احمد علي
ahmed.laarfi@outlook.com
Blog Contributor since:
15 July 2019

 More articles 


Arab Times Blogs
دفاتر ليست بقديمة! الجزء الأول: معاناة تعد ترفا في عهد ”الفاتح“! الحلقة 1

دفاتر ليست بقديمة!

الجزء الأول: معاناة تعد ترفا في عهد ”الفاتح“! الحلقة 1

1. شدة البطش دليل رعب النظام!

كنت في بنغازي، لم أشهد إذلال العقيدَ خيري خالد في مدينة المرج عام 1986م أيام، وكان هناك بقية من رجال. صيف عام 1984م، كان صيفا ساخنا مرعبا، حيث وجه القذافي أمرا بإعدام السيد ونيس العيساوي باعتباره أحد أعضاء جبهة الإنقاذ الوطني، للجانه الثورية في مدينة المرج وضواحيها، وقد أطلق عليها القذافي وقتها بلدية الفاتح، في حملته لتغريب الذاكرة الليبية، ومحو كل ما يتعلق بتاريخ هذا الوطن منها.

بداية غير إسم ليبيا إلى الجماهيرية تمهيدا ربما لإحلال القذافية كأسم جديد يخلف السعودية، التي قصت ونسخت الأسم من "الإمارة السنوسية" المؤسسة بعد صلح الرجمة نهاية عام 1921م. لم يعرفوا أن سبب التسمية كان يعزى لعدم إعتراف السنوسيين بالحدود التي فرضها الطليان عليهم وأقاموا إمارتهم فقط على أراض الدواخل وعاصمتهم إجدابيا، ولم يطلقوا إسم برقة الا عام 1949م بعد الحصول على حكم ذاتي على كامل ما أعتبروه تراب برقة وبذا سميت إمارة برقة وكان لها تمثيل بالأمم المتحدة وكتب عنها اللبناني، نقولا سعادة، برقة الدولة العربية الثامنة، كتابه الشهير بعد زيارة لها أو ربما زيارات.

أطلق معمر إسم النقاط الخمسة (مؤنث) على زوارة رغم أن التذكير فرض نحوي في هذه الحالة، أطلق على فزان، إسم الشرارة الأولى وعلى بنغازي البيان الأول والبيضاء الجبل الأخضر وطبرق البطنان.

إجتمع بعض رجالات المرج، خاصة المسئولين عن تنفيذ القرار، وهم "أمين وأمانة المؤتمر الشعبي الأساسي المرج المركز". قرروا أنهم لن ينفذوا ذلك لكن عليهم أن يتحسسوا رقابهم، إن هم أقدموا على عمل مخالف لتوجيهات " القائد" التي هي ملزمة النفاذ، أقوى من التشريعات القانونية. بكيفية ما خلصوا للحكم بسجنه، وقتها كانت حفلات الإعدام "شغالة" على قدم وساق، مثل حفلات ترفيه تركي ال الشيخ، وتبث كل مغرب مع وجبة الإفطار على الهواء مباشرة، ويكفي أن يجتمع عشرون طبالا من اللجان الثورية تحت "شرعية المؤتمر"، لتقدم للمقصلة.

لكن المرج أفسدت عرس القذافي هذا. رفضت، وتبعتها، أعتقد، طبرق، فخرج القذافي مستنكرا لهذه الحفلات الحية، زاعما أنه مرت عليه إحداها فاغلق التلفزيون لبشاعة المشهد، ظانا أنه مسلسل رعب رمضاني ليبي، لكنه اكتشف أنها "إعدامات بجد" لا مزاح فيها ولا عودة للحياة الدنيا بعهدها، وطُلب من الغوغائيين إنهاء هذه الأحكام البشعة المثيرة الاشمئزاز. كان يعرف أن الليبيين وجدوا مخرجا، ولو بعد تنفيذ حالات إعدام، من هذه الحالة القسرية، التي لا مثيل لها الا وباء يجتاح بلدا، أكبر من الطاعون، فهو يبقى في مدينته لا يتنقل.

بالطبع كل الليبيون يعرفون أن مفتاح تشغيل الإذاعة موجود في إحدى صناديق مجوهرات صاحبة الجلالة الصغيرة، في قصر القذافي، الذي قال عنه الرائد ”أجلود“ بعد الغارة أنه تحت الأرض. وكانت هي القشة التي قصمت ظهر البعير، وإبعدت مؤسس حركة اللجان الثورية الرائد ”أجلود“ بعيدا عن موهبته الفذة، السياسة، التي يتقنها مثل إتقان العقيد الساعدي للعب كرة القدم، حتى أنه أصبح محترفا في إيطاليا، وهو أول ليبي يحترف في الخارج عامة، وإيطاليا صاحبة " الكاتناشيو" خاصة.

الليبيون منذ قيام ما سمي " ثورة الفاتح من سبتمبر العظيمة" لم يتوقفوا سنة ولا أبالغ إن قلت يوما عن مقاومة معمر، ولا هو توقف عن التنكيل بهم لأكثر من أربعة عقودا، فلا أزاحوه ولا قدر عليهم في المجمل، وكانوا يبتكروا ويطوروا وصولا للمقاومة السلبية حين يشتد بطش النظام. مروا بمراحل الحركات اللا عنفية، التي أدركوا عدم جدواها في وجود عالم منافق بلا ضمير، يتركهم لمصيرهم كل مرة مع نظام قمعي إستبدادي مهستر مرعوب خائف. وكل الصفات المذكورة تبعث على الخوف مؤكدا.

بداية لم ينس القذافي أبدا لكلابه أن لم ينبحوا بالقدر الذي يخيف "خصومهم"، وقيل أنه عقوبة لهم، أرسلهم لتنفيذ أحكام إعدام خارج المرج وصورهم، للتوثيق والاستعمال إن لزم الأمر.

أيضا يعرف الليبيون أن القذافي مثل الجمل لا ينسى ولكن للجمل مأثر لا يمكن مقارنتها بغل القذافي الاسود وشره المستطير، فالجمل، وفق المأثور، لا ينسى ثأرا من عدو، لكنه لا يعتدي على قطيعه مطلقا.

لم ينس القذافي للمرج وطبرق خروجها عن بيت الطاعة عام 1984 م، فجهز حملة من طرابلس، بقيادة العقيد خيري خالد، لمكافحة المخدرات والظواهر الهدامة، بدأت من طبرق عام 1986م وتوجهت غربا، في إستعراض مهيب للقوى، لا يخلو من الإهانات والاعتقالات والاستيلاء على السيارات، واقتحام البيوت وترويع الآمنين.

وصلت هذه الكتائب والقوات للمرج، شهر أبريل، عام 1986 و تخيرت لها أربعة " سيمافروات" يتوسطن مدينة المرج. كانت تلك المدينة الضاربة في أعماق التاريخ، المسماه باركا ايام الإغريق 650 قبل الميلاد، ثم تغيرت لبرقة حين فتحها المسلمون في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، وإتخذوها قاعدة لإنطلاق فتوحاتهم غربا.

لذا لايزال بها مسحة من حضارة خاصة وهي كانت ثالث أكبر مدن شرق ليبيا بعد بنغازي ودرنة، وحصلت لها كارثة الزلزال فبراير -رمضان- 1963 م التي تم بعدها إخلاء عدد كبير جدا من سكانها إلى بنغازي، حيث بنيت لهم على عجل " شعبية المرج"، في بنغازي، والميسورون إشتروا بيوتا في بنغازي، وإنتشروا فيها ولم يعودوا ثانية إلى المرج، وكانوا من خيرة أبناء المرج المدينة.

لذا حين قامت المؤتمرات الشعبية والبلديات أدركوا أنها لعبة من الاعيب معمر بغرض الفتنة والاقتتال بين أبناء القبيلة الواحدة والمنظقة الواحدة على سراب، فأصبحت نهاية مدة لجنة شعبية هي بمثابة حفل لتعيين أخرين، موزعين على كل تركيبات المرج الاجتماعية واحيانا مستقلين لا يتبعوا أيا من الكوتات، "بالقرعة".

كلن بمقابل استعراض القوى، يتم أمرا بالخفاء، شارك به العقيد "أمين العدل"، الرائد، مسئول المرور والتراخيص، تحت إشراف "أمين مؤتمر المرج"، و"أمين اللجنة الشعبية"، وبعض حكماء المنطقة وعمدها وشباب من المدينة.

كانت الخطة أن يتجمع شباب بالقرب من أضعف تمركز للقوات، ويأتي الرائد المسئول عن إدارة المرور بسياراته الاربعة موديل كرايزر من السبعينات لتقف بجوار سيارات العقيد خيري الحديثة، موديل عامها، المصفحة، وهي من طرازات ربما لا يعرفها الكثير من سكان المنطقة وقتها.

الحجة هي ممارسة عمله في مراقبة حركة السير لمزاولة عملهم، لم يرق ذاك لجماعة خيري خالد، فأحتكوا بالسيارات الأربع بعد أن أسمعوهم فاحش القول فتنادى الشباب، وهجموا بسرعة لم تتُح لمجموعة العقيد خيري خالد حتى فرصة استعمال أسلحتهم، وأسروا ما تيسر، وغنموا سيارات وعتاد، ولم يغن عنهم تدخل القوات الأخرى شيئا.

جاءت الأوامر إلى العقيد خيري خالد بالإنسحاب بقواته لطرابلس دون توقف، تاركا جنوده وسلاحه وسياراته خلفه. ومؤكد أنه لقي جزاء ضعفه وخواره ومخادعته.

سلطات المرج تقدمت بشكوى فيه ولعلهم أعُطوا ضوءً أخضرا بذلك، بخصوص التجاوزات التي قام بها العقيد خالد، وأفضت إلى انتهاكات، فتمت حوارات بعدها أدت إلى إرجاع كل قطع السلاح، والمحتجزين ممن إتهمتهم سلطات المرج أنهم فتحوا النار على الناس عشوائيا فجرحوا بعضهم. سلمت السيارات، مقابل أن يزودوا هم بسيارات بديلة فاعطوهم سيارات شرطة طوالا طول وجه "خالتي مشهية" لا يعرف لها ماركة فقاموا بالتكبير في أذانها، وتوكلوا على الله وأسموها خالتي مشهية(موش هيا) واشتهرت التسمية في كامل التراب الليبي.

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز