احمد علي
ahmed.laarfi@outlook.com
Blog Contributor since:
15 July 2019

 More articles 


Arab Times Blogs
دفاتر ليست بقديمة! الجزء الأول: معاناة تعد ترفا في عهد "الفاتح" الحلقة 8

دفاتر ليست بقديمة! الجزء الأول: معاناة تعد ترفا في عهد "الفاتح" الحلقة 8

8 موت تأجل لأجله!
عام 1998 شهد أيضا قدوم سفاح اشتهر بالتنكيل باهل طرابلس يدعى عبدالسلام الزادمة كان مكروها هناك بشكل لا يحتمل. أراد النظام إبعاده عن طرابلس والزج به في معركة بنغازي، فجعلوه آمرا لكتيبة الفضيل بوعمر، وهي اقوى الكتائب الامنية واكثرها امكانات، تقع بجوار شقتي لا تبعد اكثر من 300 مترا، في معسكر البركة سابقا، الذي حوله معمر قيادة له في بنغازي بدايات انقلابه.
أغلق معمر الطرق الرئيسي وعملها بشكل مقارب لباب العزيزية بطرابلس الاختلاف فقط في السور، فما "شهدته بعيني" ان لها سورين خارجيين بينما لباب العزيزية ثلاثة. ولها نظام كهرباء غريب يتغذى كل جزء منها من حي ملاصق، بحيث معظم بنغازي تذهب الى ظلام دامس لو حاولت اطفاء كل جوانب الكتيبة كاملة. لاحظنا هذا في فبراير قبل التاسع عشر منه من خلال تقرير شفهي لمهندسي كهرباء، جلبوا ليقطعوا الكهرباء وبذا الاضاءة عن هذي الكتيبة.
تحول الزادمة من مكروه في طرابلس الى رجل صاحب مبدأ وكلمة ولا يحب الدماء وسفكها في بنغازي، وسبحان الذي يغير ولا يتغير. تم جسه من خلال مجموعة كشوفات اعطى اهلهم الامان على ان يسلموا أبنائهم، ولن يبقوا الا بضعة ايام كحد أقصى لا يعذبوا فيها بل يكرموا، فقط هي مجموعة "س ج" تقليدية ويتركوا لشأنهم.
توالت عمليات "وفائه بالعهود" وبذلك تقريبا شبه إنتهى نشاط الجماعات المقاتلة، والتي تعرضنا للأذى الكبير من أجهزة الدولة بـ"سبلتها"، حتى ولو بالاهانة والايذاء اللفظي وتفتيش سياراتنا واستيقافات بالساعات داخل وخارج بنغازي، وربما تعرض البعض للموت، انا شخصيا وعلى الصعيد الشخصي، كدت أقتل مرتين حيث تم السحب علي لكن لطف الله كان أقرب. وغيري كثيرا.
في عز أحداث عام 1993-1994، ورغم أني اشتريت شقة من أخ هاجر، وهي ملك الضمان الاجتماعي وطلبت منه أن لا يحرك شيئا منها، فقد كان وقتها احتلال واغتصاب الشقق الفارغة او التي بها عزاب، شائعا، جائني شاب عرفت عائلته، لم اك أعرفه، ومن فترة لم ألتقي بأحد منهم، بل إنني لا أتذكر اية علاقات شخصية لي باخوته. حينها كنت في البيت عشرة بالقسم الداخلي، لي سبع سنوات عجاف، وبذا فقد كنت عميد تلك الشقة، وامرها الناهي، احتراما من زملائي، الذين تخيرتهم بنفسي.
طلب مني أن يسكن معنا خاصة وان غرفتي في اخر الشقة لا يوجد بها غيري، واحيانا اهجرها لأيام، وتعجبت كيف حصل على تلك المعلومات. قلت له ان الشقة مملؤة وغرفتي أحضرت إليها إبن عمي ليقيم معي، بعد أن ترك قسم الداخلي، المقر الرئيسي بالجامعة، وتأسفت له. هي ورطة كبيرة، لا أعرف ما سره ولا الدافع الى اليوم حيث كانت القصة غير مقنعة لي. فطلب مني السكن في المطبخ رغم اننا نستعمله، وافقت لأيام معدودة فقط.
أخبرني أنه يسكن مع أخيه المتزوج، وهم عائلة متدينة وملتحين، رغم أن المسكين وجهه شبه امرد لا منبت للشعر به، الا انه يحافظ على شذرات متناثرة منه. قال ان أخيه، كان يغادر شقته بعد أن يغادر صاحبي هذا الذي اتاني، لكن الان اصبح يبكر في المشي للعمل، بحيث عليه أن يبقى مع زوجة أخيه في "خلوةغير شرعية" لنحو نصف ساعة.
افترضت حسن النية وصدقه، رغم أني حين غادرت للشقة التي امتلكتها، لم أنم وفكرت بالكثير بالمشاكل التي قد أجلبها لنفسي، خاصة وأنه لا تربطني بذلك الشاب أي قرابة بل ان أصوله من غرب ليبيا وأنا من الشرق.
فوقها، ماذا لو علمت ادارة الداخلي باسكاني له بطريقة غير قانونية، ومعظم إدارات الأقسام الداخلية، يرئسها فرد من الاستخبارات، ومعظم الموظفين امن داخلي، ولا تخفى هوياتهم على احد. هل هذا الرجل مدسوس علينا من الأمن، أم أنه من الجماعات المقاتلة او اخيه منهم. ربما قصته حقيقية وقد "قصدني" ومن العيب ان ارده. كنت دائما ادرك ان الانسان قد يقف عاجزا امام ما لا يستطع فعله، والعجز شعور فظيع مؤلم، وقدرت أن صاحبي هذا صادقا ووجدني اخر طوق نجاة فلا يمكن ابدا لانسان ان يؤذي من ساعده الا اذا كان بداخله سلوك غير انساني كما بداخل معظم اعضاء اللجان الثورية الذين منهم من يدعون الى "انقاض" الوطن حين ابعدوا عن لمعان السلطة وبريقها وهم من بقى بها اقلهم ما لا يقل عن 30 سنة (كبيسة) ولم يدقوا مسمارا يساهم في البناء اللهم ان كان في نعوش من قتلوهم هذا ان صنعوا لهم نعوشا.
عموما إشتكى منه سكان الشقة بعد سكنه لأيام معهم لم أحضر فيها للشقة، لي عندما حضرت. طلبت منه أن يتدبر أمره اليوم وغدا يغادر، بسبب شكوى المقيمين منه. حاول أن يفسر لي، رفضت الاستماع اليه، فقد كنت "على سبلة"، بعنى متحفزا، وفعلا غادرنا لاحقا، لا أتذكر أين التقيته من بعد، لكن أعتقد في فبراير عام 2011 بعد السيطرة على الشرق.
نهاية عام 1999 وحين كنت قادما بالسيارة من طرابلس الى بنغازي، من إحدى إجتماعات لجنة العام 2000م وسبب ان سافرت وحيدا في سيارة اني لم أحصل على حجز. في تلكم الايام كانت تقريبا طائرة واحدة تعمل كاتوبيسات "البركة بوهديمة" بين طرابلس وبنغازي، تقوم على الأقل برحلتين، ذهابا وإيابا، إن لم توجد رحلة لسبها أو غيرها، واذا لم تحجز قبلها باسبوع او عشرة ايام فلن تحصل على مقعد. حتى لو حجزت مؤكد "اوكي"، قد تجد مقعدك قد أخذ.
إحدى سفرياتي "المكوكية" لطرابلس عام 1999م، إيابا، توجهت لمطار طرابلس ثلاث ساعات قبل الرحلة، فقدت مقعدي او بإلاحرى الرحلة بكاملها، بطيرانها مبكرة بناءا على توجيهات محمد القذافي او الساعدي القذافي فوقتها لم نك نعرف سيف القذافي. وجهت لغير وجهتها، وهي الطائرة الوحيدة وكان يطلق عليها اسم "الطائرة العجوز".
بعدها، أعلنوا عن رحلة الى سرت. فكرت أني لو قطعت نصف المسافة طيرانا الى سرت، افضل من بقائي لاجل غير معلوم في طرابلس. كلمت أحد المسئولين عن رحلة سرت وسالته إن كان هناك امكانية السفر بهذه الطائرة، على ان أدفع قيمة التذكرة في سرت، وقتها لم يك مكتب المبيعات للخطوط الجوية يبيع تذاكر في المطارات، وافق وانتظرنا قليلا في صالة الانتظار، هذا القليل وقتها فاق ساعة ربما.
كنا قلة، وحين ركبنا الطائرة بسلم من الخلف، قصير، عرفت من الجالس بجواري أنها طائرة نفاثة واسمها "فوكر" اعتقد، وهذه طائرات امنة جدا، حسب تأكيده. الطائرة بها نحو اربعين كرسي ونحن لا يزيد عددنا عن عشرة، تم توزيعنا على مقدمة ووسط ومؤخرة الطائرة وكذلك امتعتنا، لخلق توازن حسب "نظرية" من وزعنا. جلست في الكرسي الذي على الممر، حيث أجلسوا سيدة عرفت لاحقا أنها تونسية في الجهة الاخرى المقابلة لي، إستغربت كيف تمشي لسرت بهذه الملابس القصيرة الضيقة، وبهذا "الفول ميك اب"!
في بداية اقلاعها، العشرة دقائق الاولى إرتفعت بنا الطائرة، ثم بدت وكانها تتهاوى وتسقط. علا الصراخ، وكان الأكثر صراخا هو من يجلس بجانبي "صاحب نظرية الطائرة الآمنة". سلمت أمري لله، وأظهرت تماسكا متجليا في صمت مقابر اعتقدت انه تمهيدا للوصول بعد لحظات لصمتها. قرأت ايات من القران في سري، كنا واقعين لا محالة لكن هل نحن فوق البحر، البر لا ادري، كانت من أكثر اللحظات في حياتي إقترابا من الموت.
يبدو أن الكابتن قد حل المشكلة، وحلقت الطائرة من جديد تتقاذفها الرياح. لم ينبس أحدا بكلمة الى ان حطت بنا الرحال في مطار سرت، وقبل أن أهبط، سألت الكابتن الذي جاء للخلف لوداعنا، هل اقتربنا من السقوط، أجابني كنا قاب قوسين او ادنى، الحمدلله على السلامة. سلمت عليه بحرارة الروح كيف لا ونحن مدينين له بحياتنا لنقل كان السبب.
خرجنا لا تعقيدات ولا تكلفة كان أشبه بالمطار العائلي "لا توجد غيبة" الكل دخل حتى بلغ سلم الطائرة، وكان بانتظار السيدة التونسية "ماكسيما" اقلتها من عند مدارج المطار، وجئت ابحث عن تاكسي، ويبدو ان لا وجود لتاكسيات، فكل من حضر جاء لاستقباله احدهم فالمطار ليس ببعيد وماهي الا بضعة دقائق من ابعد احياء سرت لتكون في قلبه.

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز