احمد علي
ahmed.laarfi@outlook.com
Blog Contributor since:
15 July 2019

 More articles 


Arab Times Blogs
دفاتر ليست بقديمة! الجزء الاول: معاناة تعد ترفا في عهد ”الفاتح“ الحلقة 14.

دفاتر ليست بقديمة! الجزء الاول: معاناة تعد ترفا في عهد ”الفاتح“ الحلقة 14.


14.  الليبي مواطن بحكم القانون، لا حقوق كاملة له!
عام 1992م، نصحني صديق أن أعمل امتحان معادلة في اللغة الانجليزية بمعهد اللغات جامعة (قاريونس)، حيث أن زميلا أخرا عمل إمتحانا، فوضعوه في الفصل السابع للمعهد وهو أعلى مستوى يضعوا به الُمُمتحنين الذين عليهم إتمام (فصلي المستوى المتقدم السابع والثامن) كنظاميين بالمعهد. إمتحنت حين تم الاعلان على الفصل الصيفي عام 1992 ومدته ثمانية اسابيع مضغوطة. دخلت الامتحان، وكنت أضع عيني على المستوى السابع مثل زميلي الذي (صنفه ذاك الصديق بلا معايير واضحة) على أقل مني مستوً في اللغة الانجليزية.
سمعت أن نتيجة الامتحان قد ظهرت. وهم لاتوجد سرية لديهم، يضعوا الاسماء على اللوحات او الجدران (على الاغلب) . بدأت بمن تم تقييمهم على أنهم بالفصل السابع، بحثت عن إسمي مرتين فلم أجده، اصبت بخيبة أمل، وقلت لأبحث في الفصل السادس، لم أجد اسمي ولا الفصلين الرابع والخامس فاصبت بخيبة أمل كبيرة جدا. ولم استمر في البحث وغادرت "الكوريدور" خارجا فلفتني ورقة لصقت على الجدار بعيدة بعض الشيء، قرأتها وجدت إسمي الثاني تقريبا، فهي مرتبة ابجديا، نظرت أعلى لأجده الفصل الثامن، تأكدت مرة أخرى وعدت مسرعا لرفيقي، وأخبرته ففرح كثيرا بذلك، وأخبر به "نكاية" الشاب الذي وضع في السابع، الذي أكد على أن ذلك مستحيل. كان المعهد في اقصر مدة له يتم في سنوات ثلاثة، وأتممته في ثمان أسابيع، حصلت بها على إجازة في اللغة الانجليزية تعدل درجة المعاهد المتوسطة وهي السادسة.
في زمننا العصيب ذلك، كان من سبقنا أدوا خدمة عسكرية بعد التخرج لعامين في المعسكرات يتقاضوا 50 دينارا لمدة 22 شهرا والشهرين الاخيرين ليسا من حقك، وذلك بنائا على توجيه "القائد" بأنه يجب على كل مواطن ليبي ان يؤدي عملا تطوعيا للدولة اما عسكريا او انتاجيا"، وتحولت بعدها لخدمة "انتاجية" لعامين، تقدمت بالشهادة للتعليم طالما اني تأخرت في التخرج، الذي بدأ لاوقات ما مستحيلا، لاوفر عامين مما اضعت تفيدني في حال لو تخرجت. حيث كان صعبا ان اؤديه في شركة، للحاجة لوساطات، كون ان الشركات تعطي صحيح خمسين دينارا، لكن لها طرقها في حساب ساعات الاضافي والحوافز بحيث يصل المرتب الى اعلى من راتب متعين في جهة عامة كالتعليم والصحة.
قضيت سنتين خدمة انتاجية، وضاعت بطاقة انهاء الخدمة في مدينة اخرى، لكن كان هناك كرت كبير يتم الختم به شهريا ومنحت شهادة تفيد أني اتممت الخدمة من المنسق العسكري الحاج عبدالمنعم. حقيقة أن مصروف الجيب الذي كنت اتقاضاه من والدي لعام 1992، حتى عملت ربيع ذلك العام، كان أكثر مما تمنحه لنا الدولة كمنحة.
إستاجرت محلا لأبي لم أسدد شيئا له، وتشاركت أنا وزوج أختي، في تجارة، وحقيقة أننا بالغنا في مصاريف الديكور، والاضائات المختلفة الالوان والمتحركة رغم أن الدكان كان صغيرا، كان لازياء النساء والاطفال، أسميته "منى" فحصل لغطا رغم أنى الاسم لا يحتمل الإ معناه فقط، وأيضا كونه إسما نسائيا يناسب المضمون. منى جمع امنيات لم تتحقق وكنت امل بتحقيق ما يمكن منها ليس الا.
كون رأس مالنا "هزيل" عملت المستحيل لإنجاح المحل، من خلال عرض بضاعة سوريين يقدمون بعدها بايام لتقاضي قيمة ما تم بيعه وتعرفت على تجار جملة للملابس "الراقية"، كنت أخذ منهم عينات مختلفة، أبيعها، حيث أوجدت عن غير قصد مني التنوع في القطع، فلا تجد في محلي كل الارقام، ولا الالوان بل قطع منتقاة بعناية، احيانا تكون للعرض فقط، وبعد حجز مجموعة أجلبها من بنغازي. بدأنا نكسب زبائن رغم أن محلنا كان بعيدا قليلا عن السوق. إستمرينا للعام 1996م حيث اجرته بما فيه ثم تم اقفاله نهائيا عام 1997 حيث لم أتفرغ له ولا وجدت محل ثقة. أتذكر أن سوداني يعمل عندي، استغل إنشغالي بالتلفون ففتح "الكاصة" بالمفتاح واخرج مبلغا، تابعته وانا اكلم ورجعه لمن قام بترجيع قطعتين. كان ما أرجعه هو 105 دينارا، بينما المسجل في دفتر المبيعات قطعتين، إحداهما ستين، والاخرى 30، وهو سعر لا يزاد فوقه، لأن الزبون سيجده بمثل هكذا وليس بسبعين مثلا وهو فارق كبير جدا.
عقوبتي أن طردته وأتعبته لأكثر من شهر لم يأخذ جواز سفره مني، ثم أعطيته الجواز ولم أره ثانية. كان أخي المرحوم حسين الشلماني أيضا يحضر سيارات من هولندا وبلجيكا، مستعملة، ويبيعها، وقد أحضر لي اولا سيارة وباعها في الميناء، ثم دفعت ثمن إثنتين، وباعهما، وفي الغالب مكسب واحدة يغطي خسارة الاخرى ويزيد.
بعد عناء كبير لتصبح معيدا يكون كرت أزرق هو الذي يحدد مصيرك. تم قبولي عام 1996 بإحدى الكليات الريفية كمعيد. لتصبح معيدا في قسم، يرشحك أحد الاساتذة لقسم ويجتمع أعضاء هيئة التدريس لمناقشة الترشيح، والموافقة تعني تحويله لعميد الكلية ليناقش وجملة امور اخرى مع رؤساء الاقسام وبعد الاعتماد، تذهب التوصية لرئيس اللجنة العلمية بالجامعة، الذي هو نفسه نائب عميد الجامعة مع ما يعادل 18 عميد كلية، يحال بعد الموافقة لـ"أمين اللجنة الشعبية للجامعة"، فيقوم مدير ادارة شؤون أعضاء هيئة التدريس، وهو ليس بعضو تدريس، بتحرير رسالة يوقعها العميد وتحال إلى "أمين التعليم العالي والبعثات" ليعتمدها وترسل عكسيا لتوزع على الجامعات والكليات المستهدفة.
كل هذه الاجتماعات والقرارات والوقت الذي أقله ستة أشهر لا يساوي توقيع "عيل" من اللجان الثورية الذي هو أمين المثابة الثورية بكليتك. فيعد أن تحتفل بالتعيين "المعلق"، هناك كرت أزرق يحوي خمسة توقيعات والاعتماد النهائي من مكتب الاتصال باللجان الثورية، "اللهو الخفي"، الذي يدير ليبيا فعليا، فكل الهياكل الاخرى ضحك على الذقون، والليبيون يعون هذا جيدا.
تذهب لأمين المثابة بكلية العلوم وكان أخ لزميل في العمل، فترى حتى أسنان العقل حين يبتسم، وكلهم يفعلوا ذلك. فيعطيك رقما من رأسه هو رقم العضوية ويوقع بعد التوصية المطبوعة، ثم تذهب لأمين مثابة الكيش الذي هو ذاك الزميل أخ الأمين السابق فيعتمد التوقيع في خانة خصصت له، ويحيله للمثابة الام للاعتماد، ثم يحال الى فريق العمل الثوري جامعة بنغازي (قاريونس) وأخيرا يحال إلى مكتب الاتصال. لم يحضر الكرت الاول فعملت كرتا ثانيا، فؤجئت بمدير شركتي في لقاء بالصدفة وهو يسألني إن كنت فعلا راغبا بتركهم والعمل بالجامعة أم البقاء. وعرفت لاحقا أنه الحلقة الاهم في هذا الموضوع، كونه (عضو محرك) بفريق العمل الثوري بالجامعة، عرفت ذاك حين تطرقت ساخرا لذلك الوضع والموضوع، فنصحني أحدهم أن الموضوع بسيط وفي يدي وما علي الا ان اقابل ذلك (المدير) كي (يضممنني كما ضمن غيري من قبل) فيتم قبولي. الامر أبسط مما أتصور! لكنه لا يدرك أن هذا منحدرا إن إنزلقت منه لا تعرف الى اي عمق بالارض ستصل! لن أفعل ذلك كان هذا قراري و "لتغور" المعيد في ستين "داهية" فماذا سيزيدني لو وافق واسترقني واستخدمني وسافرت بعدها؟!
عموما إختصرت مراحل معاناة الليبيين في مقال من ثلاث صفحات بعنوان " دون أن يحضر مهرجان السابع من أبريل، تخرج صديقي من الجامعة" وكان الصديق هو أنا، في عز سطوة النظام.
في التسعينات، او بداية الالفينية الثالة، ضيق علينا لإستبدال كتيبات العائلة الزرق لتحل مكانها اأخرى خضراء، ولم أغيره، رغم الرسوم التي تفرض علينا لإستخراج الشهائد، وما أكثر الشهائد، لكن في الأخضر تصور فقط صفحات تغنيك عن شهائد الميلاد والاقامة والوضع العائلي وتعفيك من الشهادة الإدارية الغالية الثمن.
قسمت الكتيبات إلى أ، ب، و جـ، الذي هو من نصيب أغلب الليبيين، ووضعت في أول صفحاته عبارة مواطن بحكم القانون، وجدتها في كتيب والدي ولم تمشي على أحد لكن الناس كانوا يحاولوا تعطيل قرار موتهم أما جوعا أو كمدا أو قتلا، كل يوم بإزاحته ليوم تالي تحت شعار "إحييني اليوم وأقتلني بكرا (غدوة)" بروايتيه، لم نتوقف كثيرا على تصنيفات الحروف والتي قيل أن الالف لمن تبناهم القذافي من موريتانيين، أخبرت بهم في عشاء في مدينة سبها خريف 1991م ولسبها، والموريتانيين الاطفال، وذلك العميد، وثارات القذاذفة والمقارحة حلقات أخرى لم تكتب. هولاء الموريتانيين عشرات منهم هم الذين صمدوا مدافعين عن القذافي حين تركه كل المرتشين السارقين والقاتلين.
بحثت عند محام صديق رحمه الله في قوانين المملكة التي أخفي جزء منها، فوجدت "مواطن بحكم القانون" تعني أربعة أشياء، أولاها أن يكون لقيطا مجهول النسب ولد في ليبيا، أو مهاجرا وأستوفى شروط الهجرة، التي كانت تطبق فيصبح مواطنا وهي الاخيرة وما بينهما هما أمران واحد منهما أبشع من الاخر. أما "المبرراتية" الذين يعينوا لشغل شواغر تظل شاغرة حتى بعد ان يشغلونها فهم عملوا لذاك وكان أن تم الرد علينا في ستة مطولات ما مختصره أن الليبيين جاءوا غزاة من جزيرة ال سعود ثم حكمهم التوانسة في الدولة الحفصية وعاصمتها صفاقس لثلاث قرون ثم فرسان القديس يوحنا (فرسان مالطا) ثم الترك والقره مانلية والطليان والانجليز والسنوسية "العملاء" حسب "القذافيين" وأجلهم الله كما أنهم وحسب القذافيين ليسوا ليبيين بل من غرب الجزلئر. بذا لم توجد مطلقا جنسية ليبية لذا اصبحنا مواطنين بحكم القانون.
في صيف 2009م، قررت الهجرة للشمال الأوربي، لأعيش هناك، وأشرت لذلك في تعليقات لي، وغادرت مبدئيا الى فنلندا، مرورا بتركيا وبعدها زرت السويد، واستونيا، وبولندا من جديد، وتركيا عند العودة. علق لي أحدهم لا أذكر أين، إن الإنسان كائن إجتماعي لا يستطيع العيش بعيدا عن بيئته، قلت في نفسي وطالما تعرفون هذا لما شردتم اللييبيين في كل اصقاع المعمورة. كانت رحلة إستكشاف أبعث بعدها لأهلي فيلحقوا بي. لم أوفق في الرحلة كون أني أخترت توقيتا غير مناسبا، هو نهاية يونيو على يوليو، وهي عطلة رسمية في جميع الجامعات التي كنت احمل مشاريع أود عرضها لعلي أقابل أحدا يتبناها..
حين عودتي، كتبت مقالا على فنلندا وقارنت أبسط جوانب الحياة فيها بمثيلها في ليبيا ولم أنسى التطرق إلى قصة الكتيبات التي مازالت غصة في حلقي، بعنوان " فذلك لأن، فذلكات!".
رابط المقال: رابط المقال: https://www.facebook.com/notes/ahmed-yousef-ali/فذلك-لأن-فذلكات-1582010-أحمد-يوسف-علي/329269263780383/
هذا ما كان متاحا امامنا.

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز