احمد علي
ahmed.laarfi@outlook.com
Blog Contributor since:
15 July 2019

 More articles 


Arab Times Blogs
المسير فوق جمر ملتهب (أيام امعمر الحالكة السواد) 2

المسير فوق جمر ملتهب

(أيام امعمر الحالكة السواد) 2

إهمال جسيم في مصلحة التعداد والترقيم!

أستحدثت كتيبات (عائلية) خضراء بدل (الملكية الرجعية) الزرقاء مع بدايات الألفينية الثالثة، وخففت كثير من الاعباء، عن كاهل حاملها تشجيعا على الاقبال عليها. كما هو معروف فإن توالد الشهادات في ليبيا يفوق توالد الارانب فكل شهادة او مسوغ للعمل يتطلب مجموعة كل منها يقودك الى مجموعة اخرى في دائرة لا تنتهي الا إن لجأت لقريب من عائلتكم يعمل "بصاصا" في اللجان الثورية حينها ستجد ملفك معد والطلب جاهز أو الوظيفة مفصلة (على مقاسك)، وكل حسب قربك من القريب (البعيد) ولا أعني صلة الدم بل أشياء أخرى.

أبتدع شيء لأول مرة في تاريخ الدولة إسمه الشهادة الادارية، وهي الأغلى على الإطلاق، قيمتها خمسة دنانير وخمسة وخمسون قرشا، في غياب العملة المعدنية تُرحٌل الى ستةٍ الا ربع فيترزق من ذلك السجل المدني وذويه. لا تستهروا بهذه القيمة فقد كانت تشكل 2.5% من متوسط مرتبات العاملين بالدولة وكل الشعب الليبي عامل بالدولة حينها بما فيهم القاتل المأجور عاشق الدماء مصطفى الزائدي وزملائه من أمثال أبي زيد والبغدادي واليمني والشامي والقائمة جد تطول...رغم أنهم يملكوا البزنس الخاص بهم. لو طُلِبتْ عليك تشكيلة شهادات لاستخراج جواز او بطاقة او حتى اشتراك في جمعية استهلاكية او عمل تأمين إجباري على سيارتك يطير حينها حوالى 10% من دخلك، وهو رقم ليس ضئيل.

تفتقت الذهنية القذافية، وهنا لا أقصده بشخصه، عن فكرة الكتيبات (الخضر)، تدفع 30 أو 50 دينارا ثمنا، لا أعرف تحديدا لأني مازلت أملك الأزرق، وترتاح من آنين (الحلب) المستمر، فمع الاخضر "موش حتقدر تغمض عينيك" فلا شهادات إدارية ولا مسوغات من السجل المدني هي فقط عملية "فوتوكوبي" منه، وتُحلُ كل المشاكل.

مبدأ أصحاب الاختراع كان: " أتوكأ عليها، وأهش بها على غنمي، ولي فيها مآرب أخرى" فكما أخبرتكم أن القذافي حكمنا لاكثر من أربعة عقودا ما ترك فيها شاردة تفوت إلا وحاول إنهاكنا وإذلالنا، بالمقابل لم يوفر الليبيون وسيلة إلا وقاوموه بها، وحاربوه بكافة السبل وأقلها الإشاعة وتحايلوا على المعيشة الضنكة التي حاول فرضها.  

كانت الرواتب تتأخر في أقلها ستة أشهر وتصل في بعض الجهات لأعوام وهي لا تكفي حاجة المواطن. لا توجد بنية تحتية ولا فوقية أو عرضية بالمطلق، وقد كان ذاك من حسن حظ البعض، فتوفرت لهم وسيلة النقل في ندرة وغلاء التاكسيات وعدم وجود باصات، فرتبوا منظومة غريبة عجيبة شكلوا بها شبكة مواصلات لكافة أنحاء وزواريب المدن الكبرى، أطلقنا عليها شبكة "البركة-بوهديمة" وهو خط (مشهور) يربط حيان كبيران في بنغازي، لطالما ساق فيه إحدى نواب (البرلمنت)، وذاك لا يعيبه إنما وضعه الحالي هو المعيب، ولكم أشفق عليه مما جناه على نفسه وربما يتجاوزه الأمر.

لا يحتاج الموضوع لترخيص ولا يحزنون، كل ما في الامر أنك تدق الواحا عند نجار ليكونوا بمثابة "المسطبة" التي يجلس عليها الركاب في سيارة النص نقل، أو "القلع" كما يطلق عليها الليبيون. هذه السيارة والتي على وجه العموم تكون بيجو "حمامة" موديل 404، زرقاء (كزرقة عيني اليمامة إسمها بالمصري) ولطالما جِبتُ بها شوارع بنغازي وتنقلت بين أحيائها. كان ثمن الرحلة من نقطة الى أخرى في هذه الوسيلة مواصلات فقط (ربع اجنيه) أو ما عرف (بربعاية) لا غير ولا توجد محطات محددة بل النزول يحدده الطرق على الباب الخلفي للسيارة، التي يُرٌكِبْ أصحابها "امشمع" يقي الركاب برد الشتاء ومطره وشمس الصيف وغباره، حرصا على سلامة وراحة المسافرين.

كان هناك فقط راكبان بجوار السائق بينما العدد بالخلف يصل الى إثني عشرة راكبا. وتكون محظوظا إن لم يمزق بنطلونك (الرسمي) الوحيد مسمارٌ ربما دق على عجل، ومظطرا للتحرك بجوار الباب الخلفي والسيارة تنؤ باحمالها، وتأبى الشهامة على الركاب المجاورين للباب إلا ان تتحرك بداخلهم، فيسالونك أين يا "أخينا"؟ والثورجيين الذين مطلقا لا يستخدموا هذه الوسائل يقولون "أخونا"، لأنهم اكثر ثقافة من العامة أمثالنا. يتكفلوا بطرق شديد يصم آذان الركاب "المعودين" كي يسمعه السائق فيتوقف فجأة دون سابق إنذار. ركوب سيارة "قلع" مجازفة غير مأمونة المخاطر، لكنها كانت في ذاك الزمن البائس (ضرورة) لا مفر منها إلا إليها.

في مثل هكذا ظروف اكتشفت الحكومة متاخرة جدا أنٌ من هم مقيدين على سجلات القوى العاملة الليبية يفوق بضعفين عدد سكان ليبيا بمقيميها. ولكن هناك من هو مسجل ولا يتقاضى راتبا مطلقا من سنوات وهناك من يتقاضاه بعد أشهر، يجوع ويعرى فيها إلا من كرامته (وقتها) التي بعد أن أصبحت شعارا ضاعت كمثيلها من الشعارات (العروبجية) البراقة.

أتحدث عن فترة الثمانينيات الاكثر بؤسا، التي كان يُعينُ الناس فيها أنهم يسمح لهم بتغيير ثلاثمائة دينارا عليها 10%  (ضريبة) دعم للنهر الصناعي (العظيم) إلى عملات أجنبية (مدعومة) فتكون قيمة الثلاثمائة تناهز 1200 دولارا، تزيد وتنقص حسب علاقتك بالصراف فقد يضعها في مبيعات الامس او إسبوع مضى أو شهر قادم! يبيع الليبيون هذه الدولارات للقادر على الشراء بقيمة دينار للدولار فيكسبوا ثلاثة اضعاف ما دفعوا، ليدفعوا بها شبح الجوع عن أفواه مشرعة خلف أبواب بيوتهم التي أغلبها مشرعة بسبب عطل فني في القفل أو (الكولون). الجوازات التي يتم تغيير العملة عليها ويُختم لك أنك صرفت عملة أجنبية بقيمة "كيت" بتاريخ " كيت"، تم تعدادها فوجدوا أنها ثلاثة مرات أضعاف الشعب الليبي بحساب الاطفال والرضع، وعموما حسدوا الناس من هذا فقلصوه إلى تغيير عملة عام بعد عام وإن أردت التغير سنويا يشترط ان تتنازل على ثلثي القيمة. لا تقولوا أنها أزمة أخلاق وأقسم أبدا أنها لم تك كذلك فالدولة التي أستلمها امعمر كانت منظمة مؤسسة ودولة أخلاق وقيم لكنه هو وعصبته أو عصابته من دفع إلى هذا الوضع ليورط الجميع بتجويعهم ثم إعطائهم بارقة من أمل يحسبه الظمأن ماء أو غِذاء وهوالسراب بشحمه ولحمه. القذافي لم يبنِِ على الدولة المتطورة التي ورث بل هدم وأمعن في الفساد والإفساد وأطلق (لقطائه) (كلاب الدم) من لجانه الثورية ليعيثوا بليبيا فسادا ويؤخروننا الى نحو قرن ونيف (سابق)، لو حُذِفَ من تاريخنا سنعود لقرون عدة قبله نبحث فيها عن تاريخ حتما لن نجده، فما هو تاريخ ليبيا قبل وبعد السنوسية؟!

"مواطن بحكم (العصبان)" عنوان مقال لزميل لا اتذكر اسمه!

أكتشفت الدولة ذاك، وكان أسهل الحلول عندها الغاء تغيير العملة بالسعر المدعوم، ولا تعجبوا إن أخبرتكم أنه كانت هناك ثلاثة اسعار (رسمية) للدينار مقابل الدولار، وفق البنك المركزي ومزاجه. جاء الحل بعد نحو عقدين من التفكير و(الفكر)، فقد كنا أصحاب فكر ونظرية عالمية ثالثة وكتاب أخضر وخرقة خضراء ورجل أخضر منتصب مثل الديك يحتاج  كل يوم لتدليك، كما قال الراحل نزار قباني. من مناصريه،  وكان الحل السحري هو الكتيبات الخضراء!

أولا ستلغى كتيبات الموتى وبالتالي لا تُستخرج لهم جوازات، ثانيا يؤلفوا ويجودوا ويضيفوا ويحذفوا ويجعلوا من شاؤوا ليبيا ويخرجوا من شاءوا من جنة (الليبيية والتلييب)، وثالثا حضر عدد كبير من التشادية وأدعوا أنهم ليبيون ينتموا للقذافة والمقارحة وغيرهم، ومن يجرؤ، بعد ذاك، أن يقول عن نيجيري أو مصري أو تونسي انه ليس قذافي؟! وبالمناسبة تضخم عدد قبيلة القذاذفة بشكل خرافي لا يحتمله أي إحصاء سكاني! أخبرني إبن رئيس (القيادات الشعبية) في بنغازي وكان زميل عمل، وبنغازي ليست منطقة آهلة بالقذاذفة، أن القذاذفة كانوا يسمون (أعمور) أو أولاد عمر العائلة الاكبر فيهم وأن هناك عائلات منقرضة قبل "الفاتح"، وليلة "الفاتح" تحديدا، كان القحوص (الفرع الذي منه امعمر) عبارة عن 19 أسرة والعمور 140 أسرة فيما العائلات الثلاث الاخرى لا تتعدى أسرة او أسرتين وأصبحوا في العام ألفين يتجاوزوا 170 ألفا، وأخيرا الموريتانيون الذين أحضرهم امعمر وتبناهم ودربهم ودافعوا عنه في الحي رقم 2 بسرت، وماتوا دونه،  كان لابد أن يكونوا ليبيين أبا عن جد، وحصل وأصبح إسمهم يكتب في خانة (الفئة الف) ومعنون بمواطن وحسب وليس كمثل كل سكان برقة عدا الطيب الصافي ورجب صالح وبقية الصياع والمجرمين، مواطن بحكم القانون. لا أقول هذا إنتقاصا من قبيلة القذاذفة التي أعرف بعض منهم وهم أناس في غاية الروعة والاحترام والكرم وعموما نال هذه القبيلة من القذافي مانال الليبيون!

أخر الاحصائات (الغير منحازة) جرت عام 1963 وقبلها 1954 وقبلها احصائات الطليان واخيرا مسح سكاني بالمملكة عام 1967م وما جاء بعدها كله تزييف في تزييف وفق ما يطلبه المستمعون (القذافي) وكلها كاذبة زائفة فتارة يقفز الاحصاء الثاني في عهد القذافي إلى نمو بضعفي عدد السكان ثم يتراجع هذا النمو بعد عشر سنوات الى 25% ثم 10% بحسب آخر احصاء. وبالمناسبة غوغاء القذافي الهاربين لمصر أحرقوا اهم سجلين في اي دولة وهما السجل العقاري كي تنتفي الملكية وتفصل بأمزجتهم وجزء من السجل المدني ذاكرة أي دولة وتاريخها وديموغرافيتها وحضارتها.

لعن الله الفضول رغم أنٌهُ إنْ كان استقصائيا علميا فهو محبذ، فقد بحثت عن معنى "مواطن بحكم القانون" الذي قرأته كتعريف لصفة والدي في هذه (الدولة القراقوشية)، عام 2008م وسالت و"اطقست" وكنت أعرف محاميين جهابذة أعطاني أحدهم الدستور الليبي المعدل 1951 لعام 1963م بكل قوانينه المنظمة والتي فاقت الف صفحة فيما الدستور خمسين ورقة من (الجنبين). ذهبت لباب التجنس والجنسية وقرأت المواد العريضة فوجدت أن معنى مواطن بحكم الدستور أربعة أولها الإنسان مجهول الاصل أو اللقيط المولود في ليبيا او العائد غير المعروف رغم شهادة الشهود وتبني قبيلة له او المقيم منذ فترة وتحصل بحكم القانون على جنسية ولا أتذكر الرابعة.

حزنت كثيرا، أن أصبح جدي علي مواطنا (متوفيا) بحكم القانون رغم أن الرصاصة التي شاهدتُها تسكن جسده من الطليان وجاورته في قبره تشهد له أنه مواطن ليبي، وبالتأكيد ستجادل عنه يوم الحساب، بل أن عمر المختار لو إمتد به العمر وعاش سيكون مواطنا بحكم القانون هو ورفاقه الذين قاوموا المستعمر الايطالي، هذا إن لم يتهمهم ميلاد الفهي وبوكراع بالرجعية والعمالة وزجوا بهم في السجون كما زجوا بكبير رفاق الملك إدريس السنوسي وكبير قادة أكبر أدوار الجهاد تحت لواء عمر المختار المعقود له من السنوسية، المجاهد عبدالحميد العبار،وماذا تنتظروا من (دولة أسف عصابة ساقطة) تنكرت لمؤسسها الملك إدريس وسحبت عنه الجنسية ونبشت قبور أبائه وأجداده؟!فيما من أحضرهم امعمر من كافة اصقاع الارض وتبناهم مواطنين ليبيين أقحاح وليسوا (بحكم القانون). ففعلت كما فعل ذلك التلميذ الذي توقع سؤال عن الدودة في الامتحان النهائي فحفظها عن ظهر قلب وفوجيء بسؤال عن الفأر فوصفه في عجالة، ثم أردف قائلا وله ذيل يشبه الدودة: أما الدودة فهي... وأستفاض بما حفظ للنهاية. غاضه أنه بعد هذا الجهد الجهيد من الحفظ والتوقع يضيع عمله هباءً منثورا. أصبحت أعلق على أي موضوع في الصحف الالكترونية وأعود لقصة المواطن بحكم القانون حتى كلفوا احد رؤساء المحاكم العليا بالشرح والإسهاب فقام بكتابة أكثر من باب في هيئة مقالات سبع عصارتها وزبدتها (مجازا) أن ليبيا كانت في إستقلال مزيف وقبلها تحت وصاية بريطانيا وقبلها تحت الإستعمار الطلياني الفاشيستي وقبله "الاستعمار" التركي وقفزوا عن القره مانللية وذكروا فرسان القديس يوحنا وقبلها الدولة الحفصية (التونسية) والاثنين في الجزء الغربي المصنف (فئة ب) في الكتيبات الى أن أوصلونا لفترة حكم الإغريق لبرقة والفنيق ومن خلفهم الرومان لطرابلس. إذا بالمفهوم القانوني لا توجد ليبيا وبذا لا يوجد ليبيون!

كتبت مقالا بعنوان "فذلك لأن... فذلكات"، منشور بموقعنا هذا، تطرقت في فقرة منه لهاتي "السبع الطوال"، طالبت فيه "تكريمنا"، بناء عليه، بإحدى جنسيات الدول المحتلة،  وبعدها أجد مجموعة صريحة من المقالات من عدة كُتٌابٍ تتناول الموضوع بوضوح في المضمون والعنوان، واحد منها معنون " مواطن بحكم العصبان" والعصبان أكلة ليبية (قحة) يوجد مثيلها في مصر لكنه ليس كمثل العصبان الليبي في لذته ووجاهته أيضا، والمقال يذهبُ صاحبُه إلى أن الأكل هو أيضا (ثقافة وحضارة) تعبر عن الهوية الوطنية، وبذا فهو شاهد إثبات عن الهوية والليبية. وهو ما تحدثت عنه سابقا في المقدمة. عموما بعد أشهر أراني إخوتي كتيب الوالد وقد مسحت منه كلمتي بحكم القانون مستخدمين "الكورٌيكتر".

يتبع 3...







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز