كمال محمد
kamel.mebarkia@rwth-aachen.de
Blog Contributor since:
19 June 2020



Arab Times Blogs
القيمة السياسية للأنظمة...

إنّ قيمة الأشياء أيا كانت تتحدّد في أغلب الأحيان بمدى فائدتها و وظيفتها و كيفية إتمام هذه الوظيفة أي مقدار فعّاليتها. فالقيمة إمّا مادية و إمّا معنوية.  فهناك من الأشياء ما قيمته مادية أكثر منها معنوية و منها ما قيمته معنوية أكثر منها مادية. فالحاسوب له قيمة مادية هي نفسها قيمته النقدية و تصبح له قيمة معنوية إذا إحتوى على صور شخصية أو ملفات لأعمال فنية. بينما القانون له قيمة معنوية لها أثر على الجوانب المادية. ويصبح للقانون قيمة مادية إذا جرى تطبيقه في الهيآت القضائية و المحاكم فالمحامي و القاضى و الوكيل كل له ثمن عند التعامل معه.  إلا أنّ هذه القيم ( جمْع قيمة :معنوية و مادية) تتعرض لإنحراف شديد بسبب عوامل موضوعية و غير موضوعية فتنقص هذه القيمة أو تزيد عن القيمة الحقيقية و يصبح  تقدير قيمة الأشياء إشكالية عملية  أكثر منه إشكالية نظرية خاصة إذا تعلق الأمر بالأشياء المعنوية كالقانون و نظام الحكم و الديمقراطية و التسيير...إلخ.

و لمّا كان نظام الحكم يتعلق بالتطبيق، فقيمته مبدئيا لا يمكن رصدها إلا بعد تطبيقه. فلا يمكن أن نحدد قيمة نظام الإخوان الفائز في الإنتخابات المصرية ( 2012م) بعد فوز الدكتور محمد مرسي (رحمه الله) وهو لم يؤتى سعة من الزمن ليحكم أو أنْ نحدد قيمة حكم الجبهة الإسلامية للإنقاض في الجزائر (1991م) وهي لم تحكم أصلا. فكل من يطعن في هاتين التجربتين سياسي حاقد إستأصالي غير موضوعي، لأن قيمة التجربتين السياسيتين ما أمكن تحديدها. فقيمة المشروع السياسي قبل الحكم (قبل التطبيق) هي نفسها عدد المؤيّدين لهذا المشروع و التي تظهر بعد الإنتخاب النزّيه و هي القوة الإنتخابية (القاعدة الإنتخابية) أو البيعة التي توصل الى الحكم الذي يكون له ولاء وشرعية  أكبران.  لكن عندما يباشر النظامُ الحُكمَ، تكون قيمته حصيلة نتائجه. فكلما حقق تنمية و رفاهية مع عدالة إجتماعية كانت قيمته أكبر إذا كان في إطار أخلاقيات إنسانية محددة.

فإذا إعتبرنا أنّ نظام الحكم مجموعة من الوحدات الوظيفية التي ترمي و تهدف الى تحقيق التنمية و الرفاهية و إسعاد المجتمع الذي تسوسه، كانت قيمته السياسية مجموع قيم الوحدات المكونة له إن كان التركيب خطيا. فالحكومة ، الوحدة الأساسية، تعمل على تنفيذ ما يقر و يراقب البرلمان و السلطة التشريعية تسن القوانين التي تنفذ في إطارها كل التوصيات و المراسيم و الإجراءات الحكومية. و تأتي العدالة لتفصل في التجاوزات بين كل الوحدات المؤسساتية و حتى  الفردية داخل المجتمع. فإذا عمِلت كل مؤسسات نظام الحكم بطريقة ميكانيكية صحيحة  و لم تتحقق نتائج، فإن الخلل موجود في مكان آخر. ولأن النظام شكل( ملكي، جمهوري، رئاسي، برلماني)  و مضمون(شيوعي، فاشي، رأسمالي، لبيرالي، إسلامي...) و تطبيق( كفاءة الإنسان) في سياق حضاري معين (الدين، العرف، العادات، التاريخ،...) فأغلب الظن أن يكون الخلل في المضمون أو/و التطبيق لأن أثر الشكل و السياق مهمل الى حد ما. فالمضمون يتعلق بالإيديولوجية و التنفيذ أو التطبيق يتعلق بالإنسان و كفاءته. قد يكون المضمون جيدا و لا يُحسن تنفيذه فتنخفض قيمة هذا النظام الحاكم حينئذ.

و لما كان النظام السياسي نظري( حالة مشروع حكم) و تطبيقي ( حالة نظام حاكم) ، و إنطلاقا من أن المشروع النظري الجيد(أي ذو القيمة السياسة الكبيرة) يؤدي الى نتائج جيدة إذا كان التنفيذ صحيحا ، أمكن تقييم النظام السياسي سواء قبل الحكم (مشروع) أو بعد الحكم لأن نتائجه المُحصَّلة تنبئ عن ماهيته. هنا تُطرح إشكالية: هل كل نظام سياسي يحقق نتائج جيدة (تطور، نمو،رفاهية، عدالة إجتماعية،...) هو نظام جيد؟ أبدا، هذا ليس دائما صحيحا عندما يتعلق الأمر بالجانب الأخلاقي.

فتقييم النظام السياسي  برصد نتائجه يعتمد على عدة معايير كلية قد تكون  في كثير من الاحيان غير خطية وتؤدي الى إنحراف التقييم. من بين هذه المعايير ما يلي: نسبة البطالة ، إذ بالشغل يُضمن للإنسان كرامته بكسب لقمة العيش. نسبة الجريمة الغير أخلاقية،و هي جرائم القتل لأجل المال و السرقة و الإحتيال و الرشوة و التهرّب الجبائي و الغش في البيع . العدالة الإجتماعية، و التي تبين التوزيع العادل للثروة  و الوظائف فلا نجد كمشة من الجنرالات تملك أكثر الثروة بسطوتها أو منطقة معينة تسطو على جل الوظائف. الدخل القومي، و الذي يحدد كمية الإنتاج. معدل النمو، و الذي يوضح مقدار التضخم أو الركود الإقتصادي. نسبة الفساد المالي السياسي ، و الذي يمثل النشاطات الإقتصادية و المالية لرجالات الدولة او للنظام الحاكم، كأن نجد رئيس حكومة يملك شركة نقل أو نجد جنرال يملك شركات تأمين أو شركات إستراد  أو نجد وزيرا يملك شركة توفير خدمات المِشباك (الأنترنات) ، كل هذا ينْجَّر عنه فساد عظيم فيما يخص التوظيف و الجباية و الرشوة و شراء الذمم و أكل المال العام ...ولا أحد يحاسبه فحاميها حرا ميها. و عندما يخفق نظام سياسي ما، يلجأ الى زيادة عدد افراد الشرطة للسيطرة على الوضع و يكون عندها  نسبة  عدد أفراد الشرطة الى عدد السكان معيار آخر لتقييم نظام سياسي معين ( يكون لدينا مفهوم النظام البوليسي). كل هذا يتعلق  بأثر النظام الحاكم على الجانب المادي للمجتمع او الأثر الإقتصادي.

بينما هناك معايير لا تقل أهمية عن الجوانب المادية و هي تلك المتعلقة بالجوانب المعنوية الأخلاقية و هي: حرية الرأي و الإعلام، الذي بموجبه يُقيّم النظام نفسه أي يضمن النظام نقده و إلا فهو فاشي. التوجه الحضاري، و هنا يتعلق الامر بالقيم الحضارية للمجتمع وموروثه الثقافي. تعمد بعض الأنظمة العربية إلى الإعتماد على سياحة الدعارة و الخمور و أخرى الى إفساد المجتمع بالمخدرات و الإعلام الهابط من رقص و غناء وفجور و إظهار كل هذا  على أنه ثقافة و فن!  هذا ضد دينها الإسلامي و توجهها الحضاري. نسبة الجريمة الأخلاقية ، كالزنا و  قتل الفروع و الأصول و عقوق الوالدين. قيمة العلم و العلماء، فقيمة العلماء و العلم عند نظام سياسي ما، هي نفسها قيمته و هذا نرصده في المدرسة والجامعة و المدّرس و الباحث. الدين كونه الموجه الأخلاقي للأخلاق،  فالنظام  الذي يهتم بدين المجتمع إنما يهتم بأخلاقهم و سلوكهم...قد تقضي على كثير من الإجرام إذا أنشأت إنسانا صالحا. العدالة السياسية او الديمقراطية، و هذا ما يضمن لكل فرد و لكل توجه او حزب ان يحكم و يصبح نظام سياسي حاكم إذا قبله المجتمع ليس بالتزوير ولا بالمال.

تلك كانت بعض معايير تقييم نظام سياسي حاكم ما. فيخطأ من يرى قيمة نظام سياسي في الجانب المادي فقط. نرى كثيرا من علمانيينا يرون أنّ العيش على الطريقة الفرنسية أو الأمريكية أسمى ما يطمحون له و نسو الجوانب الأخلاقية للأنظمة السياسية. إذا كانت الأنظمة العَلمانية تحقق نمو و رفاهية و عدالة إجتماعية فلا يعني هذا أن لها قيمة سياسية كبيرة و جيدة! انظر ماذا تفعل فرنسا في إفريقيا، تسرق الثروات ليموت شعب و يعيش شعب آخر، و هاهي أمريكا مصدرة الديمقراطية تدعم أكبر ظالم في العالم و هو المحتل الصهيوني. أقصد ان النظام الذي يُطعم شعبه من الميتة و الدعارة و السرقة و الربا والمخدرات و تجارة البشر و كل ما هو حرام ليس له أية قيمة سياسية و لا إنسانية عندما لا يُراعى الإنسان أيا كان هذا الإنسان.

فمضمون النظام هي قِيمُه و تطبيقه يحتاج الى إنسان صالح. لا نرى من بين كل هذه الأنظمة السياسية الحاكمة نظاما ذو قيمة فعلية بمضمون حضاري إنساني  إلا النظام الإسلامي الذي يُحارَب في عقر داره من العلمانيين  و خارجها من الماديين الملحدين.  لا نقصد محاربة الدين الإسلامي بل محاربة النظام السياسي الإسلامي و إظهاره على أنه غير صالح للحكم. فالنظام الإسلامى بكل مفاهيمه يحقق الجانب المادي للمجتمع من رقي و رفاهية و عدالة إجتماعية ، كل هذا في إطار أخلاق إنسانية رفيعة متوازنة.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز