نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
استعمار حلال واستعمار حرام

مع التداخلات والتشابكات والوضع المعقد على الأرض، وما آلت إليه الأوضاع العامة من ترد وانحطاط غير مسبوق أصبح بمثابة هولوكوست وجريمة إبادة حقيقية وكارثة إنسانية جماعية ومجاعة تضرب 23 مليونا من البشر، ثمة تساؤلات منطقية وإيديولوجية كبرى، ولا علاقة لها بأية اصطفافات وتموضع وانحيازات، تنهض وسط هذا التداعي والركام، وذرائعية أخرى ما دمنا نخوض في حقل السياسة والاستراتيجيا التي تشكّل المصالح والنفعية ركائزها الأولى.

فهل هناك استعمار حلال وآخر حرام؟ وماذا قدّم لنا الاحتلال الإيراني والاحتلال الروسي، والاحتلال العثماني، والآخر الأموي(القبيلة السعودية المعروفة التي عادت أبناء ابن عم نبي الإسلام نفسه وشنـّعت بهم)،  والتي يتباهي وينتشي رموز الدولة السورية بها وباحتلالها لسوريا من 1400 عام، والآخر العباسي، وكذا الاستعمار الأيوبي، والمملوكي، والذي دام مجتمعاً حوالي 1400 عاماً، فيما لم يستمر الاستعمار الغربي المتنور المتحضر سوى سنوات عقود قليه، حظي خلالها، بموسوعات من الردح والتلعين والتأثيم والشيطنة والفذلكة السفسطائية المضحكة الجوفاء، رغم كل ما قدّمه من خدمات وإنجازات على صعد مختلفة ما تزال شاهدة على روعة وتقدم وعظمة هذا "المستعمر" مقارنة مع ما قدمه المستعمرون الآخرون على مر التاريخ...

سيقولون لك أن الإيراني والروسي موجود برغبة ومشيئة الدولة السورية وبناء على اتفاقيات معها، وهذا أمر صحيح وهو أمر سيادي صرف، لكن، وبحسابات السياسة والاستراتيجيا، فالمعيار ليس هنا، فماذا قدّم الروسي لسوريا، أولاً؟ وثانيا والأهم، فالأمريكي موجود أيضا بالسعودية وقطر وكوريا الجنوبية واليابان وغيرها بناء على اتفاقات مع الحكومات القائمة هناك، وهذا حقهم أيضاً وأمر سيادي أيضاً،  لكن الفرق هو ما حققه الوجود الأمريكي هناك، وما حققه الوجود الروسي-السوفييتي في سوريا خلال 60 عاماً من فقر وترد وانحطاط وتخلف وبؤس وظلام، وبالنهاية فالاثنان استعمار باستعمار..

وما دام الاستعمار قدر باعتبار أن هذه الشعوب هي  شعوب مقسّمة وممزقة وطوائف وأعراق ومذاهب ودولاً متخلفة وضعيفة وعاجزة وغير قادرة، كما أثبتت التجارب والأيام، على إدارة شؤونها وبناء أنظمة وكيانات قوية ومتعافية، فلماذا لا تختار مستعمراً جيداً محترماً وعليه القيمة و"العين" بدلاً من أولئك المستعمرين المتخلفين كالأموي والعباسي والعثماني والإيراني والروسي الذين لم يجلبوا سوى المزيد من التخلف والظلامية والدمار والخراب؟

وعلى مدى ستين عاماً، من عمر الدولة السورية، مثلاً، التصقت العلاقات مع السوفييت والروس، التصاقاً "كاثوليكيا"، تلاها فيما بعد تحالف شبه مقدس مع الإيراني كان من نتيجتها أن أصبحت فيه سوريا بلداً مفككاً ممزقاً مفلساً، موزعاً بيع عدة مستعمرين(لماذا لا يكونوا مستعمراً واحداً، ورجاء ممنوع الضحك؟)،  وباتت أفقر دولة في العالم قاطبة، وربما في التاريخ، ولم تستطع لا روسيا ولا إيران، ولا قبلهما الاتحاد السوفييتي، والكتلة الشيوعية "التقدمية" الكاذبة، برمتها، من النهوض بسوريا، وتوفير أية مظلة حماية لها،  لا بل إن التسريبات عن إحجام الروس والسوفييت، قبلهم، عن تقديم أسلحة متطورة للسوريين، خوفاً من، و"توجيباً، لإسرائيل، هي تسريبات مدعاة للخوف والقلق الكبير، فيما نرى الأجواء السورية مستباحة اليوم أمام "المستعمر" والمحتل الإسرائيلي وعلى عينك يا تاجر الاستعمار الروسي والإيراني "الحبيب"...

سيقول قائل، وكما يضربنا بـ"منية" ويقرّعنا على الطالعة والنازلة المسؤولون الروس، لولا روسيا لسيطرت داعش على سوريا، وربما في هذا الشيء الكثير من الدقة والصواب، لكن الأكثر صوابية، هو لو كانت التحالفات مع قوى غربية ودولية فاعلة أكثر من روسيا البلد المتخلف جداً على الصعيد الأوروبي، وللتذكير فليست القوة العسكرية الضاربة وحدها معيار لأي إنجاز حضاري(المغول وقريش، مثلاً، احتلوا ربع العالم ولم يبنوا أية حضارات ولم يجلبوا سوى التخلف والدم والأحقاد والظلام والخراب)،، نقول هو لو كانت التحالفات في اتجاهات أخرى فلربما لن يجرؤ أحد في العالم، ولا "رب ربه" لأردوغان أن يـُدخل إرهابياً واحداً إلى سوريا، أو أن يرمي بحصوة "نقيفة" باتجاه الحدود السورية، وهنا لب التفكير الاستراتيجي النفعي الذرائعي الحصيف الفهيم.

لننظر إلى كل تلك الدول التي تستعمرها الولايات المتحدة وتتحالف معها كالسعودية والأردن اللصيق بسوريا وعمان  وووو، لا بل لنذهب أبعد ونرى نتيجة التحالفات والصداقة مع الغرب الأوروبي والولايات المتحدة، ونعرّج على كوريا الجنوبية، مقارنة بالمهرجين "جماعة الصواريخ" في كوريا الشمالية، وإلى اليابان، وحتى تايلاند، وسنغافورة والصين؟ وما حدث أمس من كوارث طبيعية طالت البنية الحراجية السورية بشكل مدمر، يظهر مدى عجز وضعف وتقاعس وربما تمنـّع وإحجام "المستعمر" الروسي(الموسوم بالحرص والتقتير والبخل الشديد)، عن تقديم أية مساعدة تطفئ اللهيب في قلوب السوريين، قبل إخمادها في الغابات...

سيقفز كثيرون الآن لإسرائيل باعتبارها الشيطان الذي يحتل ما تسمى بـ"فلسطين"، أو إسراطين على قولة طيب الذكر العقيد، نعم إسرائيل دولة محتلة، لكن ماذا عن الاحتلال التركي اليوم لسوريا والعراق وقبرص وليبيا والعثماني القديم لشعوب المنطقة، لماذا لا ينال حصته من التأثيم والشيطنة، وتبنى عليه الاستراتيجيات والسياسات وحتى الشعارات الطنانة، بنفس القدر الذي يناله المحتل الإسرائيلي؟

ما هي بالضبط معايير هذه الموقف والاستراتيجيات وهذا التقييم المقيت؟ وأين البراغماتية والذرائعية في ممارسة السياسات؟ وباختصار، هل هناك استعمار حلال يجوز التعامل معه والزواج والإنجاب منه، وآخر استعمار حرام محرم وشيطان لا يجوز التعامل معه على الإطلاق؟ 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز