احمد علي
ahmed.laarfi@outlook.com
Blog Contributor since:
15 July 2019

 More articles 


Arab Times Blogs
دفاتر ليست بقديمة!! الجزء الأول: معاناة تعد ترفا في عهد "الفاتح": الحلقة 4.

دفاتر ليست بقديمة!! الجزء الأول: معاناة تعد ترفا في عهد "الفاتح": الحلقة 4.

4.  هوانا وهوائنا مصري
هذه ثالث زيارة لي لمصر، سبقتها إثنتين، أولاهما في صيف-خريف 1991م قادما من يوغسلافيا بعد إندلاع الحرب الأهلية بها، وأخترت مصر لأقيم بها أسابيعا، بعد أن شطب "المكتب الشعبي الليبي" إسم مصر من الدول المحظور علينا دخولها، فقد كانت هناك صفحة ملاحظات بالجواز مختوم بها "هذا الجواز صالح للسفر لكل بلدان العالم عدا مصر وجنوب افريقيا وفلسطين المحتلة". الثانية، زيارة سريعة في نهاية صيف 1992م.
أتذكر حينها أن الدولار بدأ التحرك مرتفعا، وكان برفقتي والدي. كان "الحظر الجوي" قد بدأ لأشهر خلت، الدولة تبيع النفط والغاز والبتروكيماويات وأشياء أخرى، بذا لا داعي أن يرتفع سعر الدولار، إلا لغاية في نفس "سيد السبيب"، احد القاب لا تعد ولا تحصر أطلقها الثوريون على الههم الذي يعبدون، من دون الله.
وصلنا فجرا، كنت أفضل الهوتيلات، لكن والدي أصر على شقة مفروشة كون أنه يريد أن نطبخ، وكنت أعرف أن عاقبة الطبخ سـ"تصب على راسي"، من إعداد إلى غسيل إلى طبخ ثم غسيل، ووالدي كريم جدا ويعزم كل من يلتقيه! أقمنا في سبورتنج ذلك اليوم والليلة، فإذ بي أفاجأ ببنتين مائعتين، إنقبض قلبي حتى كاد أن يتوقف بعدما أمرني والدي بفتح الباب الذي يرن جرسه، وهو في الحمام، يغتسل بعد أن صلى المغرب وأرتدى ملابسه الرياضية وخرج ساعة للركض على الكورنيش.
تخلصت منهما، وفي اليوم التالي جائني البواب طالبا الحلاوة. قلت له "ايه اللي هببتو موش عارف إني أسكن مع والدي، الحلاوة حاديها ليك إن ابعدت عني هذه النماذج، فنحن متدينون جدا"، تأسف كثيرا ووعدني أن ذلك لن يتكرر. لا يوجد ضامن، فأبديت ضجري من الشقة وموقعها لوالدي، عارض بداية وأمام مرافعتي إستجاب.
ذهبنا الى شقة أخرى في المنطقة، هي شقة أم كاميليا، خيرتنا بين شقتين لها، إحداهما تعيش بها كاميليا إبنتها، وهي الأفخم، فأخترت دون تردد الشقة التي من غير كاميليا، دفعنا ليلة، واليوم التالي اننقلت الى هوتيل "ملتزم حسب الطلب" على الكورنيش إسمه (جدة) وأكملنا ما بقي لنا من أيام به.
في مصر حين يؤذن للفجر، تجد كل جامع يغص بالمصلين، الملايين يصلون وفق الإسلام أو المسيحية، ومن يخرج عن ذلك هم أقلية تافهة عدديا لا تشكل نسبة بالمطلق في هذا الشعب العظيم. أتذكر في تلك الرحلة، أني استوقفت تاكسي أصفر، فلم يك وقتها يوجد اوبر. أوصلني لمشواري وفي المعتاد يأخذوا من المصري جنيهين او ثلاث، ومن غير المصري "خمساية" وربما أكثر ضريبة السياحة. المصريون شعب يعشق الحياة، وهم "عشريون" غير منغلقين يأخذوا ويعطوا.
سألني السائق معتقدا اني مصري من الأرياف، حيث كانت لهجتي المصرية وقتها لا تؤهلني أن أكون إسكندراني، عن بلدتي او كفري. قلت له انا ليبي. حين وصلنا سالته بكام يا اسطى آجاب ثلاثة جنيهات أعطيته خمسة وقلت له قليل جدا ما اقابل سائقي أجرة يعاملوا على السواء المصري والاجنبي. ولأنهم أبناء نكتة، فلا تخلوا ردودهم من الطرافة، قال لي: "اُسكت ياعم موش القزافي وداكم في ستين داهية وهي كام عام وتيجوا تشحتوا عندنا"، ورجع لي جنيهين.
كان وضع الليبيين سيء جدا جدا، كانوا يعانون وأصبحت قيمة الدينار الليبي تعدل او تقل بقروش عن الجنيه المصري، إلتقيت شابا ليبيا أعرفه يعالج أخا له، ، توفي لاحقا، وهو ليس ميسور الحال، كنا نقيم بالقسم الداخلي وكلانا في كلية، رحب بي وعزمني على بيته، فوجدته يسكن شبه بدروم على هيئة شقة ذهبت معه لزيارة س، أخيه الصغير المريض مرضا عضالا ما تركه إلى ان فرق بينه وبين اهله. لم أحضر شيئا معي متعمدا، فقمت بإعطاء الولد المريض مائة دولار وهو في غيبوبة، رفضها أخوه وبعد إصرار على انها للمريض، قبلها. ذاك الشاب كان وفيا جدا معي، دائما يسأل ويتصل الى ما بعد فبراير التي شارك بها ولا أعرف دياره الان.
قفلنا راجعين من رحلة المؤتمر بباص شبيه للذي أتينا به وحين غادر القاهرة شرقا عبر الصحراوي، تعطل الباص، واضطررنا الى الانتظار أكثر من أربع ساعات لإحضار بديل. له.
تعشينا حوالى منتصف الليل في إستراحة ببراني، أربعمائة كم من الحدود الليبية، كان مطعما لا يقارن بذاك المطعم في ليبيا، قُدمت لنا وجبات طازجة وهناك تنوع في "المينيو"، وهناك تجار العملة موجودين في كل ساعات الليل والنهار، كنا سنبيع ما عندنا إن هنا او في ليبيا، والاسعار هنا افضل، إستبدلت ما تبقى من دولارات أو مصري لمقابلها الليبي، وأبقيت فقط 100 جنيه مصري للطواريء. وقتها كان الدينار الليبي يساو ربع دينار تونسي لدرجة أنْ إشتهر بالكلينكس، المحارم الورقية المشهورة.
في هذه الرحلة، أدركت أن مصر تنزلق نحو هاوية، فيومين من التجوال في ثلاث مدن، والتحدث مع الناس كانت كفيلة بإعطائنا إنطباع على أحوال الشعب المصري. ظهور الطبقية بسفور كاشف فاضح، مؤشر كافي لأي بلد أنها ليست بصحة جيدة. تقلص الطبقة الوسطى، ديون مصر الداخلية والخارجية، والدندنة للتوريث. كل هكذا اشياء تشيء بمناخ مضطرب في مصر، خاصة وقد صاحب ذلك، إرهاصات خصخصة للقطاع العام، وبيع بالجملة لقطاعات مصرفية وسواها للإمارات والسعودية.
نحن الليبيون أكثر الشعوب تأثرا بهواء و هوى مصر، فصوت العرب كانت سبب مصيبتنا في مملكة السلام والعدل وهو(نسبي) والحريات الشخصية والازدهار، وإيذانا بعصر الفوضى الذي قاده العسكر والغوغاء. هنا بدأت ملامح مرحلة تالية في مصر تتضح، مرحلة ستبوح بمكنوناتها بعد مدة قصيرة، بعد أن تعرت مصر الحكومة والرئاسة من كل القيم التي كانت تستر فحش عسكر الستينيات وقبلها الخمسينيات.
أثقلنا في العشاء، فنام معظمنا في الباص بمقدار ما أثقلنا، ليلا وأستيقظنا حين وصلنا صبحا مجهدين. كان نوما جماعيا وكأنما احدهم وضع لنا مخدرا في ذاك العشاء ”الاخير“ تلكم الرحلة لمصر. أكملت نومي في بيتي ويوم تال اخر نمته، وعدت والعود أحمد لممارسة أعمالنا. وغد يوم جديد!







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز