احمد علي
ahmed.laarfi@outlook.com
Blog Contributor since:
15 July 2019

 More articles 


Arab Times Blogs
لكنهم في النائبات قليل
الاصدقاء
لا يوجد ثبات طالما نتنفس. تلعب بنا الدنيا وتتغير الاحوال، فتجد من كان صديقا لك بالأمس، هو العدو اليوم، بالمقابل قد يصبح العدو صديقا. هذه الحياة التي هي أقصر بكثير من طول كل منا، نعيشها ونتشبث بها رغم أننا نعلم علم اليقين أنها زائلة وأننا زائلون. 
أحوالنا بها تتبدل وتتأرجح، ما بين غنا وفقرا، و سعادة وشقاء، وبالمناسبة لبعض المتشائمين حكمة، تعتبر أن لا سعادة مطلقا بالحياة، كي ترضى بعيشها بأفضل الاسواء الذي بها. لا سقف للسعادة ولا درك للبوس وبينهما تهزنا الحياة، تهز بالطبع لا اتحدثها بالدارجة التونسية.
في هذه الحقبة التي يقينا لا تساوي رمشة عين من عمر الزمن، نجد أن لدينا متطلبات كثر، وبالمقابل علينا واجبات ولنا حقوق. وأهم ما تكسبه بجوار العائلة الكبيرة والاسرة الصغيرة هم الاصدقاء. 
الصداقة أمر مهم جدا في حياة الإنسان، الذي هو كائن إجتماعي لا يستطيع العيش دون صداقة، وكثرة الصداقات بريق أحيانا يشبه لمعان المعادن غير النفيسة، فالأصدقاء وكما يصف الشعراء، كثر، لكنهم في النائبات قليل.
يحكي لي صديقا بلغ من العمر عتيا وعاش حتى سئم العيش، رغم تعلقه بالحياة، أعطاه الله ما يتمنى، هذا دعاء مني له. قال كنت قائدا ميدانيا في حرب تشاد وما دفعت اليها الا كون القيادات الأعلى تتشكك بي. 
ما أنقذه من تهمة الانضمام لتنظيم الشهيد الجميل، النقيب إدريس الشهيبي إلا مشكلة وقعت بينهم حكاها لي:
قال من من الضباط لا يخشى إدريس الشهيبي، حتى أنا رغم تماسكي ونديتي معه، أخافه. هو رجل "فارس" وهي بالليبي تطلق على الشجاع، وفوقها متحدثا لبقا وشاعرا مجيدا.
في حرب الايام الاربعة عام 1978 بين ليبيا ومصر، قام أفراد كتيبتي بأسر أربعة طيارين ومساعدين بعد إسقاط طائرتهم قرب خليج البردي. يستمر، فجائني النقيب إدريس فجأة دون موعد او سابق اتصال، وكنت متكتما على الخبر، وطلب مني الأسرى، خشيت أن اعطيهم له فيكون جزائي عظيما من القيادة، وخفت منه إن لم أعطهم له، ولكن قولة لا "تسد باب كل داء او بلاء" كما يقول  المثل الليبي مع تصرف بسيط لم يؤثر على المعنى. 
رفضت إعطائهم له إلا بأوامر مباشرة من القيادة، وأخفيتهم تحوطا. الكاتب لا يتذكر إن كان ذاك القائد الميداني سلمهم للشهيد الشهيبي. لكن ذلك خلق عداء او لنقل توتر في العلاقة بينهما، لدرجة أن بعد الحرب كلف الشهيبي بتوزيع سيارات نوع بي ام دبليو، فاستثنى غريمه، وكان ذاك سببا في عدم حبسه مع الضباط الذين تحصلوا على بي ام دبليو في الدولة القراقوشية، التي هي من جلبت السيارات ومن أمرت بتوزيعهن.
في حكم القذافي، كان كل إنسان متهما دائما وعليه ايضا كل مرة أن يثبت برآته عكس كل النواميس، وبهذا ظل راوي القصة في قفص الاتهام إلى يوم يبعثون في دولة اصاب جنون العظمة رئيسها حتى ظن أنه خالد، ومات ولم يعرف له قبر، رغم انه كان يعتبر لفظة "المقبور" أقسى المسبات، وأطلقها على خصومه وأهمهم السادات والنميري. رغم أن تكريم الميت دفنه في قبر. 
هذه الدولة التي أنتجت لنا كل عاهات اليوم وكل المصائب. ورغم أن في أنحسار مساحة حكم القذافي ونقصها من أطرافها عليه، وموته وإستجدائه لصغار في عمر أحفاده، حياته، عبر لمن لا يعتبر وما موته ببعيد إلا أنه للأسف خلق الإنسان جزوعا هلوعا مسرعا متسرعا بذاكرة الحشرات التي تكرر أخطائها بعد ثواني. 
في حرب تشاد، طلب منه قائد أحدى الجيشين، التقدم بكتيبته في مجاهل لا يعلمها إلا الله، فرفض بحجة أن هذا إنتحار، والرفض في الحرب يعني الموت، بإطلاقة ثمنها "فردة خبز من اللواتي كانت العشرة منهن بربع دوووونار". 
لم يحكم عليه بالخيانة العظمى بل أرسله لسرت مع تقرير "مميت" وأمر القائد العام الكتيبة بالتقدم ففني ربعها بالتحديد.
في مدينة سرت، إنتظارا "للقائد" وضع ذاك القائد الميداني في خيمة بائسة لتجميع النفايات، ونام في برد صحرائها دون لحاف او فراش. تنكر اليه كل من إعتبرهم اصدقاء بالسابق، وقد كانوا يحتفون به. 
بعد ليال أدخلوه على "القائد" والمسألة كانت تبدو شكلية فالاعدام لا مناص منه. قال لي في البداية بدأ معمر متجهما، فخفت. طلب منه أن يسرد سبب رفضه بدقة، وهو الجندي المطيع، فأخبره وكان لحسن حظ الراوي ولن نقول عن الموت سوء حظ فهو كتاب، أن حدث لكتيبته ما حدث. تبسم القذافي وقال له أنت على صواب، لكن دائما القاعدة تقول نفذ وأعترض بعد التنفيذ!  لم يك للحياة وزن عند العسكر والمهم هو الطاعة العمياء والسمع. 
نادى القذافي حجابه وامرهم أن يحجزوا له جناحا في فندق أو فيلا ويعطوه سيارة أخر موديل"امتلكها لاحقا" ليسافر بها إلى أهله ويقضي إجازة طويلة.
في المساء، جميع من تنكروا له، جاؤوه بثغر بسام، يكاد يرى من شدة فغر افواههم "اللوز" بداخلها. كلهم عرضوا خدماتهم وضيافاتهم، وتقبل هو الأمر.
هذا الرجل يثق بي وقد روى القصة لي قبل ثلاثة عقودا مضت، رأيت أن اشارككم إياها.






تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز