سعادة أبو عراق
saadehabuiraq@gmail.com
Blog Contributor since:
26 March 2020



Arab Times Blogs
جيوش عربية من ورق

-  جيوش  عربية من ورق   

لعلي لا أبالغ حينما أصف الجيوش العربية بأنها جيوش من ورق، ذلك أنها تُهزم دائما رغم أنها تستأثر ب30-40% من ميزانية الدولة، إنها ظاهرة تستوجب على العسكريين الاستراتيجيين والمفكرين والسياسيين والنواب, مناقشة هذه القضية الهامة، ذلك أننا يجب أن ننام ونحن مطمئنين، ولكي لا نكتشف بعد أن يهاجمنا اللصوص، أن الأسوار والأبواب مصنوعة من الكرتون  أو الورق الملون بلون خشب الزان أو البلوط.

وللذين يرون أن هذا الكلام مبالغ به، نقول لهم تعالوا نعدد الهزائم العربية ، ولنبدأ أولا مع حرب فلسطين عام 48 ، لقد  انهزمت جيوش عربية سبعة ، كان عليها أن تلزم العصابات والمنظمات اليهودية أن توقف تهجير الفلسطينيين واقتلاعهم,  وترجع ما استحلته من القرى والمدن، لكنها لم تفعل شيئا ، بل سمحت لإسرائيل أن تأخذ أكثر مما أعطتها الأمم المتحدة في قرار التقسيم رقم 181، وبغض النظر عن التفسيرات التي كانت تجميلية للهزيمة إلا أن أحدا لم يعمل علي تلافي الأخطاء، لذلك فإن هذه الجيوش ذاتها انهزمت ثانية شر هزيمة عام 1967,وسميت نكسة تخفيفا لوقع الهزيمة.!! ورآها البعض انتصارا  لهم لأن إسرائيل لم تسقط الأنظمة الثورية، وعندما قامت حركة الفدائيين الفلسطينيين وجدت تأييدا من الدول العربية عساها تنوب عن الجيوش المهزومة بالانتصار على إسرائيل، أو لتبرئة الضمير والاغتسال من العار، فغمرتنا أجهزة إعلامنا بالفذلكات اللفظية التي كرست قدسية الحكام العرب المهزومين، وأغضت الطرف عن ضعف الجيوش العربية, وعدم قدرتها القتالية.

والذين يستشهدون بحرب عام 72، فإنها كان نصف انتصار, وهذا النصف من الانتصار تم مقايضته بخروج مصر من صراعها مع إسرائيل، وسوريا التي أصبحت أكثر استكانة وضعفا أمام إسرائيل حيث أصبح لها حق الرد الذي لم تمارسه إطلاقا.

أما الجيش العراقي الذي كان مفخرة الجيوش العربية، تم إنهاكه في حربه مع إيران ، ثم تلا ذلك, كسر ظهره بحرب الكويت التي شارك  بها الجيش المصري والسوري والسعودي، مع قوات التحالف، وأعيد القضاء على ما بقي منه بعد غزو العراق وسقوط بغداد عام 2003.

أما الجيش الأردني فإنه لم يقاتل مرة إسرائيل لاسترداد كرامته وشرفه العسكري التي أهينت عام 67 إلا ما كان في معركة الكرامة عام 68.

هذه أهم المعطيات المتفق عليها في التاريخ العسكري للجيوش العربية، أما الجيوش الأخرى فقد شهدنا هزائمها أيضا ، فالجيش المغربي الذي هزم في حرب الصحراء مع جبهة البوليساريو،  وأسر فيها جنوده وضباطه، وهزيمة الجيش الليبي مع جيش قبائل تشاد الهزيلة، لم تكن هذه الهزائم أقل دلالة من هزائم أخواتها مع إسرائيل.

نستذكر هذا ونحن نرى الجيش المصري عاجزا عن ضبط الأمن الداخلي، وعدم قدرة الجيش السورى على مواجهة عصابات المعارضة، والجيش العراقي الذي انهار فجأة كأنه عريشة من قش أمام داعش ، والجيش السعودي الذي انهزم في صعدة أمام الحوثيين وكذلك الجيش اليمني الذي انهارت دفاعاته عن صنعاء والحديدة وبقية المناطق أمام مليشيا الحوثيين.

إن هذه القضية التي تمس الدول والشعوب العربية في هيبتها وكياناتها ومعنويات شعوبها ومستقبلها الذي تنشده، يجب أن تكون لها الأولوية في برامج الإصلاح، لأنه لا تعليم ولا اقتصاد ولا سياسة إذا ما كانت الدولة فاقدة لقوقعتها، ومطعونة في أمنها.

إن هذا التوصيف الذي قدمته، ليست أسرارا اطلعت عليها بل هي ما يعرفه كل عربي، لأنه اكتوى بنارها بشكل من الأشكال، وهذا التصنيف لن يفيد إلا إذا قمنا بتحليل المشكلة ، وبحثنا عن الأسباب غير المرئية، لكي يغدوا المشهد أمام عيوننا قابلا للفهم ، وبالتالي قابلا للإصلاح.

الأسباب الموضوعية لضعف العسكرية العربية

لا يمكنان تبرير ظاهرة ما في المجتمع أو البيئة أو الكون، بأنه من فعل الإنسان أو إرادته، بل من خلال عوامل تآزرت فخلقت منها ظاهرة جديدة، حميدة كانت أو سيئة ، وبناء على هذا الفهم ،نستطيع أن نتصور انهيار العسكرية العربية كما يلي:

1                                                                                                                                                                                                   - لم نجد عند جميع مؤرخينا وصفا واقعيا لمعركة من المعارك ، ذلك أن المؤرخين لم يشهدوا المعركة، إنما اعتمدوا على روايات بعضهم البعض، دون تمحيص، وما قاله أشخاص من أخبار عن آبائهم أو أجدادهم ، وكانت هذه الأوصاف مبالغا بها ومتناقضة ولا يمكن استخلاص الدروس منها لتكون علما للتاريخ العسكري، وبالتالي تصبح عونا للقادة فيما بعد، بالإضافة إلى فهمنا بأن النصر من عند الله والهزيمة أيضا، فلا داعي أن نناقش أمر الله، وهنا تم تغييب دور العقل في الفهم وأخذ الدروس والعبر والتخطيط للمعركة قبل اقتحامها، لذلك لم يصلنا شيئا من تاريخنا العسكري قد نستفيد منه.

2                                                                                                                                                                                                   - وللذين يوردون بعض الدراسات التفصيلية عن بعض المعارك، وخاصة بدر وأحد والخندق ومؤتة، قد نوافقهم على استنتاجاتهم بان النصر نابع من قوة الإيمان ، والله ينصر من ينصره، ولكن لم يفسروا لنا فشل المسلمين، كان بسبب ضعف الإيمان في أحد ومرج دابق وذات الصواري وسقوط غرناطة، ذلك ان المؤرخين لم يكونوا قادة عسكريين كي يفهموا ما حدث حقيقة، وإن القادة العسكريين  لم يكتبوا تجاربهم في النصر والهزيمة، ذلك ان المؤرخين عندهم سبب واحد هي ارادة الله في النصر والهزيمة، لذلك لم نكسب علما عسكريا كما سابقا لم نكسب علما في السياسة،

3                                                                                                                                                                                                   - إن العالم العربي الذي كان ضمن الدولة العثمانية لم يكن نصيبه من العسكرية بمقدار حجمه الجغرافي والسكاني والحضاري ، لذلك حينما انتهت الحرب العالمية الأولى لم تحظ الدول التي أنشأتها معاهدة سايكس بيكو, بغير النزر القليل من الكفاآت العسكرية، التي لم تمكنها من إقامة قوات عسكرية قادرة، بالإضافة إلى أن الجيوش التي أنشأتها حكومات الانتداب لم يكن من هدفها حماية الوطن, بل لخدمة دول الانتداب، لذلك فإن عقيدتها لم تكن وطنية.

4                                                                                                                                                                                                   - العقيدة العسكرية ما هي إلا الروح التي تجعل الجيش حيويا قادرا على التحرك الذاتي والقتال بذكاء ومهارة، وهذه العقيدة تكون قائمة على مفاهيم راسخة في وجدان الجندي أو الضابط وهي كما بلي:

أ - مفهوم الوطن، إنه ليس واضحا عند الإنسان العربي لأن الشعوب العربية لم تُنشِئ أوطانها بنفسها وبإرادتها, أو حسب المعطيات الثقافية والدينية واللغوية والجغرافية, إنما  كانت ناتجة عن اقتسام الدول الاستعمارية لهذه المساحات، على خارطة من ورق, مفرودة على طاولة المفاوضات، لذلك نجد أن معظم حدود الدول العربية وضعت بالمسطرة ، ومن هنا نجد أن مفهوم الوطن غير قائم في نفوس الشعوب العربية, أو لديهم فهما ناقصاً أو خاطئا للوطن.

الوطن مفهوم ذهني محض، وبذلك يحتاج إلى مجهودات عملية وإعلامية لترسيخه في النفوس، كما هي المعادلات الجبرية والرياضية،  بواسطة التعليم والإعلام والثقافة والسياسة العادلة، لكن الإعلام العربي في كل قطر، كان هدفه الأول هو تعزيز الثقة بالحاكم إلى درجة التقديس، وأن الوطن هو جزء من الحاكم، فإذا ذهب الحاكم ذهب الوطن، وبما أن هذا لا يجد صداه إلا عند المتسلقين الانتهازيين، فإن مفهوم الوطن بقي غائبا وغير واضح وغير مقنع.

ب - العقيدة الموروثة: بما أن العربي لم يقوَ على تمثّل الوطن في ذهنه, فقد بقي على عشائريته، التي تقوم على قاعدة ( أنا ثم الطوفان من بعدي) بمعنى أن مصلحة العشيرة أولا ثم أولا ثم أولا ، لذلك وجدنا تكدس الوظائف بيد عشائر معينة، مما جعل أكثر الشعب مغيب عن الوجود في الوطن ، وهذا جعلنا نفهم كثيرا من الظواهر السلبية كالهجرة، والاغتراب النفسي، والاحتجاجات، والانتماء إلى ثقافات اخرى، أو التقوقع في الطائفية والعشائرية والمناطقية، أو الاستكانة إلى اللامبالاة أو التعلق بالهوية الإسلامية، كنتيجة للانسلاخ عن الوطن،  وبالتالي يكون الهروب من المعركة نتيجة حتمية.

ج - ( الجندية وظيفة وارتزاق) ونتيجة لذلك فإن غياب مفهوم الوطن، جعل الدفاع عن شيء اسمه الوطن ضعيفا، وبالتالي أصبحت الجندية وظيفة ككل الوظائف هدفها الارتزاق وتحصيل لقمة العيش، وليس الموت في سبيل وطن لم يقو على تصوره، أو وطن يعيش في داخله.

د - ( مفهوم الأمن القومي)نضيف إلى ذلك غياب مفهوم الأمن القومي، بمعنى إدراك الأخطار التي يمكن لها أن تهدد الوطن، وتركيز الانتباه والحذر على مصادرها، ولما كانت إسرائيل هي اكبر تهديد للأمن القومي للدول العربية ، فإن معاهدات السلام جعلت إسرائيل بلدا شقيقا، بل الشقيق المهيمن، وما عادوا يرونها مهددة لأمن الدول العربية، إذا فأي مبرر لوجود جيش وطني؟ وضد من يعد نفسه ويتدرب ويشترى الأسلحة بالمليارات؟

هـ - (مهمة الجيوش الحالية) لقد وضحت أخيرا أهداف هذه الجيوش وعقيدتها القتالية ، وهي:

1- حماية الأنظمة السياسية الفاسدة من ثورة الشعب.

2-  مساعدة أمريكا في حروبها الخارجية.

3-  قتال الدول العربية بعضها بعضا      

   







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز