حسين حسين
hussainalwanhussain1951@yahoo.com
Blog Contributor since:
17 April 2020



Arab Times Blogs
عماية البصيرة في مقالة نضال نعيسة / 1-5

بتاريخ 27 نيسان ، 2020 ، نشر الأستاذ نضال نعيسة المحترم على موقع جريدة "عرب تايمز" الغرّاء كلمته الهجائية المعنونة :" خرافة وكذبة الحضارة العربية والإسلامية " التي تفوح كل كلمة فيها بالمعاداة العمياء للعرب و للمسلمين ، و إن كانت لا تتجاوز مديات مصداقيتها للأسف مصداقية الهجاء في هذا البيت الشعري :

و لو أن برغوثاً على ظهر قملة  *** كرّا على صَفّي تميمٍ لولَّتِ

حتى خلت عند قراءتها أننا ما نزال نحيا في عصر براغيث و قمل النقائض القروسطية ، و ليس في القرن الواحد و العشرين  .

لأبدأ من نص العنوان "خرافة وكذبة الحضارة العربية والإسلامية" الذي يقرر مسبقاً بأن الحضارتين "العربية" و "الإسلامية" هما ليسا أكثر من مجرد "خرافة" و "كذبة"- كذا ! طيب ، و لكن ما هي مسوغات هذا "القرار" التحكمي الكاسح و الخطير الذي يشطب بجرة قلم كيفية على حضارتين متميزتين للبشر ؟ و كيف يمكن لشخص عاقل أن يتوهم للحظة بأن أكثر من ملياري إنسان من مسلمي العالم اليوم يحيون - مثل أجدادهم القروسطيين - في حالة من اللاحضارة – كذا ؟ أي أنهم "حضارة سز" على وزن "أدب سز" ؟  يا عيب الشوم ! و بالمقارنة ، فإننا  نسمع و نقرأ كل يوم عن "الحضارة الشامانية" ، مثلاً ، و هي التي تتمحور حول الدين - الواجب الاحترام مثل كل دين آخر من طرف كل إنسان عاقل متحضر فعلاً لا زعماً - الذي يؤمن به و يمارسه حوالي تسعة ملايين من البشر المنتشرين في كل أصقاع الكرة الأرضية . و هم يؤمنون بأن العالم المرئي مملوء بالأرواح الخيرة و الخبيثة غير المرئية التي تؤثر في حياة الأحياء ، و التي يمكن التواصل معها عبر ترك الشاماني لجسده للدخول في ملكوت العالم الخارق للبحث عن الإجابات عن همومه ، مع استخدام صور الحيوانات كمرشدات روحية و كحوامل للرسائل لتلك الأرواح . نبحث في "غوغل" عن العنوان : "الحضارة الشامانية" (Shamanic Civilization) فنحصل على حوالى (٧٢٧٬٠٠٠) نتيجة ! أما إذا ما بحثنا فيه عن العنوان "الحضارة الإسلامية" (Islamic Civilization  فسنحصل على حوالى (٣١٬٦٠٠٬٠٠٠) نتيجة ! 

كلا ، يقول لنا نضال نعيسة ، إنما الغوغل كائن خرافي كذاب ، أما الدليل الساطع القاطع فهو عنوانه "خرافة وكذبة الحضارة العربية والإسلامية " الواجب التصديق من طرف كل من يمتلك ذرة من عقل سليم ، إلا من الجاحدين الكفار ! صدق الله العظيم !

و الصحيح و الثابت تاريخياً هو أنه لم و لن يوجد أي شعب على مر التاريخ قط بدون حضارته الخاصة به ، لكون الحضارة إنما هي الوجهُ الآخر للمجتمع – كل مجتمع – التي يُظهر فيها جوانب قوّته و ضعفه .

(و بالمناسبة ، لا بد من تذكير الأستاذ نضال نعيسة المحترم بأن مقاله هذا يقطر بالتمييز العنصري و بنشر الكراهية ضد واحدة من أكبر المجموعات العرقية و الدينية في العالم ، و هذا فعل جرمي يحرّمه القانون الدولي و المحلي "المتحضر" بأغلظ العبارات !)

و لكن لا ! لا بد للأستاذ نعيسة دلالاته و علاماته و براهينه على هذا " الخرط " ! ما هي هذه الدلالات و العلامات و البراهين ؟ نقراً له هذا النص :

" بالمطلق لا يوجد هناك بالتاريخ شيء اسمه حضارة عربية وإسلامية صنعها وأنتجها من يسمون بالعرب المسلمين دواعش يثرب وسكان الصحراء الغزاة، فالحضارة بالدرجة الأولىى منظومة قيم وأخلاق وثقافة ومثل عليا افتقر لها هؤلاء كثيراً في حياتهم القبلية البدائية بالصحراء التي اتسمت بشظف العيش والخشونة والغدر وقلة الأصل وحيث انتشر وساد نمط الإنتاج البدوي أي الغزو والسبي والقتل والقنص والسطو والدعارة الجماعية(جمع عشرات النساء) والتي وضعها فيما بعد مؤسس الإسلام في قالب نصي مقدس ومعدل زمقونن أطلق عليه اسم دين الإسلام. "

إنتهى اقتباسي الأول من نص الأستاذ نعيسة المحترم . أين تكمن مشكلة نعيسة في هذا النص ؟ المشكلة مركبة و متشعبة الأبعاد و تؤشر بجلاء ليس فقط الجهل المعيب بألفباء تاريخ العرب و بالإسلام ، بل و كذلك بماهية الحضارة و بأنماط الإنتاج على حد سواء .

أبدأ بنمط الإنتاج الآسيوي القديم . من المعلوم أن نمط الإنتاج هذا كان يعتمد على البيئة أساساً : وديان الأنهار الخصبة و الهضاب المطيرة التي تسمح للإنسان بالإنتاج الزراعي و إقامة المستوطنات العمرانية الكبيرة و الممالك المتحضرة القائمة على تنظيم الري جماعياً من ناحية ، و الصحارى القاحلة التي لا تسمح بالإنتاج الزراعي و لا بالاستيطان الحضاري ، بل بالإنتاج الرعوي (و ليس البدوي) حصراً عبر الترحال بحثاً عن الكلأ و الماء للماشية ، من ناحية أخرى . و الفرق بين هذين النمطين من الإنتاج شاسع و واضح ، و إن عمد الأستاذ نعيسة المحترم للفلفته لغوياً لغاية في نفس يعقوب : شطب الحضارة العربية بجرة قلم ! لذا ، يجد الدارس للتاريخ أن شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام قد عرفت كلا هذين النوعين المتكاملين من النشاط الاقتصادي : الزراعي و الصيد البحري في اليمن و عُمان و تلمون (قطر ، البحرين ، الإحساء و القطيف و الهفوف و تيماء و غيرها من الواحات و السهول) ، و الرعوي في البوادي و جبال العسير و الحجاز و نجد . و كان البدو العرب متواجدين في العراق و سوريا و فلسطين و الأردن و مصر و السودان و في غيرها من المناطق ، و ليس في شبه الجزيرة العربية فقط . كما كان أسلوب الإنتاج الرعوي – و ما زال – موجودا في كل أنحاء العالم من اليابان إلى الأميركتين ، و ليس فيه ما يعيب ممارسيه لكونه ضرورة اقتصاجتماعية لازبة . و إلى جانب هذين الشكلين من الإنتاج ، تواجدت تجارة أنواع الطيب و اللبان و الأحجار الكريمة والذهب و المحاصيل الزراعية بين الشمال (آسيا الصغرى و الهلال الخصيب و مصر) والجنوب (اليمن و عبرها الهند ) ، مما ساعد بإقامة المدن المتحضرة و الممالك التجارية على طريق القوافل هذا ، و منها تدمر و البتراء و تيماء و ينبع و يثرب و مكة و الطائف و جدة ، علاوة على تعز و الحديدة و عدن . هذه المدن كانت أكثر تحضراً في القرن السابع الميلادي من لندن و طوكيو و موسكو و برلين و نيويورك في نفس ذلك التاريخ (إذ لم يكن أياً منها قد تأسس بعد آنئذٍ) .

و مثلما امتلك سكان المدن العربية "منظومة قيم وأخلاق وثقافة ومثل عليا" ، كذلك امتلك بدو العرب - قبل الإسلام و بعده - مثل هذه المنظومات ، و أهمها قيم الشجاعة و الكرم و إغاثة الدخيل الثابتة تاريخياً ، و هذه القيم يفتقر إليها جونسن و ماكرون و ترامب و بولسونارو اليوم . أما الغزو المحلي و من بعده الفتح الخارجي ، فقد كان أشرف بما لا يقاس من الاستعمار الأوربي للأميركتين و لعشرات البلدان في أسيا و أفريقيا و استراليا ، على الأقل لأن العرب لم يبيدوا سكان البلدان المحتلة مثلما فعل الأسبان و البريطانيون في الأميركتين و أستراليا عندما أبادوا أكثر من مائة شعب و حضارة أصيلة . لماذا أشرف ؟ لأنه - داخلياً - كان الملاذ الأخير المتاح للبقاء على قيد الحياة في سني القحط في صحارى شبه الجزيرة العربية القاحلة لكون البدوي العربي الشبعان كان لا يغزو جيرانه قط  - عكس "المتحضر" الاستعماري ، و كان الاشتباك في سوح المعارك يتم رجلاً لرجل بالسيف و الرمح و السهم ضد السيف و الرمح و السهم ، و ليس بالضرب الجبان عن بعد بالبنادق و الرشاشات و المدافع بهدف الاستعباد و نهب الثروات الطبيعية و فتح الأسواق المحلية مثلما فعلت دول الاستعمار البربرية بكل معنى الكلمة . أما خارجياً ، فلنأخذ مثلاً فتح الأندلس ، حيث أبقى الفاتحون العرب على المسيحيين الفرنجة فيها و اتخذوا من يهودها وزراء لهم ؛ و عندما عاد الفرنجة للحكم فيها ، أبادوا كل العرب المسلمين عن بكرة أبيهم و معهم اليهود . أين هم مسلمو و يهود الأندلس الآن ؟ من الذي أمتلك " منظومة القيم والأخلاق والثقافة والمثل العليا " ، العرب المسلمون أم مبيديهم الفرنجة في الأندلس ؟ و هل استطاع الفرنجة هؤلاء تشييد القصور العظيمة و الجامعات في غرناطة و قرطبة و ملقا و أشبيليا و مئات القلاع و قنوات الري التي شيدتها الحضارة الاسلامية في الأندلس ؟ التاريخ يجيب بالنفي .

ثم نأتي إلى عبارة "دواعش يثرب وسكان الصحراء الغزاة" المضحكة المبكية . و نسأل : هل الدواعش هم من إنتاج مدينة يثرب التجارية ؟ الجواب القاطع هو : كلا بالطبع ، لكونهم من إنتاج السي آي أي و آل سعود (و جدهم هو : مردخاي) و الموساد و كلهم ليسوا من العرب ، بل هم ممن لا رابط يربطهم بأي شيء يمكن تسميته بالحضارة ، اللهم عدا "بربرية إبادة الغير" عبر اتباع سياسة "فرّق تسد" المستعارة من العنجهية الأنجلو سكسونية . ثم نسأل : هل كانت مدينة يثرب حاضرة من حواضر "سكان الصحراء الغزاة" مثلما يزعم الأستاذ نضال نعيسة المحترم ؟ الجواب الثابت تاريخيا أنها كانت مدينة تجارية كبيرة يحكمها الأوس و الخزرج و هما قبيلتان يمانيتان ، شأنها في ذلك شأن مكة ، مدينة قريش اليمانية الأصل هي الأخرى ، و ليس بدو الصحراء الذين يسكنون الصحارى و ليس المدن ، و إلا لسموا بالحضر ، و ليس البدو .

أما موضوع تشريع "الدعارة الجماعية" فهو موجود بهذا الشكل أو ذاك في كل الحضارات ، قديمها و حديثها بلا استثناء ، من المشاعة البدائية إلى اليوم ، و العرب ليسوا استثناء . بل هم أكثر واقعية في ذلك من كل الحضارات الأخرى تقريباً ـ على الأقل لتقنينهم إياه على نحو معقول في ضوء العادات السائدة وقتئذ و ليس ترك الحبل على الغارب مثلما هو حاصل الآن في الغرب . إبحث على الغوغل عن ساعي البريد "باتريك كليفتون" الذي كشف الفحص الطبي للمورثات الجينية أنه الأب السري لغالبية أطفال مدينة غرينديل . أيهما أشرف : قوانين الزواج الإسلامية التي حرّمت الزنا ، أم هذا الزنا السري الجماعي "الحضاري" ؟ من قتل بعد الزنا بالمتزوجة مارلين مونرو ، أليسا هما "المتحضِّرين" الزانيين بها جون و روبرت كندي ، أم هم بدو الصحراء ؟

ثم تأتي الجملة : "والتي وضعها فيما بعد مؤسس الإسلام في قالب نصي مقدس ومعدل زمقونن أطلق عليه اسم دين الإسلام" . و مشكلة الأستاذ نضال نعيسة المحترم في هذه الجملة - عدا الأخطاء الإملائية التي تزري حتى بطلبة الثانوية -  أنه يحاول - فاشلاً فشلاُ مخجلاً - الإساءة غير المبررة للنبي محمد و هو أحد أعظم المصلحين في تاريخ العالم ، و اتباعه يزيدون اليوم على ملياري إنسان . طيب ، لما كان الأستاذ نعيسة يعتبر نفسه أكثر تحضرا في القرن الواحد و العشرين من النبي محمد في القرن السابع ، فليجترح ديناً جديداً أحسن من الإسلام يؤمن به مائتا شخص فقط ، و ليس ملياري إنسان مثل دين محمد اليوم لكي نصدق زعماته فنسميه "النبي نعيسة من آخر الأزمنة التعيسة" ، و لنرى كيف ستتكفل عبقريته بحل عقدة العلاقات الجنسية المستعصية منذ الأبد بين البشر ؟







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز