للذكرِ مثلُ حظّ الأنثييْن"، هي أن حظ الذكر (الابن) هو مماثلٌ لحظ الأنثى (البنت) مماثلةَ مساواةٍ. أجل، فالمعنى هو أن حظّ الذكر هو مثلُ حظّ إحدى الأنثييْنِ، المعنى هو أن حظ الذكر هو مثل حظّ الأنثى أو مثل حظّ الخنثى.

وعندما يرد المثنّى المجردُ في لغة العرب ليفيد دلالةً عدديّةً، فإنه إمّا أن يفيدَ التثنيةَ (يفيد الاثنين أو الاثنتيْن) وإمّا أن يفيد الإفرادَ (يفيد الواحد أو الواحدة). وهذا ما ينطبق على مجيء مثنّى "الأنثييْنِ" في "للذكرِ مثلُ حظّ الأنثييْن"؛ لأنه قد جاء مجرّداً غيرَ مقترنٍ بأيّ وصفٍ ولا بأيّ مؤكّدٍ لفظيٍّ عدديّ.

حسناً، لقد ناقشنا أعلاه مجيء "الأنثييْنِ" في الدلالة على التثنية، أي: على العدد اثنتينِ، سواء بأخذ "الأنثييْن" مثنّىً تغليبيّاً أو بأخذِه مثنّى حقيقيّاً. فماذا عن دلالة "الأنثييْن" على المفرد؟

قد جاء ذلك في القسمة المذكورة في "وإنْ كانت واحدةً فلها النصف"، فإن صار المرادُ من الأنثييْنِ المذكورتيْن مع الذكر أنثى واحدةً، فإن لها نصفَ التركة، فيكون باقي التركة، وهو النصف الآخر، حظّاً للذكر المرتبط بها في جملة "للذّكرِ مثلُ حظّ الأنثييْنِ"، وبالتالي، فإن حظّ الابن يماثل حظّ البنت مماثلةً على التساوي.

والخلاصة هي أن جملة "للذكرِ مِثْلُ حظّ الأنثييْنِ" تعني باليقين والحسم والجزم أن حظ البنت هو مثل حظ الابن 100%، ديناراً بدينارٍ وملياراً بمليار، ومن يقلْ بغير هذا يكنْ من الكفار.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز