كمال محمد
kamel.mebarkia@rwth-aachen.de
Blog Contributor since:
19 June 2020



Arab Times Blogs
مفهوم الأمن الحضاري…الذاكرة الحضارية!

سعت كل الحضرات عبر التاريخ أن تحافظ على مكتسباتها وقيمها ونفوذها في جغرافيتها الطبيعية. فأنشأت الشرطة للمحافظة على الأفراد والممتلكات، والجيش للحفاظ على الحدود والذود عن المقدسات. وحتى يستقر الوضع وتستمر قوة الحضارة كان الأمن الغذائي والأمن الصحي والأمن الإقليمي والأمن القومي والأمن الإستراتيجي على سلم الإهتمامات. ولما ضاع الأمن الحضاري الذي نحن بصدد تعريفه لأول مرة، إندثرت جل الحضارات وأضحت دولا ومماليك همّها المحافظة على الكرسي والملك. و إقتصر الأمن حيذئذ على قمع الشعوب و سجنها ولو على حساب التوجهه الحضاري  ِلهذه  الشعوب بغية الإبقاء على الحكم. فالأمن الحضاري يكون في ذروة الخطر عندما يكون كل الأمن  في خدمة الحاكم وليس  في خدمة الحضارة.

يبدو من هذا التقديم أنّ مفهوم الأمن الحضاري يتعدى و يسمو  أمن المحافظة على الحاكم والحكم وإن كان المحافظة على هذا الأخير من الأمن الحضاري إذا ما كان الحكم يصب في إتجاه التوجه الحضاري  للشعوب. فالأمن الحضاري يحفظ إما الحضارة وإما الذاكرة الحضارية للشعوب حتى تعاود النهوض بعد الإندثار و التمكن بعد الدمار. فالأمن الحضاري يحفظ الجانب الفكري و الرّوحي من الحضارة الذي بدوره يحفظ جانبها المادي حتى في غياب الحضارة. فالعالم الإسلامي اليوم ليس له حضارة ملموسة مُمَكّنة ولكن يخطأ من يعتقد أنّه بدون حضارة لأن الحضارة ما هي إلا أفكار و مشاريع متى سنحت الفرصة أُخرجت للناس. فمجموع القيم والأفكاروالتوجهات و أدبياتها التي تمثل وجدان الشعوب كلها تقع في دائرة الأمن الحضاري.

هب أنّ شعب الجزائر أصبح كافرا بعد 100 سنة! ما الذي حدث ؟ مع أنّ الدولة بقيت بحدودها و حكّامها! أي لم تذهب الجزائر ككيان جغرافي دولي ولكن التوجه الحضاري للشعب تغير! إذا حدث هذا ، معنى ذالك أنّ الأمن الحضاري أخفق في صد الهجوم الفكري لحضارة أخرى ! فصراع الحضارات يُعمّربألاف السنين (فلا نراه مع قصر أعمارنا) و ينتهي إلى الحضارة صاحبة الرؤية و الأفكار المقنعة الصحيحة ولا يكون العلم بالمفهوم المادي من أدوات الصراع بل علوم الإنسان هي من يحدد الفائز!

فإذا لمسنا مفهوم الأمن الحضاري، فهاهي مجالاته:

المنظومة التربوية وعلاقتها بالأسرة، الثقافة و علاقتها بالمجتمع، الجامعة و علاقتها  بالبحث العلمي و خاصة ما تعلق بالعلوم الإنسانية، الإعلام وعلاقته بسوق المال، نظام الحكم و علاقته بالسياسة االخارجية، كل هذا يجب أن يراقب تحت سلطة أعيان الأمن الحضاري لئلا توجّه حضارتنا إتجاه الشياطين  ممّن يدعون إلى العلمانية المقيتة  التي تورد المهالك وفي الآخرة عذاب عظيم.

هذاما أحسبُه مجال جديد من مجلات العلوم الإنسانية كي يدرس وتوضع له نظريات وأدوات لدراسته.

الأمن الوجودي المادي لا يقل شأنا عن الأمن الوجودي الوجداني! بعد ألاف السنين قد يكون إنسان بلا وجدان أي لا قيم، لا عاطفة، لا رحم ، لا أسرة ،لا أب ،لا ولد، لا شعر و لا أدب ، لا حلال و لا حرام، لا قانون و لا قيد . حيث يتنصل من حضارته الإنسانية الروحية  شيأ فشيئ فيصبح كل من على البسيطة كالبهائم بل أضل.








تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز