احمد علي
ahmed.laarfi@outlook.com
Blog Contributor since:
15 July 2019

 More articles 


Arab Times Blogs
نحو تونس(2) جاك الموت يا تارك الصلاة

نحو تونس(2)!

"جاك الموت يا تارك الصلاة"!

حطت بنا تونيسيا أير بمطار قرطاج بعد الثامنة ليلا وأستقلينا أجرة لفيلا السيدة حميدة التي كان والدي حصل على عنوانها من إحدى أصدقائه وكانوا قد اتصلوا بها ولم أعلم ذاك الا حين وصلت، تكتيك ”كبار“ هو وصديقه الشاب، ووجدناها في إنتظارنا. كانت تسكن باحد احياء المنزه السبعة، حي انيق، جيرة ممتازة، ورغم أني لا أفضل سكن البيوت، الا اني كنت حريصا جدا على أن يستمتع الوالد برحلته ويتعافى فلا اخالفه في قرار يرغبه.

أبي أبدى أعجابه لموظف الجمارك، بمطار قرطاج كثيرا لأنه منذ زمان لم يسافر والمقارنة طبعا بمطاراتنا في العهد الملكي. سأله الموظف يا عمنا كم مرة زرت تونس اجابه أربع مرات، ومتى كانت أخر مرة؟ قال له أغسطس 1968م، ضحكنا جميعا لأننا آنذاك لم نك خلقنا بعد.

الفيلا أرضية وكانت تناسب الاسر الكبيرة حيث كانت بها 3 غرف وصالتين ومطبخ، وكعادة والدي كانت له خططه الخاصة التي أفسدتها له لكن برغم ذاك اعجبته خطتي واشاد بها، في غيابي طبعا، لدى اصدقائه، الذين بلغوا نصف شهر يزورونه رغم ان الرحلة كانت اسبوعا. عني أنا لم يزرني أحد وبدأت عملي ثاني يوم عودتي.

طلبت السيدة حميدة 70 دينارا عن الليلة، أخبرتها أن لها ما طلبت، فاقامتنا ستكون اسبوعا، وماذا سنوفر في السكن لاسبوع؟ فقط اشترطت عليها شرطا قبلته، وهو إعداد وجبة كسكسي تونسي بلحم "العلوش"، وهم أهله، وسأحضر لها ماتريد، وقد كانت كريمة فاعدته رافضة أن نحضر اي طلبات سوى تحديد تاريخه.

يوم وصولنا ليلا لمحت على ناصية "النهج" كشك يبيع ما يلزم المستأجرين، من طعام، معلبات، والى مواد التنظيف. كانت تقف به محجبة او منقبة لا أتذكر ومعها زوجها الذي سالني وانا اتبضع للعشاء من أين أنت؟ ليبي. أخبرني أنه لا يرغب بالبقاء في تونس كونها تضيق كثيرا على الحريات الدينية ويرغب بالهجرة لليبيا، أخبرته أني اقيم قريبا ولابد لي من زيارتهم يوما اخر اما اليوم نحن تعبين وجوعى.

بعد العشاء، اطلعنا أبي على خطته المبهرة، وهو أحضار مواد غذائية والطبخ. قلت له يا والدي أني أحضرت زوجتي معي في اجازة لاسبوع من الطبخ، لذا لا "تأكل" هما بهذه الامور، فقط استمتع بوقتك خارج العيادات.

يوم الجمعة، ذهبنا لشارع الحبيب بورقيبة ومن ثم دخلنا باب سويقة وابوابا اخرى كثيرة لا اتذكرها وزرنا قصر قرطاج والمقرات الحكومية، وهناك جامع عتيق أعتقد انه الزيتونة صورنا بقربه وصليت ووالدي الظهر في جامع السوق، عدنا لشارع الحبيب بورقيبة وتناولنا الغداء في احدى المطاعم هناك.

أبي يفضل التعامل مع زوجتي أكثر مني، رغم أننا "أخوة" أكثر من أب وابنه. سأل زوجتي عن حادث وقع في المطعم بينما كنت أطلب الوجبات، وكان لسوء حظه أن اجاب زوجتي عن سوألها أين، بأن وصف المكان انه بالطاولة التي بجوار تلك التي تجلس عليها السيدة ذات الشعر الاصفر والثوب الأحمر، وكان اللون الاصفر للشعر وقتها موضة في تونس. أخبرتني زوجتي همسا وتحوطا بالانجليزي الذي كان والدي نسي الكثير منه، بأن علقت قائلة يبدو أن نظر أبيك تحسن كثيرا بمجرد وصولنا لتونس. خزنت الملاحظة للممازحة لاحقا، فقد كنا نعمل له مقالب لطيفة، أحبها وتحدث عنها كثيرا لأصدقائه الذين زاروه حين عودته، واصفا الرحلة بانها كانت افضل رحلاته رغم انه جاب كل العالم العربي وبعض دول المتوسط.

كنت اشتريت جريدة رياضية قبلها من المطار، وكنت حريصا على حضور احدى مباريات الدوري التونسي الذي كان قويا وقتها حتى لو كلفني الامر الذهاب لسوسة، لكن كانت هناك مباراة بين الافريقي وحمام الانف ذلك الاسبوع فضلت أن أحضرها.

بعد اتمامنا الغداء، أخبرنا أبي عن خططه التي تعودها، وهي نذهب ونطبخ الشاي و"نٌقيِل"، من القيلولة، في السكن، قلت له حسنا إذهب أنت وأعد الشاي واحسبنا فيه، أما أنا وأهلي سنذهب في طريقنا وننزل عند مُرٌكب المنزه، لمشاهدة المباراة، وأنت للأسف لن تستطيع مشاهدتها كون أنك متعب وتريد الاستراحة، لكن لا تنسانا من الشاي، وركبنا من محطة برشلونة القطار، واقتربنا من ملعب المنزه المشهور، وهو معلم رياضي لابد لزائر تونس أن يزوره.

أخاف عليكم، قلت له لا تخف أكمل في القطار أو انزل معنا واستقل تاكسي، قلبي لا يطاوعني على ترككما، وأنا عارف أن عرضي مغرجدا، خاصة وان حياته كلها قضاها في مضامير الرياضة وكنت قد احضرت له كرت الجزيرة الرياضية ليستمتع بمشاهدة جميع الدوريات. دخل معنا للملعب، كان الخيالة يحرسون الملعب والشرطة تنظم الدخول اضافة الى العاملين بالمركب.

استمتعنا بالاجواء الكرنفالية وباربعة اهداف للافريقي واناشيد للافريقي وكان احد الاخوة التوانسة جالسا على يميني أطلب منه ترجمة النشيد الفرنسي العربي فاحيانا يفعل واحيانا يجيبيني الافضل ان لا اترجم لك هذا.

زرنا الدكتور وكان في انتظارنا يوم الاثنين بعد رحلات وجولات يومي السبت والاحد. فحصه ونظر ايضا لما احضرنا من صور، وقرر اجراء عملية بسيطة له يوم الاربعاء، تتمثل في حقن العين بدواء معين، ونصحنا بأن نجلبه من ليبيا على اول رحلة، وهو مجانا في ليبيا. سالته وهل هو متوفر عندهم، اجاب بنعم وكم تكلفته، خمسمائة دينار تونسي، وبعدها هل تصلح عين أبي؟ قال لي ما أخبركم به الدكتور الليبي حقيقة، لكن هذه الابرة مع عمل ليزر ونظارات يجعلن الحالة لا تتدهور. وسيحتفظ في اسوأ الظروف بمستوى أفضل مما يرى به الأن. ضحكت وقلت للدكتور وهل ترى ان خمسمائة او خمسين الف تساوي عين أبي؟ قم باجرائتك سنأتي الاربعاء، ونجري العملية، قال هناك ايضا بعض المصاريف مثل حجز غرفة حجز عادية، غرفة الجراحة، اجرة طبيب البنج، وغيرها عليكم ان تتفاهموا بشأنها مع القسم المالي الذي ذهبنا اليه ودفعنا المصروفات بالكامل، استعدادا ليوم الاربعاء.

الثلاثاء هو أخر الايام التي سيستمتع فيها بالسياحة معنا، اخذت أبي الى عدة أماكن خارج تونس العاصمة وتغدينا خارجها وقدمنا لباب سويقة وباقي السوق القديم قبيل الثالثة لشراء هدايا خاصة أنه ليلة الاربعاء الخميس لن يتمكن من الخروج والخميس مساءً الاياب لبنغازي. وكان لي تخطيط أخر ليوم الاربعاء.

اوصلناه قبيل الثامنة للعيادة ومكثنا معه نحو نصف ساعة، وبعد أن اطمئننا الى أن كل الامور تسير بصورة ممتازة، غادرناه الى حديقة الحيوان الكبرى في تونس الكبرى، بدلا عن الانظار الممل في المصحة. حين حجزنا تذاكر وجدنا التسعيرة أمام كل فئة، منها فئة "كهل" فاضطررنا الى سؤال "الكمسري"، بائع التذاكر عن أي فئة نختار سالنا عن اعمارنا قلنا في الثلاثينات، قال أنتم كهول! "طيب" كهول كهول اعطنا تذكرتين.

بقينا في الحديقة الى مابعد الثانية ظهرا وتناولنا الغداء فيها وقفلنا راجعين على أساس أن عند وصولنا سنأخذ الوالد ونعود للفيلا. وفي التاكسي تم الاتصال بزوجتي وقد تركت رقمها عندهم، اعطتني الموبايل، ليخبروني أن والدي رافض اجراء العملية وفوقها ضغطه مرتفع.

أسرعنا للعيادة وجدناه في "بالطو" العمليات الازرق وبجواره "كهل ستيني" من طرابلس. فرح والدي كما طفل صغير خائف جائه ابواه ليذهبا عنه الفزع. كان والدي طيلة حياته رياضي وتلكم اول مرة يمرض فيها فهو غير متعود على المرض بل انه لذلك الوقت كان محافظا على الرياضة لنصف قرن، حتى أنه غافلني مرة خوفا من نصحي واشترك بماراثون وعمره يقارب الـ55 عاما وأكمل الـ 25 مايل، نحو 42 كم.

سايسناه ومازحناه وقمنا بالضحك على خوفه واخبرناه نوادر وطلبنا قياس ضغطه فإذ به طبيعي، فصعدنا معه الى ما قبل غرفة العمليات، ووخزوه في عينه وخرج بقطنة كبيرة عليها "علقنا" عليها ومازحناه، ومساء الخميس قفلنا راجعين، ليذهب به شقيقي الدكتور لمصر لاجراء جلسات ليزر مطولة ختمت بتصميم نظارة خاصة.

لاحظت في جل التنقلات بالتاكسي او الحديث مع المواطنين، برما وسخطا معلنين على من يسمونها "الحجامة" ويقصدوا ليلى الطرابلسي، والاكثر عائلة الطرابلسية.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز