مولاي عبد الرحمان الفقيه
moulayabderrahman86@hotmail.com
Blog Contributor since:
23 May 2020



Arab Times Blogs
العودة إلى تدريس العلوم باللغات الأجنبية

بعد عقود من تعريب المقررات الدراسية عاد المغرب إلى تدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية. و هذا القرار يمكن اعتباره قرارا إيجابيا لعدة اعتبارات.

فقد ظل أنصار التعريب على مدى عقود يمارسون سلوكا مزدوجا، فهم من جهة يدعون إلى التعريب و يعددون فضائله و محاسنه في كل مناسبة، و من جهة أخرى يحرصون على إلحاق أبنائهم بمدارس البعثات الأجنبية، لكي يحظوا بتعليم عصري، أو يرسلونهم للدراسة في فرنسا و غيرها من دول أوروبا و أمريكا الشمالية.

و يفشل غالبية التلاميذ الذين درسوا بالعربية، في دراستهم الجامعية حيث يتم تلقين جميع المواد الدراسية باللغة الفرنسية،

و يفشلون أيضا في إيجاد فرص الشغل، حيث إن المشغلين في القطاعين الخاص و العام يشترطون ضمن ما يشترطونه، إتقان اللغات الأجنبية و خاصة اللغة الفرنسية.

و يمكن اعتبار العودة إلى التدريس بالفرنسية قرارا يصب في مصلحة أبناء العائلات الفقيرة و المتوسطة الدخل، التي لا تستطيع تحمل أداء رسوم تسجيل أبنائها في مدارس التعليم الخصوصي، الذي يلجه أبناء الميسورين، فالقرار الجديد إذن يمكن أن نقول أنه يحقق المساواة بين أبناء الشعب.

أضف إلى تلك الاعتبارات أن المراجع العلمية غير متوفرة باللغة العربية، و الأبحاث العلمية التي تنشر بهاته اللغة قليلة إن لم نقل إنها منعدمة، و واقعها يعكس واقع أصحابها الذين تخلوا عن تأهيلها لكي تصلح لاستيعاب العلوم، فاللغة تتطور حسب الظروف المحيطة بها.

اللغة العربية لا تصلح اليوم حتى للبحث العلمي في العلوم الإنسانية.

فتعريب العلوم كان دائما عملية عشوائية، و المصطلحات العلمية غير موحدة بين المجامع اللغوية العربية ، و ليس ممكنا في ظل وضع اللغة العربية الحالي أن تكون قادرة على استيعاب المصطلحات العلمية التي تعرف تطورات متسارعة جدا.

لقد بقيت العربية لغة جامدة منذ قرون، و توقف تطورها و تطور طريقة كتابتها التي مرت بعدة مراحل، و لم تعد تساير ما حدث في هذا العصر من انقلاب فكري وعلمي و اقتصادي و اجتماعي كبير.

و القارئ يعرف أن العربية كانت بدون تنقيط و بدون حركات و بدون همزة و بدون ألف وسط الكلمات. . . . و أن كل تلك التحسينات أدخلت عليها لاحقا عندما دعت الحاجة إلى ذلك.

و من الأمثلة الحديثة ، إدخال فرنسا تعديلات على طريقة كتابة 2400 كلمة، سنة 2016، وتهدف الأكاديمية الفرنسية من خلال هذا الإجراء إلى تبسيط طريقة كتابة الفرنسية وتسهيلها على الراغبين في تعلّمها.

كما أن نحو اللغة العربية مجموعة من القواعد المعقدة، و يبدو أن النحويين كانوا يتبارون في الإتيان بالحذلقات المعقدة و العجيبة لكي ينالوا الجوائز.

قال الجاحظ "وقلتُ لأَبي الحسن الأخفش: أنت أعلمُ الناسِ بالنَّحو، فلم لا تجعَلُ كتبَك مفهومة كلَّها، وما بالُنا نفهمُ بعضَها ولا نفهم أكثرها، وما بالُك تقدِّم بعضَ العويصِ وتؤخِّر بعض المفهوم؟ قال: أنا رجلٌ لم أضَعْ كتبي هذه للّه، وليست هي من كتبِ الدين، ولو وضعتُها هذا الوضع الذي تدعوني إليه، قلَّت حاجاتُهم إليَّ فيها، وإنَّما كانت غايتي المَنَالة، فأنا أضعُ بعضَها هذا الوضع المفهومَ ، لتدعوَهم حلاوةُ ما فهموا إلى التماس فهْم ما لم يفهموا، وإنَّما قد كسَبتُ في هذا التدبير، إذ كنتُ إلى التكسُّب ذهبت"

مشكلة اللغة العربية أن أصحابها لا يقومون بأية جهود للارتقاء بها و تأهيلها، لكي تساير تطورات العصر العلمية و التقنية، و لا يترجمون البحوث العلمية إليها كي تتوفر على قاعدة من المراجع العلمية المحترمة.

إنهم بدلا من ذلك يكتفون بالدفاع عنها بالعبارات المنمقة، و الأساليب البلاغية

و تارة يوزع بعضهم التهم على من يخالفهم الرأي بأنه يحارب "لغة أهل الجنة"، و بأنه يسعى إلى نشر "الأفكار الغربية" و محاربة "قيم مجتمعم "، و بأنها مؤامرة تقف وراءها جهة ما بهدف القضاء على اللغة العربية.

العلوم كتبت في مرحلة ما بالعربية ، لكن الوضع تبدل، ليس الان، بل منذ قرون طويلة.

يجب أن نكون صادقين مع أنفسنا. لم يعد من  الممكن تدريس العلوم بغير اللغات الأجنبية، لأن التعريب لم ينتج إلا أجيالا لا تمتلك المؤهلات التي تتطلبها سوق الشغل.

يجب على المغاربة أن يعززوا مكانة اللغات الأجنبية في التعليم لكي يلتحقوا بركب العصر، و يكفي ما ضيعناه من السنوات في عملية تعريب العلوم العشوائية.

إننا نوجد في محيط يتكلم اللغات الأجنبية، فهناك الاتحاد الأوروبي، و هناك دول إفريقية تتكلم الفرنسية و الإنجليزية ، و هناك أمريكا الشمالية و الجنوبية حيث الفرنسية و الإنجليزية و الإسبانية و البرتغالية هي المتداولة.

أضف إلى ذلك أن أكبر شركائنا الاقتصاديين يوجدون في القارة الأوروبية.

فلابد إذن أن يندمج المغاربة في محيطهم، و هذا يستلزم إتقان اللغات الأجنبية و خاصة الفرنسية و الإنجليزية.








تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز