حسين حسين
hussainalwanhussain1951@yahoo.com
Blog Contributor since:
17 April 2020



Arab Times Blogs
الماسونية (البنّاؤون الأحرار) / تكملة

ثالثاً / التنظيم الماسوني

الوحدة التنظيمية الأساسية للماسونية هي "المحفل" (The Lodge) المحلي الذي يعتبر العمود الفقري لها حيث يتوجب على الماسوني أن يبدأ عضويته من خلال قبوله في واحدٍ منها ، إنما باستثناء الدرجات الشرفية التي تُمنح لعلية القوم و تسمّى درجة "السيد المنصَّب" الخاصة . مثلاً ، كانت المحافل السبعة الموجودة في العراق (ستة منها في البصرة و واحد في بغداد) قبل ثورة 14 تموز ، 1958 – و كلها كانت ترتبط بالمحافل الثلاثة الكبيرة في بريطانيا – تنصَّب الأمير عبد الإله بن علي الهاشمي (خال الملك فيصل الثاني) سيداً أكبر عليها جميعاً كي تحظى بمباركته و دعمه لنشاطاتها طبعا ً( رغم أن صفة "الفرمسولي" ترتبط في أذهان أغلب أفراد الشعب العراقي بأشنع التصرفات !) . و عادة ما تكون المحافل الماسونية المحلية منظمات صغيرة تسودها شخصيات مؤثرة اجتماعياً تتوارث العضوية فيها  أباً عن جد لكون الماسونية ترفض اعتبار نفسها تنظيماً دعوياً مفتوحاً و متاحاً للجميع بل تعمل كتنظيم نخبوي سري و حصري .

و يجتمع أعضاء المحفل – و له رئيس و ضبّاط و بوّاب يُنتخبون دورياً كل سنة – على نحو منتظم لأداء المهام الروتينية المعتادة مثل تسديد الفواتير ، وتنظيم النشاطات الاجتماعية والخيرية ، وانتخاب الأعضاء الجدد ، و معالجة البريد وما إلى ذلك . كما يَعقد المحفل اجتماعات تثقيفية تُقدَّم خلالها المحاضرات التي عادة ما تتناول جانباً من جوانب التاريخ الماسوني أو طقوسه و تكيل له المدائح على نحو مُستهجن . و في ختام الاجتماع ، يُدعى الأعضاء لتناول الطعام في حفل عشاء رسمي فخم جداً يتباهى به الماسونيون ، أو لمشاهدة لوحة احتفالية ، تتضمن أحيانًا شرب الأنخاب و الغناء . كما تنظم اجتماعات اخرى لجمع التبرعات لشتى الأغراض و منها الخيرية ، وهذا نشاط يُحسب لها . و يتألف الجانب الأكبر من الطقوس الماسونية من الاحتفالات المكرسة لمنح واحدة من درجاته الثلاث المذكورة في الجزء الأول من هذه الورقة (بعض المحافل لديها درجات هرمية عديدة قد تصل إلى مائة درجة تتراكب على الأقسام الرئيسية الثلاثة) . و بعد أن يقدم المرشح البالغ سن الرشد طلبه بنفسه حصراً لقبوله في الدرجة الماسونية الأولى ، و حصوله على الموافقة المطلوبة بتحديد ميعاد له ، يلزمه أداء اليمين على الكتاب المقدس حسب دينه بما يشبه هذا النص :

"أنا ، سين صاد ، بإرادتي الحرة و برضاي التام ، و الله شاهد علي ، أقسم قسماً باتاً و صادقاً بالالتزام بعدم أفشاء كلمة السر المرفقة بهذا الالتزام لأي شخص ليس سيداً ماسونياً حقيقياً و شرعياً ، إلا داخل محفل شرعي ، في جلسة فعلية ، أو عند باب المحفل للحصول على الإذن بالدخول ؛ و بعكسه أضع نفسي تحت طائلة التعرض للعار فأدمغ بالخيانة إلى الأبد كرجل و أغدو محتقراً ومنحطاً ومطروداً كماسوني ".

و بعد أدائه لليمين ، تُعهد إليه كلمات المرور والباجات وإشارة السيطرة (المصافحات السرية) الخاصة برتبته الجديدة ، بضمنها إشارة الانتماء للماسونية و اشارة طلب المساعدة (إشارة الكرب) من الإخوان .

و عندما يصبح عدد المحافل الماسونية المحلية في الولاية أو الإقليم أو البلد ثلاثة فما فوق ، عادة ما يتم تكوين محفل أعلى منزلة يتولى الإشراف علي المحافل المحلية يسمى بـ "المحفل الكبير" (Grand Lodge) أو "المشرق الكبير" (Grand Orient) المستقل بذاته . و بسبب التنافس الشديد بين المحافل الكبرى حتى ضمن رقعة البلد الواحد ، فلا يوجد هناك محفل أكبر يشرف على جميع المحافل الماسونية في العالم ؛ بل نجد أن كل محفل كببر يحتفظ لنفسه بالاستقلالية  التامة . و يمكن أن يحصل الاعتراف المتبادل بشرعية المحافل الكبيرة العاملة الأخرى سواء كانت داخل بلده أو خارجه فيسمح بتبادل الزيارات ، و قد لا يحصل مثل هذا الاعتراف فتمنع بعض او كل مثل هذه الصلات ، غلى الأقل على المستوى القيادي ، رغم أن الحركة تنادي بأخوة كل الماسونيين في كافة أرجاء العالم !

و تشتمل الماسونية المعاصرة عموماً على مجموعتين رئيسيتين للاعتراف بالشرعية : "الماسونية المنتظمة" المحافظة و المؤسسة في بريطانيا و المنتشرة في مختلف أرجاء العالم ، و "الماسونية القارية" المتحررة و المؤسسة في فرنسا بتأثير بريطاني  أسبق ، و التي انتشرت بفعل الثورة الفرنسية في أوربا و الأميركتين . و تصر مجموعة الماسونية المنتظمة على أن يكون مجلد الكتاب المقدس مفتوحًا في المحفل العامل ، وأن يصرح كل عضو بإيمانه بكائن أعلى ، و بأن لا يتم قبول أي امرأة ، وأن تمنع مناقشة الدين والسياسة (الغالبية العظمى من أعضاء المحافل الماسونية في أوربا و أمريكا الشمالية هم من غير الكاثوليك و من البيض) . و في حال إزالة المحفل الكبير لبعض أو كل هذه القيود ، فسيعتبر عندئذٍ من ضمن نمط مجموعة الماسونية القارية "العصرية".
و في بريطانيا ، تدير هيئات منفصلة كل محفل ماسوني من خلال تشجيعه على الانضمام إلى ما يسمى بـ "القوس الملكي المقدس"  الذي يترأسه عدة ضباط ماسونيين يمكنهم الجهر بماسونيتهم إن شاءوا ، من بينهم "دوق إدنبره" ، و كذلك صاحب السمو الملكي "دوق كينت" بصفته سيدًا كبيرًا و العميد الأول لهذه الهيئة ؛ فنعمت الحرية و الإخاء و المساواة !

في أمريكا الشمالية ، أنشأ الماسونيون البريطانيون أول محفل ماسوني كبير لهم في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1731 ومقره في ولاية بنسلفانيا ، و في كندا عام 1739 و مقره نوفا سكوشيا . بعد استقلال الولايات المتحدة الأمريكية ، أصبح هناك محفل ماسوني كبير في كل ولاية . ثم برزت فكرة تشكيل محفل أكبر يجمع كل المحافل في الولايات مع منح جورج واشنطن (الذي كان عضوًا في محفل فيرجينيا) درجة أول ماسوني كبير ، لكن هذه الفكرة لم تدم طويلاً لمعارضة المحافل الكبيرة في الولايات تقليص سلطتها إن وافقت على الخضوع لمثل هذه الهيئة الفوقية .

و بالإضافة إلى الهيئات الرئيسية للماسونية المستمدة من التقاليد البريطانية ، هناك أيضًا عدد من الجمعيات الملحقة ذات الطابع الاجتماعي أو الترفيهي في المقام الأول ، و ليس لها مكانة رسمية في الماسونية بل تستمد عضويتها من الطبقات العليا في المجتمع و تنتشر بشكل خاص في الولايات المتحدة . و من بين هذه الهيئات المعروفة بأعمالها الخيرية مؤسسة "الرهبنة العربية القديمة لنبلاء الضريح الصوفي" ("الضريحيون") (  Shriners) التي تعتمد طقوس الصوفية العربية .

و كثيراً ما نقرأ في الأدبيات التي تعرض للماسونية (العربية خصوصا) ربطاً قسرياً بقصد الإثارة بينها و بين الحركة الإلمونية (illuminati) أو التنويرية – تلك المنظمة السرية التي تأسست في ولاية بافاريا الألمانية في القرن الثامن عشر و اندثرت تماماً في نفس ذلك القرن . فباستثناء الاهتمام المشترك بالطقوس وبالرمزية ، لا يوجد ارتباط واضح بين الماسونية البريطانية الناشطة و الإلمونية البافارية  المندثرة  منذ أكثر من قرنين ، و لا مع بروتوكولات حكماء صهيون .

و تنتشر الماسونية الآن في أغلب دول العالم ، باستثناءات معدودة كالصين الشعبية (موجودة في تايوان و هونكونغ) و الفيتنام و الباكستان و أفغانستان و إيران .. أما في العالم العربي ، فلا تتواجد حالياً إلا في لبنان و المغرب .

رابعاً / الدور السياسي للماسونية

مثلما سبقت الإشارة إليه ، فقد تزامن نشوء الحركة الماسونية في القرن الثامن عشر مع بزوغ نجم الرأسمالية في إنجلترا أولاً و من بعدها في فرنسا و ألمانيا و بلجيكا و هولندا و إيطاليا ، و كلها كانت إما دول استعمارية أو أنها ذات تطلعات استعمارية . لذا ، فقد كانت الماسونية (و ما زالت و ستبقى) واحدة من عديد التنظيمات النخبوية للبرجوازية الوطنية التي تلتزم عموماً بالدفاع عن المصالح الرأسمالية سواء كانت داخل بلدانها الأوربية أم خارجها في المستعمرات التابعة لها في الأميركيتين وأسيا و أفريقيا . و هذا يقتضي من الماسونية في البلد المستعمِر بريطانيا أن تدافع عن مصالح البرجوازية البريطانية ، في حين أن الماسونية في البلد المستعمَر – أمريكا مثلاً – مضطرة للدفاع عن المصالح البرجوازية الأمريكية لحاضنتها الاجتماعية . و لما كانت المصالح الاقتصادية بين الناهب و المنهوب متناحرة على الدوام  ، فقد تحولت الحركة الماسونية داخل بريطانيا إلى حركة رجعية تتمسك بالمصالح الاستعمارية لبلدها عبر المناداة بالحفاظ على الوضع القائم ، في حين أصبحت الحركة الماسونية في أوربا القارية و إيرلندا والأميركتين فصيلاً تقدمياً من مصلحته مساندة ثورات التحرر الديمقراطي من حكم الملكيات المطلقة و من سلطة الكنيسة الكاثوليكية في بلدان أوربا الغربية و طثله مساندة حروب الاستقلال في الأميركتين ، فانعكس هذا التناقض في المصالح الطبقية بانقسامها إلى مجموعتين : الماسونية المنتظمة التقليدية البريطانية ، و الماسونية القارية التحررية . ففي فرنسا ، أسهمت الماسونية فكرياً في نشوب الثورة الفرنسية (1789-99) ، على الأقل بفضل كتابات وخطب الماسونيين فولتير و روسو و ميرابو . كما لعبت نفس هذا الدور التقدمي في ألمانيا خلال حرب التحرير الألمانية (1813-14) التي أسست الاتحاد الألماني الشمالي بقيادة بروسيا ، و من ثم في ثورة الألمانية عام (1848) التي أجبرت ملك بروسيا فريدريك وليم الرابع على التحول للمكية الدستورية ، و كذلك في الحركة اللاحقة لتوحيد ألمانيا المنتهية عام (1871) . و كذا الحال في اسهام الماسونية  بالثورات الإيطالية للأعوام (1820) و (1830) و (1848) و التي أفضت إلى توحيد إيطاليا عام 1861  و التي لعب فيها الماسوني غاريبالدي دوراً مجيداً ، و إن ارتبط هذا الدور بجمعية "الفحّامين" (الكاربوناري) التي أسسها و ليس بالماسونية . كما لعبت الماسونية نفس هذا الدور التقدمي في بلدانها المستعمَرة ، فأسهمت في إشعال حرب الثورة الأمريكية (1775-1783) و نيل أمريكا استقلالها النهائي من بريطانيا عام (1783) ، حيث تشير الأدلة على أن (13) من مجموع ألشخصيات ألـ (56) الموقعة على "إعلان الاستقلال" الأمريكي عن التاج البريطاني عام (1776) كانوا من الماسونيين . و في أمريكا اللاتينية ، عمل الثائر سيمون بوليفار ضمن الحركة الماسونية لفترة ، و هو الذي قاد حرب التحرير من الاستعمار الإسباني خلال الأعوام (1816-1824) و التي انتهت باستقلال فنزويلا و بوليفيا و الاكوادور و كولومبيا و بيرو عن التاج الإسباني ، و لكنه منع نشاط المنظمات السرية ويضمنها الماسونية بعدئذ ، مثلما فعل معاصره الماسوني الرجعي القيصر الروسي الكسندر الأول (1801-1825). و يمكن أن يُقال نفس الشيء بصدد التضاد التقدمي/الرجعي بين الماسونية التابعة و المتبوعة في كندا التي حصلت على الحكم الذاتي عام (1867) و على استقلالها الناجز عن بريطانيا عام (1931) .

و بحلول العقد الأخير من القرن التاسع عشر ، و حتى منتصف القرن العشرين ، فقد هيمنت المصالح الرأسمالية المتنمرة على الحركة الماسونية في كل بلدان  أوربا و أمريكا الشمالية و اليابان ، و باتت الماسونية فيها حركة رجعية تسير في ركاب المصالح الإمبريالية العليا ، باستثناء إيرلندا التي تأخر استقلالها الجزئي عن بريطانيا حتى عام 1921 . و عليه ، فقد انتقلت نفس ظاهرة هذا النمط من التضارب السابق بين مصالح الحركة الماسونية في البلدان الواقعة تحت الاستعمار الأوربي في آسيا و أفريقيا و أمريكا اللاتينية و تتطلع للاستقلال ، و بين مصالح نفس الحركة في البلدان الأوربية المستعمِرة التي سبق لها و أن عَبَرت المرحلة التقدمية للبرجوازية الوطنية و باتت تقتضي مصالحها الإمبريالية استمرار هذا الاستعمار لنهب الثروات الطبيعية .

و مع بدء عهد الاستعمار الاقتصادي الجديد لبلدان العالم الثالث منذ منتصف القرن العشرين و لحد الآن ، فقد بقيت ثنائية التضارب الفاعلة المفعول بين مصالح البرجوازية الوطنية – و معها الحركة الماسونية المحلية – في البلدان النامية من جهة ، و بين مصالح قوى الامبريالية العالمية – و معها حركتها الماسونية – في أوربا و الولايات المتحدة الأمريكية و اليابان ، من جهة أخرى . لذا نجد أن شهيد حكومة الوحدة الوطنية في تشيلي سلفادور الليندي كان ماسونيا تقدمياً ، و مثله كان نلسن مانديللا في جنوب أفريقيا ، و جيري رولنغز في غانا ؛ في حين كان الماسونيان البريطاني ونستن تشرتشل و الرئيس الأمريكي هاري ترومن أفظع جزّارين عرفتهما البشرية . الثابت بين كل هؤلاء هو الانتماء للماسونية ، أين إذن يكمن المتغير الصانع للفرق ؟

الفرق هو رباعي الأبعاد : الزمان و المكان و ضرورات المصلحة للبرجوازية المحلية و التركيبة الشخصية لكل واحد من القياديين الخمسة أعلاه ، و أهمها مدى الإيمان و التطبيق الحقيقي للقيم الرفيعة في الإخلاص و الحب و الإخاء و الحرية و العدالة و المساواة و التزام بالقانون .. و هي ذات القيم التي تدّعي الحركة الماسونية أنها تشترطها و تنمّيها عند كل أعضائها طراً على نحو تلفيقي تنفيه الكثير من الوقائع التاريخية الثابتة . لماذا ؟ لكون الرأسمالية لا تعترف إلا بمثل أعلى واحد يسمو فوق كل شيء آخر : النهب ، ثم المزيد من النهب ، ثم النهب الأكبر .. إلى الأبد .

ما الذي يمكننا استنتاجه من كل ما سبق ؟

خامساً / الاستنتاجات

  1. أن الماسونية ليست حركة عالمية موحدة ، بل هي عشرات الحركات المحلية ؛ لذا ، لا يجوز الكلام عن الماسونية العالمية الواحدة ، بل عن الماسونية في هذا البلد أو ذاك لوجود ماسونيات متعددة و متنافسة و متعارضة أحياناً حتى داخل البلد الواحد باعتبارها حركة مرتبطة بالبلدان العاملة فيها ، و بالتالي فإن توجهاتها الاقتصاسياسية تُجاري على الدوام خدمة مصالح قواعدها وفق مقتضيات الوضع القائم في البلد المعني .

  2. أنها ارتبطت و ترتبط في كل بلد بمصالح الطبقة البرجوازية الوطنية فيه ، و هذا ما جعل منها حركة تقدمية في البلدان التي احتاجت لإنجاز مهام التحرر الديمقراطي و الوطني الضروري لتطور البرجوازية الوطنية ؛ لتتحول بعد إنجاز هذه المهمة إلى حركة رجعية انتهازية في نفس تلك البلدان ، و هذه السمة لازمتها منذ التأسيس و لحد الآن .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز